وهذا الصدق له متعلق بالإخلاص، بمعنى أنه لا يكون له باعث للعمل إلا رضا الله سبحانه وتعالى، وصدق النية يجدد مقاصد المكلفين من أي عمل يقومون به، فإن انحرفت عن هذا المقصد إلى حظ من حظوظ النفس بطل صدق النية، ويرشد إلى ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثةٌ: رجلٌ استشهد أتي به فعرفه نعمة فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت في سبيلك حتى استشهدت، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلانٌ جريء، فقد قيل: فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلم العلم وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت القرآن وعلمته فيك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلان عالم وفلان قارئ فقد قيل، فأمر به فسحب على وجهه إلى النار، ورجلٌ أتاه الله من أنواع المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه لك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلان جوادٌ فقد قيل فأمر فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) 43.
ثانيًا: صدق الظاهر مع الباطن:
إن الصدق يعني مطابقة الظاهر للباطن، والأفعال للأقوال، بحيث توافق الأفعال الأقوال، فيعيش المسلم توافقًا كاملًا في حركاته وسكناته، فلا يبطن غير ما يظهر، ولا يخبر بغير ما وقع، ولا يقول ما لا يفعل، وإذا وافق الظاهر للباطن عند الإنسان، يكون تحلى بأعظم الصفات وأرفع الأخلاق، فيعيش مرتاح الضمير هادئ النفس؛ لأن الكذب يجعل النفس في اضطراب وعدم راحة، وإن المنافق الذي يخالف ظاهره عن باطنه، فيظهر الإيمان ويبطن الكفر، فهذا عين التملق والنفاق، وكذب بين ظاهره وباطنه، وكذلك يدخل في ذلك ذو الوجهين، وهو شر الناس في ميزان الشرع، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) 44.
ونقل ابن حجر العسقلاني في شرحه عن القرطبي قوله في ذي الوجهين: «إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل، وبالكذب، مدخلٌ للفساد بين الناس» ، ونقل عن النووي قوله: «هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين» 45.
فالمسلم صادق الحال لا يظهر خلاف ما يبطنه، ولا يتظاهر بما ليس فيه من التقوى والإخلاص، فهو في سكينة وراحة نفسية، بعكس المنافق الذي يعيش في فزع واضطراب في حياته.
قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4] .
ثالثًا: الصدق في القول:
الصدق في الأقوال يستوجب من المسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا بصدق ولا ينطق إلا الحق، فأحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه، ونهى الله تبارك وتعالى عن مخالفة القول للعمل.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف:2 - 3] .
وأمر سبحانه وتعالى بالقول السديد النابع من تحلي المؤمن بتقوى الله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) } [الأحزاب:70] .
ونهى الحق تبارك وتعالى عن تتبع الناس في قفاهم لمعرفة أسرارهم ومن ثم إذاعتها بين الناس.
قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } [الإسراء:36] .
والصدق في القول مطلوب وأوجب في الشهادات والتزكيات ونقل الأخبار، حتى لو كانت الشهادة على النفس أو أقرب المقربين لنا.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء:135] .
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن شهادة الزور من أكبر الكبائر، عن أبي بكرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) -ثلاثًا- قلنا: بلى، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس).وكان متكئًا فجلس، وقال: (ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت!!) 46.
كما أن على المسلم أن يتحرى الصدق في نقل الأخبار، فيتطلب من الناقل اجتناب الظنون والأوهام، ولا يجوز التعاطي مع الأخبار الكاذبة وترويجها في المجتمع المسلم، خوفًا من إحداث الفتن.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) } [الحجرات:6] .
فالمسم إذا أخبر فلا يخبر إلا بما هو مطابق للواقع، فإن الكذب آية المنافق وعلامة له، قال صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 47.
أما بالنسبة إلى الكذب فإنه محرم، ويتفاوت في القبح والإثم، وأشنع صوره: الكذب على الله والرسول؛ لأنه افتراء في الدين، وتجرؤ عظيم على الله، ولذلك كان من صفات النبي صلى الله عليه وسلم صفة الصدق في تبليغ ما أمره الله بتبليغه وفي سائر شئون حياته.
قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144] .
ونظير ذلك الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) 48.
والأصل في الكذب عدم الجواز، ولكن توجد حالات جاء الشرع بجواز الكذب فيها تحقيقًا للمصلحة العظيمة أو دفعًا للمضرة، فمن تلك الحالات: أن يتوسط إنسان للإصلاح بين فريقين متخاصمين، إذا لم يمكنه أن يصلح إلا بشيء منه؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيمني خيرًا أو يقول خيرًا) 49.
ومن تلك الحاجات: حديث الرجل لامرأته، في الأمور التي تشد أواصر الوفاق والمودة بينهما وما قد يصاحب ذلك الكلام من المبالغات، كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس) 50.
رابعًا: الصدق في الفعل:
إن الصدق في العمل والالتزام به من أخلاق المؤمنين الصادقين.
قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } [الأحزاب:23] .
إن الآية صريحة في بيان صدق الأفعال والالتزام الحاصل من الصحابة رضوان الله عليهم في جميع أعمالهم؛ حيث إنهم كانوا يصبغونها بمقتضى العلم الشرعي، وكان لهم الأسوة الحسنة في شعيب عليه السلام.
قال تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود:88] .
وأنكر الله سبحانه وتعالى على من خالف فعله ما عنده من النصوص الشرعية.
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة:44] .
والصدق يكون في إتقان العمل الذي يقوم به المسلم، بأداء الأعمال والحقوق إلى أصحابها كاملة، فلا بخس ولا غش ولا خداع ولا ظلم، بل يؤدي عمله على خير وجه، فيحسن إلى نفسه فلا يلحقه تبعه من عمله، ويحسن إلى الآخرين بتوفيتهم حقوقهم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) 51.
إن الصدق في الأعمال لا يتحقق إلا بثمن، ولا يصير خلقًا للإنسان إلا بتضحية ومجاهدة شاقة، إنه خلق لا يتحمله إلا المخلصون المتجردون لله تعالى من كل حظوظ النفس ومتاع الحياة الدنيا.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) } [البقرة:207] .
الصدق في الأفعال يقتضي أن يكون المسلم مطيعًا لربه، ممتثلًا لأوامره، ومجتنبًا لنهيه في السراء والضراء، آخذًا بتعاليم القرآن الكريم، ومقتديًا بسنة رسوله الكريم، وأشار صاحب خلق المسلم فقال: «العمل الصادق هو العمل الذي لا ريبة فيه؛ لأنه وليد اليقين، ولا هوى معه؛ لأنه قرين الإخلاص، ولا عوج عليه؛ لأنه نبع من الحق» 52.
فعلينا بالصدق في القول والعمل؛ ففيه النجاة والفرج من كل كرب مبين، وهذا الباب واسع فهو يشمل كل معاملات الناس وعلاقاتهم، وقد أصل له قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى صبرة طعام فأعجبته، وحينما أدخل يده فيها وجد فيها بللًا فنهى صاحب الطعام عن ذلك الغش بأسلوب فيه من الحدة 53.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال:(ما هذا يا صاحب الطعام) قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس مني) 54.
ويؤخذ من الحديث أن من غش واحدًا من المسلمين يعتبر غاشًا للأمة وللمجتمع، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
قال تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات:11] .
فالذي يلمز الناس في أعراضهم كأنما يلمز نفسه؛ لأن المؤمنين أخوة في العقيدة والإيمان، تجمعهم آصرة واحدة في دين الله 55.
خلاصة القول: إن الصدق قيمة أساسية في كل معاملات الناس، بل الدارس لفقه المعاملات يجد أن أي معاملة يغيب فيها الصدق تحظر ولا يعمل بها، لتغيبها لحقوق الناس، ومن هذا الوجه، حرمت جملة من البيوع كالنجش والغرر، وبيع المجهور، وتلقي الركبان وغيرها من البيوع التي تتضمن نوعًا من الخديعة، وفقدان المصداقية.
خامسًا: الصدق في الوعد:
إن الصدق في الوعد وفي العهد من الفضائل الخلقية التي يتحلى بها المؤمنون، ويشترك الوعد والعهد بأن كلًا منهما، إخبار بأمر يجب على المخبر أن يفعله، ويفترقان بأن العهد يزيد على الوعد بالتوثيق الذي يقدمه صاحب العهد، ومن أيمان مؤكدة، ويعاهد كلٌ من الفريقين المتعاهدين صاحبه بما سيفعل.
وأمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق في آيات كثيرة، قال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة:177] .
ثم أوضح أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن العهد، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34] .
وهو وصية الله للمسلمين، قال تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام:152] .
ووصف القرآن الكريم الذين يوفون بالعهد بأحسن الصفات، فقال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177] .
ثم أوضح أن محبة الله واقعة في حق المتقين الذين يوفون بالعهود وما أبرموه مع الآخرين، قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) } [آل عمران:76] .
وحذر تبارك وتعالى من نقض العهد والميثاق؛ لأنه يؤدي إلى سوء السلوك والأخلاق.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة:27] .
وإخلاف العهد ونقضه، ينحط بصاحبه إلى أسوأ البشر أخلاقًا، وبخاصة إذا كان العهد مع الله، فإن المتصف بتلك الصفة ينتقل من مجتمع الصادقين المتقين إلى تجمع المخادعين الكاذبين من المنافقين.
قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) } [التوبة:77] .
ويوحي تفسير الآيات السابقة، بأن الوفاء بالعهد هو جزء لا يتجزأ عن الإيمان بالعقيدة الإسلامية، لذلك فالمسلم يلتزم بالعهد سواء كان مبرمًا مع عدو أو صديق، ولا يجوز التلاعب به، فليس العهد من باب مصلحة المعاهد متى شاء أوفى به، ومتى شاء نقضه على حسب المصلحة، وإنما العهد يتعلق بالتعامل مع الله، فينبغي الوفاء به متى أبرمه الإنسان دون النظر إلى من عقد معهم العهد، طالما هم يستقيمون على العهد، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:7] .
والوفاء بالعهد يعتبر من مبادئ الإسلام الأخلاقية في التعامل، فهو أولًا تعامل مع الخالق عز وجل وطلب لمرضاته، واجتناب سخطه، وأوضح صاحب الظلال ذلك فقال: «إن الباعث الأخلاقي ليس هو المصلحة، وليس هو عرف الجماعة، ولا مقتضيات ظروفها القائمة، وإنما ينبغي أن نستمد القيم والمقاييس من الله بمعرفة ما يرضيه عن الأخلاق والتطلع إلى رضاه والشعور بتقواه» 56.
ونستطيع القول مما سبق، أن الإسلام حريصٌ على بناء الشخصية الإسلامية العادلة السوية التي تلتزم وتنفذ ما تعقده من معاهدات ومواثيق التزامًا كاملًا مهما كانت الصعاب؛ لأن المسلمين عند شروطهم وعهودهم التي يقطعونها على أنفسهم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] .
لقد كان الصدق ضرورة من ضرورات المجتمع الإسلامي، وفضيلة من فضائل السلوك البشري ذات النفع العظيم للمجتمعات الإنسانية وسبب بناء حضارتها، وأمر الإسلام بالصدق.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] .
وقال تعالى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد:21] .
والصدق يشمل الصدق مع الله بإخلاص العبادة لله، والصدق مع النفس بإقامتها على شرع الله، والصدق مع الناس في الكلام والوعود والمعاملات في البيع والشراء والشهادة والنكاح فلا تدليس ولا غش ولا تزوير، ولا إخفاء للمعلومات، وهكذا حتى يكون ظاهر الإنسان كباطنه وفي سره علانيته، فحينئذ تظهر آثار الصدق على الصادقين، فظهر في الرعيل الأول العجائب من صدقهم، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أصدق الناس إيمانًا وأصدقهم يقينًا، وظهر الصدق عليهم في جميع أحوالهم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقب الصديق؛ لأنه كان أسرع الناس في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسبقهم في تأييده، فكان أفضل الصحابة رضي الله عنه.
ولما نزل قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) } [الزمر:33] .
جاء في تفسيرها أنها إخبار عن الفائزين من عباد الله، وهم الصادقون في كل ما يخبرون به، والمصدقون بما أوجب الله تعالى التصديق به، ويدخل في هذا الفريق دخولًا أوليًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق ثم سائر الصحابة والمؤمنين إلى يوم الدين 57.
ويتضح لكل ذي عقل وبصيرة، أن للصدق فوائد جليلة وثمرات عظيمة وعديدة يجنيها الصادق بصدقه، ويسعد بهذا الخلق العظيم في الدنيا والآخرة، جعلتها في النقاط الآتية:
أولًا: آثار الصدق الدنيوية:
1.الصدق دليل على الإيمان والتقوى.
إن الاتصاف بفضيلة الصدق يعد صفة من صفات المؤمنين المتقين، فقد أخبر الله تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر ثم وصفهم بأنهم أهل الصدق، كما جاء في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .
جاء في تفسيرها ليس فعل الخير وعمل الصالح محصورًا في أن يتوجه الإنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب، ولكن البر الصحيح هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وأخذ النص القرآني يعدد صفاتهم التي تتبع الإيمان، إعطاء المال على محبته للمحتاجين وتفقد اليتامى ومساعدة ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله وأهله، وإعطاء السائل وتخليص الأسرى والأرقاء بالفداء، والمحافظة على إقامة الصلاة وإخراج الزكاة لمستحقيها، ويوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود، ووصفهم بأنهم صابرون أمام الشدائد وحين القتال في سبيل الله وذيل النص القرآني {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ، أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإيحاء إلى ما يلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان في الدنيا والآخرة 58.
2.الصدق دليل على البراءة من النفاق.
لقد قسم الله تعالى الناس إلى صادق ومنافق، فقال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) } [الأحزاب:24] .
فالإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما يطرد الآخر، ومن هنا كان الاستمساك بالصدق في كل شأن من شئون الحياة، وتحريه في كل قضية، وإبرازه في كل حكم بين الناس، فالصدق دعامة أساسية في خلق المسلم، وصفة ثابتة في سلوكه، وكذلك قام المجتمع الإسلامي على محاربة الظنون، ونبذ الإشاعات الكاذبة التي تحرق الأواصر الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، وهذا الذي تسعى وتتحرك إليه حركة النفاق لأحداث الشرخ في المجتمع والفرقة بين الناس، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) 59.
3.الصدق يورث الطمأنينة، والراحة النفسية.
إن المنهج القرآني يغرس فضيلة الصدق في نفوس أبناء المجتمع الإسلامي إلى جانب الفضائل التي دعا إليها، لينقل الناس إلى المستوى الرفيع في عالم القيم العليا والأخلاق الفاضلة، فيحدث الطمأنينة والراحة النفسية في نفوس الصادقين بصدقهم، وهذه النقلة الواسعة تفوق ما تصوره الفلاسفة وأصحاب المدن الفاضلة؛ لأن الذي وضع هذا المنهج الرباني هو الله سبحانه العليم الخبير بالنفس الإنسانية وشعابها المتعددة، فوضح منهجه الرباني متناسقًا مع فطرة الإنسان، لكي يتحرر من الماديات، ويسمو في عالم الروح والأخلاق والمحافظة على فضيلة الصدق التي توجد النفس السوية المطمأنة 60.
قال صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) 61.
فالصدق طمأنينة في النفس، والكذب اضطراب في النفس وريبة، والصدق دليل القوة والثقة بالنفسب، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمه) 62.
4.الصدق منجاة من الشدائد.