فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 2431

وقد أوضح تعالى الحكمة من هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ، والقوة والضعف، ونحو ذلك، فقال تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} أي: يخدم بعضهم بعضًا، ويسخر بعضهم لبعض؛ لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك.

فمن حكمته جل وعلا أن يجعل هذا فقيرًا مع كونه قويًا قادرًا على العمل، ويجعل هذا ضعيفًا لا يقدر على العمل بنفسه، ولكنه تعالى يهيء له دراهم يؤجر بها ذلك الفقير القوي، فينتفع القوي بدراهم الضعيف، والضعيف بعمل القوي؛ فتنتظم المعيشة لكل منهما.

وهكذا ليس فيهم خادم ومخدوم، بل كلهم يخدم ويخدم، ويستوى في هذا العالم والجاهل، والزارع، والصانع، والقوى والضعيف، والحاكم والمحكوم، إنهم جميعًا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا تكون آلة عاملة، ذات قوة محركة، إلا إذا عمل كل جزء من أجزائها، أيًا كان وضعه فيها، وأيًا كانت قيمته الذاتية بين أجزائها، بل إنهم أشبه بالجسد الإنساني في تجاوب أعضائه جميعًا في العمل على كل ما من شأنه أن يحفظ عليه حياته، ويوفر له أمنه وسعادته 49.

وقوله تعالى: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، يعني أن النبوة والاهتداء بهدى الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها 50.

قال سيد قطب: «وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد، والتفاوت فيما يمكن أن يؤديه كل فرد من عمل، والتفاوت في مدى إتقان هذا العمل.

وهذا التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة للخلافة في هذه الأرض، ولو كان جميع الناس نسخًا مكرورة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض بهذه الصورة، ولبقيت أعمال كثيرة جدًا لا تجد لها مقابلًا من الكفايات، ولا تجد من يقوم بها، والذي خلق الحياة وأراد لها البقاء والنمو، خلق الكفايات والاستعدادات متفاوتة تفاوت الأدوار المطلوب أداؤها، وعن هذا التفاوت في الأدوار يتفاوت الرزق، هذه هي القاعدة.

أما نسبة التفاوت في الرزق فقد تختلف من مجتمع إلى مجتمع، ومن نظام إلى نظام، ولكنها لا تنفي القاعدة الفطرية المتناسقة مع طبيعة الحياة الضرورية لنمو الحياة، ومن ثم لم يستطع أصحاب المذاهب المصطنعة المتكلفة أن يساووا بين أجر العامل وأجر المهندس، ولا بين أجر الجندي وأجر القائد، على شدة ما حاولوا أن يحققوا مذهبهم، وهزموا أمام الناموس الإلهي الذي تقرره هذه الآية من كلام الله، وهي تكشف عن سنة ثابتة من سنن الحياة 51.

إن تسخير هذا الكون بما فيه من المنافع والنعم العظيمة في المأكل والملبس والمشرب والزينة ووسائل النقل والمواصلات، وغيرها من النعم، يوجب على الإنسان شكر الله تعالى وتعظيمه، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: شكر الله تعالى:

من آثار التسخير الإيمانية التي ذكرها القرآن الكريم شكر الله.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [الجاثية: 12] .

وقال سبحانه: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) } [الحج: 36] .

إن تسخير البحار وجعلها خاضعة وميسرة لمنافع الإنسان، فتجري عليها السفن في حمل البضائع والأسفار واستخراج الطعام واللباس منها، وتسخير وسائل النقل والمواصلات من الأنعام والسفن والسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل.

وتسخير الأنعام من إبل وبقر وغنم فتذبح وتركب وتحلب، وتمكنه من الانتفاع بها من أعظم النعم على البشر، لذا يوجههم إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعمة وتذكر المنعم كلما عرضت النعمة، لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة.

{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله تعالى، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من نعمه، وأثابكم على شكركم أجرًا جزيلًا.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) } [يس: 71 - 73] .

استفهامٌ تعجيبيٌ لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم العدة فلذلك جيء بالمضارع المفيد للتجديد والاستمرار لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين 52.

وأصل الشكر في اللغة: الوصف بالجميل على جهة التعظيم على النعمة، من اللسان والجنان والأركان، وقيل: الظهور، ويضاده الكفران، وهو نسيان النعمة وسترها، وشكر العبد لربه: هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشكر الرب لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين؛ وإنما هو كنود كفور.

وقد بين تعالى أن الشكر يزيد النعم والكفر يذهبها، إلا ما كان استدراجًا، فقال في شكر النعمة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) } [إبراهيم: 7] .

وقال في الكفران وعواقبه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) } [النحل: 112] .

وبهذه المناسبة: فعلى كل المسلمين أفرادًا وجماعات، أن يقابلوا نعم الله بالشكر، وأن يشكروها بالطاعة والعبادة لله، وأن يحذروا كفران النعم 53.

ويخص البدْن بالذكر لأنها أعظم الهدي، فيقرر أن الله أراد بها الخير لهم، فجعل فيها خيرًا وهي حية تركب وتحلب، وهي ذبيحة تهدى وتطعم، فجزاء ما جعلها الله خيرًا لهم أن يذكروا اسم الله عليها، ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها، {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} ، والإبل تنحر قائمة على ثلاث معقولة الرجل الرابعة، {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} ، واطمأنت على الأرض بموتها أكل منها أصحابها استحبابًا، وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل، والفقير المعتر الذي يتعرض للسؤال، فلهذا سخرها الله للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة 54.

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، أي: ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم، تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا عليها؛ لأنها أقوى منكم، ألا ترى البعير إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به، وقوله هنا: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قد قدمنا مرارًا أن لعل تأتي في القرآن لمعان، أقربها اثنان: أحدهما: أنها بمعناها الأصلي، الذي هو الترجي والتوقع 55.

وفي الآيات تسخير الله تعالى لهذا الكون دون مقابل يستوجب الشكر، وهذا هو الأدب الواجب في حق المنعم، يوجهنا الله إليه، لنذكره كلما استمتعنا بنعمة من نعمه التي تغمرنا، والتي نتقلب بين أعطافها ثم ننساه.

ثانيًا: تعظيم الله تعالى:

من آثار التسخير الإيمانية التي ذكرها القرآن الكريم: تعظيم الله تعالى.

قال تعالى: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) } [الزخرف: 12 - 13] .

إن تسخير وسائل النقل والمواصلات من الأنعام والسفن والسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل من أعظم النعم على البشرية، لذا يجب على الإنسان تعظيم الله حين ركوبها والاستواء عليها، وقد نبهنا ربنا جل وعلا وعلمنا كيفية هذا التعظيم بقوله: {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق، فهو يدل على التنزيه عن النقائص، وهو من مادة السبح والسباحة، وهي: الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر.

و {سُبْحَانَ} ، اسم يدل على الثبوت والدوام، فكأن تنزيه الله موجود وثابت له سبحانه قبل أن يوجد المنزه، كما نقول في الخلق، فالله خالق ومتصف بهذه الصفة قبل أن يخلق شيئًا، وهو يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه، عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.

والإشارة في قوله: {هَذَا} ، راجعة إلى لفظ {مَا} ، من قوله: {مَا تَرْكَبُونَ} ، وجمع الظهور نظرًا إلى معنى ما؛ لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها، ولفظها مفرد، فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد باعتبار لفظها 56.

وقوله تعالى: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} ، ثم تذكروا مع التعظيم في قلوبكم وألسنتكم نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وذلك الذكر هو: أن يعرف أن الله تعالى خلق وجه البحر، وخلق الرياح، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد.

فإذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها.

وتقييدها في هذه الحالة وقت تبوء النعمة؛ لأن كثيرًا من الخلق تسكرهم النعم، وتغفلهم عن الله، وتوجب لهم الأشر والبطر، فهذه الحالة التي أمر الله بها هي دواء هذا الداء المهلك، فإنه متى ذكر العبد أنه مغمور بنعم الله، وأن أصولها وتيسيرها وتيسير أسبابها وبقائها ودفع ما يضادها أو ينقصها، كله من فضل الله وإحسانه، خضع لله وذل، وشكره وأثنى عليه، وبهذا تدوم النعمة ويبارك الله فيها، وتكون نعمة حقيقية.

فأما إذا قابلها بالأشر والبطر، ونسي المنعم، وربما تكبر بها على عباد الله، فهذه نقمة في صورة نعمة، وهي استدراج من الله للعبد سريعة الزوال، وشيكة بالعقاب عليها والنكال، نسأل الله أن يوزعنا شكر نعمه 57.

وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} ، أي: بمجرد القوة الجسدية 58.

وفي الآية: تعظيم الله تعالى وتمجيده وشكره؛ لأنه هو الذي سخر لنا ما نركبه من الأنعام والسفن وذللها، ولو لم يذللها الله لهم لما قدرنا عليها، ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك.

وقد علمنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم تعظيم الله عند الركوب.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته، كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر، واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا) ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رجع إلى أهله قال: (آيبون تائبون إن شاء الله عابدون، لربنا حامدون) 59.

وإن تسخير الأنعام من إبل وبقر وغنم للإنسان وتمكنه من الانتفاع بها من أعظم النعم على البشر، لذا يطلب تعظيم الله حين ذبحها والتسمية عليها، والأكل منها.

وإن الله لا ينتفع من أعمال العباد بشيء، ولكن النفع يعود على الإنسان ذاته.

فما يقدمه من قرابين وهدايا للحرم المكي أو أضاحي أو نذور، فإنما يقصد به تربية الإنسان، وغرس جذور التقوى في نفسه، وأداء واجبه، وشكر نعمة الله عليه، وتكبيره على هداية الله إياه، وإحسانه القول والعمل.

قال الله تعالى مبينًا ما يطلب حال ذبح الإبل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) } [الحج: 36 - 37] .

والتكبير في الآية: قيل: إنه ما يكون عند الذبح: بسم الله، الله أكبر، والأحسن أن يفسر بالتعظيم والتقديس والشكر، وترى أيضًا أنه قد أعيد في الآية حديث تسخير الأنعام، وتذليلها للناس، لأن في الإعادة تذكيرًا بالنعمة يبعث على شكرها والثناء على الله من أجلها، والقيام له بما يجب لعظمته وكبريائه، لأنه تعالى سخر لهم تلك البهائم، وأخضعها لتصريفهم، وأراهم ما يصنعون فيها، وكيف يتقربون بها 60.

وفي الآية: دلالة على أن التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل له جل شأنه من أهم المطالب الشرعية، التي لا يجوز لأحد إغفالها أو التهاون فيها.

لقد ظهر أثر هذا التسخير في الكون في كل مناحي الحياة، في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فظهرت آثار مادية ومعنوية، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الآثار الحسية:

لقد ذكر القرآن الكريم آثار التسخير المادية في عمارة الأرض.

قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) } [ص: 36 - 38] .

وقال سبحانه: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) } [سبأ: 12 - 13] .

بينت الآيات الآثار الحسية، والتي منها: التجارة، والاقتصاد، والصناعة.

فأخبر تعالى أنه سخر لسليمان عليه السلام الريح، ومعنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سير سفنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شواطئ فلسطين رياحًا موسمية تهب شهرًا مشرقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهب شهرًا مغربة لترجع سفنه إلى شواطئ فلسطين.

قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) } [الأنبياء: 81] .

فأطلق الغدو على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيهًا بخروج الماشية للرعي في الصباح، وهو وقت خروجها، أو تشبيهًا بغدو الناس في الصباح 61.

وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} ، والإسالة: جعل الشيء سائلًا في الأرض كمسيل الوادي، وعين القطر ليست عينًا حقيقة، ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من النحاس، حتى يكون النحاس المذاب سائلًا خارجًا من مساقي، ونحوها من الأنابيب، كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتوالي إصهاره، فلا يزال يسيل ليصنع له آنية وأسلحة ودرقًا، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقين للمعتاد بقوة إلهية.

شبه الإصهار بالكهرباء أو بالألسنة النارية الزرقاء، وذلك ما لم يؤته ملك من ملوك زمانه، ويجوز أن يكون السيلان مستعارًا لكثرة القطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون والأنهار 62.

وقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} قصور حصينة ومساكن شريفة، سميت بها؛ لأنها يذب عنها ويحارب عليها، والمحاريب: جمع محراب، وهو الحصن الذي يحارب منه العدو والمهاجم للمدينة، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحراب، ثم أطلق على القصر الحصين، وقد سموا قصور غمدان في اليمن: محاريب غمدان، وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية، ثم أطلق المحراب على المكان الذي يختلى فيه للعبادة، فهو بمنزلة المسجد الخاص 63.

والتماثيل: هي الصورة الممثلة، أي: المجسمة، فكان النحاتون يعملون لسليمان تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم 64.

والجفان: جمع جفنة، وهي القصعة العظيمة التي يجفن فيها الماء، وشبهت الجفان في عظمتها وسعتها بالجوابي، وهي جمع جابية، وهي: الحوض العظيم الواسع العميق، الذي يجمع فيه الماء لسقي الأشجار والزروع 65.

وقوله تعالى: {وَغَوَّاصٍ} ، من يغوصون له من الشياطين، أي: يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة، كاللؤلؤ والمرجان، والغوص: النزول تحت الماء، والغواص: الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه، أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملًا دون ذلك، أي: سوى ذلك الغوص المذكور، أي: كبناء المدائن، والقصور، وعمل المحاريب، والتماثيل، والجفان، والقدور الراسيات، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة 66.

وظهر أثر هذا التسخير في الكون في كل مناحي الحياة، في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فشيدت ناطحات السحاب، وأقيمت السدود العملاقة لإنتاج الطاقة، وحولت الصحاري إلى مناطق زراعية خصبة، وعمرت المدن الكبيرة.

ومن هذه الأثار الحسية: ما نشاهد من مصانع تشاد لصناعة وسائل النقل بمختلف أنواعها، السفن البحرية، الشراعية والنارية، والطائرات والسيارات والقطارات، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] .

ومن آثار التسخير الحسية التي ذكرها القرآن الكريم: صناعة الدروع والأسلحة من الحديد.

قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) } [الأنبياء: 80] .

وقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) } [سبأ: 10 - 11] 67.

ومن آثار التسخير الحسية التي ذكرها القرآن الكريم: صناعة السدود، فيصور القرآن ما صنعه ذو القرنين ليوقف زحف يأجوج ومأجوج على الآخرين.

فقال تعالى: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) } [الكهف: 94 - 97] .

وكان إقامة هذا السد لدفع الأذى عن الإنسان، وقد استخدمت السدود اليوم في توليد طاقة المياه الجارية، فيقيم على مسارها عجلات تحركها المياه فتدير الطواحين لغلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت