فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 2431

الاستطاعة

أولًا: المعنى اللغوي:

طوع: الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه، إذا انقاد معه ومضى لأمره، وأطاعه بمعنى طاع له، والاستطاعة مشتقة من الطوع، كأنها كانت في الأصل الاستطواع، فلما أسقطت الواو جعلت الهاء بدلًا منها، واسطاعه وأسطاعه واستاعه وأستاعه: أطاقه، فاستطاع على قياس التصريف، وأما اسطاع - موصولة - فعلى حذف التاء لمقاربتها الطاء في المخرج فاستخف بحذفه، والاستطاعة القدرة على الشيء 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: «اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل آليًا، كالكتابة، فإن الكاتب يحتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة، ولذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة» 2.

الاستطاعة: «هي عرض يخلقه الله تعالى في الحيوان، يفعل به الأفعال الاختيارية» 3.

وردت مادة (طوع) في القرآن (129) مرة، يخص موضوع البحث منها (42) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 15 ... {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) } [الكهف:97]

الفعل المضارع ... 27 ... {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء:129]

وجاءت الاستطاعة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة: الإطاقة ووجود ما يصير به الفعل متأتيًا؛ سواء تعلق ذلك بالقدرة القلبية أو البدنية أو المالية أو غيرها من المعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل 5.

القدرة:

القدرة لغة:

الطاقة والقوة على الشيء والتمكن منه، والغنى والثراء، يقال: رجل ذو قدرة ذو يسار وغنى 6.

القدرة اصطلاحًا:

«هي الصفة التي تمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة، والقدرة: صفة تؤثر على قوة الإرادة» 7.

الصلة بين الاستطاعة والقدرة:

الاستطاعة أخص من القدرة، فكل قادر مستطيع، وليس كل مستطيع قادرًا، ولهذا لا يوصف الله عز وجل بالاستطاعة؛ لكون القدرة أعم من الاستطاعة 8.

الوسع:

الوسع لغةً:

و س ع: (وسعه) الشيء بالكسر يسعه (سعة) بالفتح، و (الوسع) و (السعة) بالفتح الجدة والطاقة جدة الرجل، أي على قدر سعته لا يدخر وسعًا: يفعل أقصى ما يقدر عليه 9.

الوسع اصطلاحًا:

الوسع وهو «قدر ما تسع له القوة، وهو بمنزلة الطاقة، وهو نهاية مقدور القادر، ولا يصح ذلك إلا لله تعالى» 10.

قال الزمخشري: «إن الوسع هو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، فالله لا يكلف النفس إلا ما يتسع فيه طوقها، وتيسير عليها دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من شهر ويحج أكثر من حجة» 11.

الصلة بين الاستطاعة والوسع:

الوسع أخص من الاستطاعة، فالوسع ما يستطيع المرء فعله بلا مشقة 12، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

الإطاقة:

الإطاقة لغة:

هي القدرة على عمل الشيء 13.

الإطاقة اصطلاحًا:

هي القدرة على الاحتمال 14.

الصلة بين الاستطاعة والإطاقة:

لم يفرق علماء اللغة بين الإطاقة والاستطاعة وعند تعريفهم للإطاقة كانت بمعنى الاستطاعة 15، أما في العرف فتطلق الاستطاعة للإنسان خاصة، والإطاقة تكون عامة للإنسان والحيوان والجماد 16.

العجز:

العجز لغة:

العجز، الضعف، و أصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، أي: مؤخره كما ذكر في الدبر، وعجز عن الأمر، يعجز عجزًا وعجوزًا وعجزانًا، فهو عاجز 17.

العجز اصطلاحًا:

القصور عن فعل الشيء وعدم القدرة 18.

الصلة بين الاستطاعة والعجز:

العجز هو نقيض الاستطاعة.

لقد كلفنا الشرع الحكيم بالعديد من التكاليف، وأعطانا سبحانه وتعالى القدرة على القيام بها، فهناك أشياء نحن مجبرون عليها لا اختيار لنا بها، مثل: الأرزاق والصحة، ومثل: عمل أجهزة الجسم، فالقلب مثلًا نحن لا نستطيع إيقافه وتشغيله متى نشاء، فهذه أمور بيد الله وحده.

أما التكاليف التي فرضت علينا من أوامر ونواهٍ فقد جعل سبحانه وتعالى فينا القدرة والاستطاعة على فعلها.

فالاستطاعة هي مناط التكليف بواجبات الشريعة بعد العقل والعلم، فالعاقل العالم بالحكم الشرعي لا يجب عليه الفعل إلا إذا كان مستطيعًا قادرًا عليه 19.

فالاستطاعة التي هي مناط التكليف، وحدها قدر المستطاع وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] 20.

قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] .

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) 21.

فبين الله سبحانه وتعالى المقدار الذي كلف البشرية به، هو الاستطاعة الدائمة، فنحن لا نكلف إلا المستطاع الذي لا يشق أداؤه، وهذا هو المعنى الذي يتفق مع الحقائق الإسلامية والسنن المروية الثابتة، وإن أفضل الأعمال في الإسلام ما يدوم، وما يمكن أن يستمر الشخص عليه من غير إجهاد ومشقة.

فعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل) وقال: (تكلفوا من الأعمال ما تطيقون) 22.

وذلك لا يكون إلا في دائرة المستطاع.

فالحج فريضة على كل مسلم ولكن ليس أي مسلم، فليس كل عالم بفريضة الحج يجب عليه أداؤه إلا المستطيع، فالاستطاعة شرط أساسي للحج، وكذلك بقية واجبات الدين ومنها الجهاد والصيام.

ومن الأدلة العامة في ذلك قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) 23.

فإن لم يستطع المسلم سقط عنه الواجب، ومنه قاعدة (لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة) .

لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط، وإن عجز عن بدله سقط، مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء، لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضًا 24.

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون) 25.

ومن المعلوم أن الله عز وجل لا يكلف ما لا يطاق؛ لأن هناك من هو عاجز لا يقوى على أداء التكليف، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائمًا، ولا يكلف المريض بالصيام، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال، لخروج ذلك عن المقدور.

فالاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة، وقال البعض: إن الاستطاعة مع الفعل أو قبله، والصواب أنها نوعان: نوع قبله وهو المصححة للتكليف التي هي شرط فيه، ونوع مقارن له، فليست شرطًا في التكليف وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط 26.

وشرط الاستطاعة وجودها حقيقة لا حكمًا، والمقصود بوجودها حقيقة: وجود القدرة على الفعل من غير تعسر، ومعنى وجودها حكمًا القدرة على الأداء بتعسر 27.

والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي وإلا لكانت أوامر الله عز وجل ونهيه لا طائل منها تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وأما الاستطاعة التي تتقدم الأفعال هي القدرة المذكورة في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .وهي مناط التكليف.

فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحدًا على ترك الحج! وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.

وكذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم الفساد 28.

والنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطًا للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة، وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20] .

وقوله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 100 - 101] 29.

وعدم الاستطاعة هنا ليس بظلم لهم بل هي قمة العدل، إن القرآن العظيم بين أن هذا الطبع وهذا الختم والإزاغة عن الحق لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، فالعبد إذا سارع إلى الكفر، وتكذيب الرسل - عليهم السلام- وإلى ما يغضب الله عاقبه بأن زاده ضلالًا فوق ضلاله، وظلامًا على ظلامه، وجاءه هذا الطبع بسبب كفره وبغيه وتمرده على الله عز وجل 30.

فالشرع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى توابع هذه الاستطاعة، فإن كان الفعل ممكنًا مع مفسدة راجحة وضرر محتمل لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائمًا مع زيادة مرضه، فإن كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع العجز؟! 31.

وبهذا ندرك أن الله عز وجل الذي خلقنا أعلم بقدرتنا ومدى استطاعتنا على القيام بالتكاليف التي أمرنا بها، فهو عز وجل لم يكلفنا بما هو فوق طاقتنا، ولم يأمرنا بشيء لا نستطيع القيام به، فجعل سبحانه للتكاليف التي أمرنا بها حدًا معينًا وهي الاستطاعة، وإذا صدر التكليف حين الاستطاعة ثم فقدت هذه الاستطاعة حين الأداء، أوقف هذا التكليف إلى حين الاستطاعة.

إذن هناك استطاعتان: الاستطاعة المشترطة للفعل، وهي الاستطاعة الشرعية وهي التي عليها مناط الأمر والنهي، والثواب، والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس.

أما الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له هي الاستطاعة الكونية، وهي التي عليها مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل.

ونستدل من الآيات السابقة:

1.هناك أمور لا خيار لنا فيها مثل الصحة والرزق.

2.الاستطاعة أوجدها الله عز وجل في كل مسلم حسب قدراته لتأدية الأوامر الشرعية.

3.إن شرعنا الحكيم ييسر على العباد، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل علينا في الدين من حرج، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع، لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد يسمى مستطيعًا.

1.من فضل الله عز وجل على عباده أنه جعلهم قادرين على أداء التكاليف التي كلفوا فيها، وجعل فيهم الاستطاعة على أدائها، وعذر من لم يستطع القيام بها، فإن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا طاقة لنا به (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 286] .

وتتنوع الاستطاعة وتختلف أيضًا من شخص لآخر كل حسب استطاعته، والاستطاعة أنواع: استطاعة قلبية، واستطاعة بدنية، وأخرى مالية.

أولًا: الاستطاعة القلبية:

إن الذي يتحكم فيما يحققه الإنسان، ومدى إقباله على الشيء أو إدباره منه شيء واحد وهو الاستطاعة القلبية، وهي الاستطاعة النابعة من الذات فإن بها يتميز الناس في سلوكهم و مع الله -سبحانه وتعالى- وعبادتهم له عز وجل، وإن الشارع الحكيم لم يحمل الناس على شيء خارج قدرتهم واستطاعتهم خصوصًا في بعض الأمور، مثل: الجهاد مع الأعداء والجهاد مع النفس والصبر والعدل وغير ذلك.

ففي جهاد الأعداء يقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

لقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة هنا بالقدرة على الرمي 32.

ولكن الجهاد أيضًا يحتاج إلى الاستعداد النفسي، فالجهاد والموت في سبيل الله، وترك الأهل والدنيا بملذاتها، يحتاج إلى قدرة كبيرة لفعل ذلك، وهذه القدرة متباينة من شخص لآخر؛ لذلك قال تعالى: (ما استطعتم) فكلٌ حسب طاقته وقدرته القلبية.

وكان لنا في سيدنا عثمان بن عفان أسوة حسنة في قدرته على التخلي عن الغالي والنفيس في سبيل الله، وترك كل أمواله تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشد الأوقات صعوبة 33.

والتضحية بالروح أيضًا قدرات تتفاوت من شخص لآخر فكل حسب استطاعته.

وفي الجهاد مع النفس يقول تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] .

فجاءت هذه الآية موضحة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .

حيث إن فيها تخفيفًا ويسرًا على العباد، وإن جهاد النفس له درجات، لذا لم يقع التحديد بهذا القياس بل وقع التحديد بالاستطاعة 34.

عن السدي قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] . فلم يطق الناس هذا، فنسخه الله عنهم، فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] 35.

وفي رأي آخر: هي محكمة لا نسخ فيها، قال ابن عباس: «قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] أنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» 36.

والراجح أنه لا نسخ فيها حيث إن الآية الثانية موضحة وشارحة للأولى ولا تعارض في فهمها.

إن البشر لا بد أن يؤخذوا بالتدرج في أمورهم كلها، فهم لا يستطيعون الامتناع فجأة عما ألفوا، ولا الامتثال الفوري لما لم يعتادوا، لذلك كانت حكمة الله عز وجل في التدرج في الأحكام الشرعية حتى يتعدى القلب وينفذ بكل خضوع لأوامره سبحانه وتعالى، ومثال ذلك: التدرج في تحريم الخمر؛ إذ نزل على أربع مراحل، وكذلك التدرج في فرض الصلاة والصيام، وكان على مراحل أيضًا.

ولعلمه عز وجل بطبيعة من خلق من البشر، وحكمته في التشريع لهم؛ شرع للفرائض البدنية مقدمات تكون قبلها إذا حافظ المكلف عليها فإنها تهيئ قلبه وتعينه عليها، وتجعله يشعر بلذة العبادة؛ ذلك أن القلوب والأبدان تحتاج إلى ترويض وتدريب على فعل الطاعات، والبعد عن المحرمات، وينبغي تهيئتها لذلك حتى تجد لذة في الامتثال؛ ولئلا يكون فعل الطاعة أو الكف عن المحرم ثقيلًا عليها.

ففي الصلاة شرع الله تعالى الوضوء، وجعله شرطًا لها، وشرع التبكير إلى المسجد، والمشي إليه بسكينة ووقار، والدنو من الإمام، وجعل ذلك من سننها، بل يحسب ذلك صلاة له، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال أحدكم في صلاةٍ ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) 37.

كل هذه الأعمال لأجل أن تكون لدى المصلي الاستطاعة القلبية لأداء الصلاة بخشوع وطمأنينة.

وفي نسك الحج والعمرة يتهيأ المسلم قبل أداء هذه المناسك ليستطيع قلبه التلذذ بهذه الشعائر وذلك عن طريق السفر الطويل، واتخاذ ملابس أخرى للنسك غير ملابسه التي اعتاد عليها، ويلبي في الميقات، ويستمر مهللًا في طريقه إلى مكة، فلا يدخلها إلا وقد تهيأ قلبه لأداء نسكه، وامتلأ خشوعًا وشوقًا لبيت الله الحرام.

إن كل عمل يريد صاحبه أن يحقق نجاحًا فيه فإنه يحتاج إلى قناعة به، واستعداد نفسي له، وقدرة قلبية وجسدية على تحقيقه، والتهيئة النفسية والذهنية والجسدية للعمل الصالح في رمضان قبل دخوله سبب لقوة العزم، والجد في استثمار رمضان، والاجتهاد في أنواع الطاعات.

لذا كان الصيام في شهر شعبان مقدمة تهيئ المكلف لصيام رمضان، فلا يدخل عليه رمضان إلا وقد روض نفسه على الكف عن الحرام، وألف الصيام والقرآن وكثرة الذكر والصلاة، فيستشعر حينها عظمة هذه العبادة، وذلك لأن القلوب قد تهيأت فلا تصاب بالملل والتعب من هذه العبادة 38.

والعدل من الأمور التي تحتاج إلى استطاعة قلبية لتحقيقه على أرض الواقع، وهذه الاستطاعة ليس لها حد معين، فلكل شخص حده الذي يستطيع الإتيان به، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129] .

الحديث في هذه الآية عن زواج التعدد فقد نفى الله عز وجل الاستطاعة في العدل من قبل الرجل، فلابد أن يميل قلبه لواحدة دون الأخرى و إذا تحول قلب الرجل عن المرأة لا يعطيها حقها في الفراش، هذا معنى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا) ، المقصود به المحبة القلبية والفراش؛ لأن هذا فرع على عمل القلب، فالإنسان إذا كره بقلبه لا يمكن للجوارح أن تأتي بخلاف ما في القلب لكن المطلوب العدل في القسمة والنفقة وهذا في المستطاع وليس للقلب علاقة به 39.

فعدم الاستطاعة المقصود بها هنا العجز القلبي، وشيء طبيعي جدًا أن الإنسان لا يسأل عن هذا العجز القلبي؛ لأن التسوية في المحبة وميل القلب ليست بمقدور الإنسان، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) 40.

إن كان هذا هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم فما هو حال عامة البشر فهذا دليل على استيلاء النقص والقصور على جملة البشر، والقلوب ليست بأيدينا، إنما هي بيد الرحمن عز وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء) .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) 41.

والاستطاعة القلبية مطلوبة من الداعية إلى الله عز وجل في معترك الحياة الدعوية، حيث يجب أن تكون له قدرة على الصبر على مشاق الدعوة وصعوباتها وألا يستسلم بسهولة ويأتي منها قدر استطاعته.

وها هو سيدنا شعب عليه السلام يقول لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88] .

أي: بقدر طاقته، إبلاغهم وإنذارهم، فهو عليه السلام ليس قادرًا على إجبارهم على الطاعة ولا يريد إلا فعل الصلاح ما استطاع فهو بشر وله حد لطاقته وتحمله مشاق هذه الدعوة العظيمة 42.

قال القرطبي في هذه الآية: «أي: ما أريد إلا فعل الصلاح، أي: أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة، وقال: {مَا اسْتَطَعْتُ} لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و «ما» مصدرية، أي: إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي» 43.

والصبر خلق عظيم وهو من صفات الأنبياء عليهم السلام وهو يحتاج إلى استطاعة قلبية على التحمل والتجمل به في كل جوانب الحياة، سواء كان الصبر على الطاعة أو الصبر على المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت