فهرس الكتاب

الصفحة 2019 من 2431

الموت

أولًا: المعنى اللغوي:

«الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة» 1.

والموت: ضد الحياة، مات يموت ويمات أيضًا فهو ميتٌ، وميتٌ مشددًا ومخففًا، وقومٌ موتى، وأمواتٌ، وميتون، مشددًا ومخففًا، ويستوي فيه المذكر والمؤنث 2.

والميت الذي مات، والميت والمائت: الذي لم يمت بعد، يقال: لمن لم يمت إنه مائتٌ عن قليلٍ، وميتٌ، ولا يقولون لمن مات: هذا مائتٌ، قيل: وهذا خطأٌ، وإنما ميتٌ يصلح لما قد مات، ولما سيموت 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعددت التعريفات للفظة الموت، وسنوردها إن شاء الله على النحو الآتي:

الموت: صفة وجودية خلقت ضدًا للحياة 4.

وقيل الموت: «انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار» 5.

وقيل الموت: مفارقة الروح للجسد 6.

وقيل الموت: «حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه، أو يتقدمه، تفقد فيه خواص ذلك الظهور» 7.

لا يخرج معنى الموت اصطلاحًا عن المعنى اللغوي، كلاهما يدلان على خلاف الحياة.

وردت مادة (موت) في القرآن الكريم (165) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 24 ... {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران:158]

فعل المضارع ... 34 ... {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34]

فعل الأمر ... 2 ... {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243]

المصدر ... 50 ... {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} [المؤمنون:99]

المصدر الميمي ... 3 ... {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام:162]

اسم المره ... 3 ... {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى} [الدخان:35]

الصفة المشبه ... 49 ... {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) } [الزمر:30]

وجاء الموت في القرآن على أربعة وجوه 9:

الأول: الموت نفسه: ومنه قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185] .

الثاني: النطفة: ومنه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] . يعني: كنتم نطفًا في أصلاب الآباء فأحياكم بالخلق والإيجاد، أو كنتم نطفًا في الأرحام فأحياكم فيها.

الثالث: الضلال: ومنه قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا} [الأنعام: 122] يعني: ضالًا فهديناه.

الرابع: الجدب وقلة النبات: ومنه قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [يس: 33] . يعني: الأرض الجدباء التي ليس عليها نبات أحييناها بالماء والنبات.

الفناء:

الفناء لغةً:

الفاء والنون والحرف المعتل. هذا باب لا تنقاس كلمه، ولم يبن على قياس معلوم، قالوا: فني يفنى فناء، والله تعالى أفناه، والفنا مقصور، والجمع أفنية 10.

فنى الشئ فناء، وأفناه غيره. وتفانوا، أي: أفنى بعضهم بعضًا في الحرب 11.

الفناء اصطلاحًا:

سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة 12.

الصلة بين الموت والفناء:

الموت: فيه رجعة مرة أخرى في الصغرى، ولا رجعة في الكبرى، الفناء: هو الانتهاء ولا رجعة فيها.

القتل:

القتل لغةً:

«القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة، مصدر قتله قتلًا» 13.

القتل معروف. وقتله قتلًا وتقتالًا. وقتله قتلة سوءٍ، بالكسر 14.

القتل اصطلاحًا:

إزالة الروح بفعل المتولي له 15.

الصلة بين الموت والقتل:

الموت: ينفي الحياة مع سلامة البنية، القتل: ينفي الحياة مع انتقاض البنية 16.

الإعدام:

الإعدام لغةً:

العين والدال والميم أصل واحد يدل على فقدان الشيء وذهابه، من ذلك العدم، وعدم فلان الشيء إذا فقده، وأعدمه الله سبحانه وتعالى أي: أماته، جمعه على العدماء 17، عدمت الشيء بالكسر، أعدمه عدمًا، بالتحريك على غير قياس، أي: فقدته 18.

الإعدام اصطلاحًا:

هي شنق الإنسان، وقتله على فعل شنيع قام بارتكابه.

الصلة بين الموت والإعدام:

الموت وقوعه على العباد من رب العباد، الإعدام: حصوله بيد الإنسان على المذنب

بمشيئة الله.

تنوعت أساليب القرآن في عرض حقائق الموت، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: حقيقة الموت والحكمة منه:

إن كنه الموت وحقيقته متعذرة معرفتها، قال الغزالي رحمه الله: «لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت؛ إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة، ومعرفة الحياة متوقفة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها، وإدراك ماهية ذاتها» 19.

وقال سيد قطب رحمه الله: «إننا لا نعرف شيئًا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة، ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات، ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق، قوة الله» 20.

إن كل أمر قدره الباري -جل وعلا- لابد فيه من حكمة، ظهرت أم خفيت، والموت من أعظم ما قدره الله تعالى على خلقه، فقد جعله الله تعالى فتنة للانتقال من الدنيا إلى الآخرة.

قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] .

وإنما قدم الموت هنا لأنه المخلوق أولًا، أو لأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نصب موته بين عينيه 21.

قال ابن كثير رحمه الله: ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم؛ ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملًا؟ كما قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] .

فسمى الحال الأول -وهو العدم- موتًا، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] .

وعند ابن أبي حاتم عن قتادة، قال في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء) 22.

ونظرًا لتعذر معرفة كنه الموت، فقد رتب أهل العلم الأحكام الشرعية المتعلقة به بظهور أماراته، قال ابن قدامة رحمه الله: «إذا اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت: من استرخاء رجليه وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه» 23.

ثانيًا: الموت مصير كل حي:

إن الموت هو مصير محتوم لكل مخلوق حي، أوجده الله سبحانه؛ لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 57] .

وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] .

فهنا يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا 24.

ولو نجا من الموت أحد لنجا منه أكرم البرية عند ربها محمد صلى الله عليه وسلم، ولو خلد أحد لخلد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، لكن الله كتبه عليه فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] .

ثم واسى الله تعالى رسوله، فأخبره بأن هذه سنته في خلقه، فقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] 25.

وبعدها حذر المسلمين من النكوص على الأعقاب: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .

وكان من دعاء النبي عليه السلام: (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) 26. فسبحان من تفرد بالبقاء، و كتب على عباده الفناء.

إن تمني عدم ملاقاة الموت لن يجعل الإنسان في حلٍ منه بل هو ملاقيه لا محالة 27.

قال الله: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 6 - 8] .

ولا ينفع الهرب من الموت.

قال الله: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16] .

ولن ينفع كذلك الالتجاء منه إلى بروج مشيدة: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] .

والجمع هنا في كلمة (بروج) مقصود أي: لو كنتم جميعًا معتصمين ببرج، وهذا البرج محاط بآخر وثالث ورابع، فلن يحميكم من الموت، وهذا يبين بجلاء قدرة الحق سبحانه في إنفاذ أمره بالموت 28.

ثالثًا: ندم الناس عند الموت:

كل الناس -مؤمنهم وكافرهم- سيندمون عند الموت، أما المؤمن فندمه على تفريطه في ساعة لم يذكر الله فيها، ويندم كذلك لعدم إكثاره من العمل الصالح، وعدم الحصول على الدرجات العليا من الجنة؛ ولذا أقسم الله بالنفس اللوامة فقال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2] .

قال مجاهد رحمه الله: «هي التي تلوم على ما فات، وتندم فتلوم نفسها على الشر لم عمله، وعلى الخير لم لم يستكثر منه» 29.

وأقسم الحسن رحمه الله على أنها نفس المؤمن 30.

أما الكافر فندمه بسبب تفريطه في جنب الله.

قال الله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99 - 100] .

والمعنى: لعلي أستدرك ما ضيعت من الإيمان والطاعة 31.

ولذا فإن الإنسان يتمنى الرجوع إلى دنياه ليتوب ويرجع عما اقترفه من قبل، لكن الله تعالى بين أن التوبة والإنابة لا تنفع فقط بعد الموت، بل حتى قبل خروج الروح، ومالم يغرغر الإنسان.

قال الله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] 32. قال ابن كثير رحمه الله «فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص» 33.

رابعًا: الموت كتاب مؤقت:

إن الله تعالى كتب الموت، وجعل له وقتًا لا يتقدم ولا يتأخر.

قال الله: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11] .

وقال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] .

والمعنى: سيأتي وقت محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه 34.

وذكر سبحانه أنه عجل الموت على خلق وأخره على آخرين، فمنهم المستأخر والمستعجل 35.

قال الله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [الواقعة: 60] .

وعند مسلم من حديث ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أمنا أم حبيبة رضي الله عنها بعد أن دعت الله بأن يمتعها بزوجها وأبيها وأخيها، فقال: (قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، أو يؤخر شيئًا عن حله) 36.

وقد أخبر تعالى أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب بكل سبب، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله.

قال الله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] .

وقال الله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] .

ومع أن الله تعالى أقت للموت، إلا إنه جعل هذا الأجل مجهولًا عن صاحبه؛ ليدفعه للعمل، والاستمرار على الطاعة، والانتباه والحذر من ساعة الأجل، فقال: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] .

قال قتادة رحمه الله: «أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ، ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر؟ 37.

خامسًا: الموت بيد من بيده الحياة:

الله تعالى هو خالق الحياة والموت، وجعلهما بيده سبحانه ومن أسمائه: الحي.

قال الله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] .

والحي هو «الذي لم يزل موجودًا وبالحياة موصوفًا، لم تحدث له الحياة بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة، وسائر الأحياء يعتورهم الموت والعدم» 38، وإذا قيل في حق الله: هو حي، فالمعنى «لا يصح عليه الموت، وليس ذلك إلا لله عز وجل» 39.

والناظر في الآيات يجد أن الله أسند الموت وأخذ الروح إلى نفسه تارة فقال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] .

وأسنده مرة إلى الملائكة، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [النساء: 97] .

وقال: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} [الأعراف: 37] .

وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] .

وأسنده إلى ملك الموت، فقال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] .

فمن الذي يتوفى الأنفس حقيقة؟ وهل بين هذه الآيات تعارض؟.

قال الشنقيطي رحمه الله: «والجواب عن هذا ظاهر: وهو أن إسناده التوفي إلى نفسه؛ لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض روح أحد إلا بإذنه ومشيئته تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] .

وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده للملائكة؛ لأن ملك الموت له أعوان من الملائكة تحت رئاسته، يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت» 40.

وقيل جوابًا عليه أيضًا: إن الله تعالى هو المتوفي بخلق الموت، وأمر الوسائط بنزع الروح، والملآئكة المتوفون أعوان ملك الموت وهم يجذبون من الأظفار إلى الحلقوم، وملك الموت يتناول الروح من الحلقوم، فصحت بذلك الإضافات كلها 41.

من عجائب القرآن أنه ركز على قضايا خاصة في حياة الناس، وحتى في أشد الظروف مرارة وقساوة، سواء في صحة أو سقم، في مرض أو موت، أو حرب أو سلم، فردًا أو جماعة، غنيًا أو فقيرًا، فسبحان من أودع العلوم في كتابه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] .

يتحدث القرآن عما يعتقده ذلك الكافر عند حضور الموت، واعتقاد المؤمن كذلك، ويتحدث عن توبة الإنسان عند موته، وعن وصية الإنسان وهو على عتبة الموت، ويعطي مثالًا رائقًا رائعًا عن وصية يعقوب لأبنائه عند موته. وسيكون بحثنا -بإذن الله -عن هذه المسائل:

أولًا: اعتقاد الكافر أن الموت نهاية المطاف:

يعتقد المكذبون بالبعث أن الموت هو النهاية العظمى وهو آخر المطاف، ولا بعث بعدئذ، حيث قالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 82 - 83] .

ثم اعتقدوا أن لا حياة بعد ذلك ولا نشورًا.

قال الله: {بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان: 40] .

فزاد تكذيبهم وعنادهم وقالوا: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29] .

وقد سطرت الآيات الكريمة مشهدًا يصور منطق تلك العقلية التي نشأت على التكذيب بالبعث وظلم النفس والابتعاد عن الحق.

قال الله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 78 - 81] .

روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته بيده فقال: يا محمد أيحيي الله هذا بعدما أرم؟، قال:(نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم) 42.

وقال الله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم: 66] .

واختلف هنا في من المقصود بالإنسان؟ هل هو عام، أم أنه قصد أحدًا بعينه؟. فقيل: العاص، وقيل: أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة 43.

وأيًا كان، فكل من كان على هذه الشاكلة فهو مقصود، والمعنى: يقول المنكر للبعث، المستبعد لوقوعه: كيف يعيدني الله حيًا بعد الموت، وبعد ما كنت رميمًا؟ 44.

ولذا فإن الكافر بعد أن يعاين ما بعد الموت، يأخذ بالدعاء والتضرع بالرجوع إلى الدنيا مرة أخرى؛ ليستأنف عمله ويشرع بالحسنى، ولكن هيهات ساعتئذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت