فهرس الكتاب

الصفحة 887 من 2431

قال ابن كثير في قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} : «وعن مجاهد قال: قال إبراهيم: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد، وأتم البنيان، ثم أخذ بيده، فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منًى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبّر وارمه، فكبّر ورماه، ثم انطلق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال له: كبّر وارمه، فكبّر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا، فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها: ثلاث مرار، قال: نعم» 37.

قيل: فسميت بسبب ذلك: عرفات.

وفي طلب إبراهيم من الله أن يعلّمه مناسك الحج ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقّى عن الله بلا واسطة 38.

وفي الآية: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية، يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} . وفيها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله عز وجل أن يريهما مناسكهما، فلولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال 39.

وعن قتادة قوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين -أو دينه-40. وقد جاء الإشارة إلى بعض مناسك الحج في زمن إبراهيم كالطواف في قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .

وسيأتي الكلام على الطواف لاحقًا -إن شاء الله-.

الحج ومشركو العرب:

كان المشركون يحجون، ويعتمرون، وقد اتفق العرب جميعًا على احترام البيت، وتعظيمه، وكان من دخله يصبح آمنًا مما يخيفه، إلا أنهم ابتدعوا في الحج بعض الأمور التي لم تكن مشروعة، ومنها:

-أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.

وقد جاء أن سبب نزول قوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ) [الأعراف: 31] أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة.

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرّمين منهم أكل ما لم يحرّمه الله عليهم من حلال رزقه؛ تبرّرًا عند نفسه لربه: (? ? ? ?) من الكساء واللباس عند كل مسجد» 41.

وقال الشنقيطي في تفسير هذه الآية: «فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ) أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبًا تجعله على فرجها» 42.

ويؤيد هذا ماء جاء في البخاري عن عروة: « .... كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس، والحمس قريش، وما ولدت، وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها، فمن لم يعطه الحمس طاف بالبيت عريانًا ... » 43. وفي مسلم: عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها، وتقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله

فما بدا منه فلا أحله

فنزلت هذه الآية: (? ? پ پ پ) [الأعراف: 31] » 44.

وقد روي: أن الحمس كانوا يقولون: نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبًا، ولا يجد ما يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى: (اللقى) بفتح اللام، قال شاعرهم 45:

كفى حزنًا كري عليه كأنه

لقى بين أيدي الطائفين حرام

وفي الكشاف عن طاووس: «كان أحدهم يطوف عريانًا، ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلًا ليتعرّوا من الذنوب كما تعرّوا من الثياب» 46.

وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أمر أبا بكر رضي الله عنه عام حجته سنة تسع أن ينادي في الموسم: (أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) 47.

-كانت قريش لا تقف مع الناس في عرفات ترفعًا عليهم.

كانت قريش لا تقف مع الناس ترفعًا، بل تقف بالمزدلفة، فأمرهم الله جل جلاله بالوقوف مع الناس، فقال لهم: (ک ک) [البقرة: 199] ، يا معشر قريش (گ گ گ گ) بأن تقضوا معهم، وتفيضوا من حيث أفاضوا، (? ?) في تغييركم مناسك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام 48.

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: « (ک) هاهنا لعطف خبر على خبر، وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطّان بيته» 49.

وقال الألوسي: «قوله: (ک ک گ گ گ گ) [البقرة: 199] .

أي: من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع، ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديمًا وحديثًا، وهو عرفة لا من مزدلفة» 50.

-كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت، فذكرت مفاخر آبائها.

حيث كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم، فأنزل الله قوله تعالى: (ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ) [البقرة: 200] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات (ويحمل الديات) ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: (? ? ? ? ? ہ ہ) 51.

فقوله: (ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ) أي: فإذا فرغتم من عباداتكم، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم، بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لله تعالى أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم؛ لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبًا أدى إلى الخزي في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، وإن كان صدقًا فإنه في الغالب يؤدي إلى العجب، وكثرة الغرور، أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه عظيم، وأجره كبير، وفضلًا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه، فالأولى أن لا ينسى من ربّاه، وهو الله رب العالمين، فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله تعالى، والنهي عن التفاخر بالأحساب والأنساب 52.

-وكانت العرب في الجاهلية تحج بالعدد، وتبدل الشهور (النسيء) .

يقول الله تعالى: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 37] .

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم، وتأخيره إلى صفر، فيحلّون الشهر الحرام، ويحرّمون الشهر الحلال؛ ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة، كما قال شاعرهم -وهو عمير بن قيس المعروف- بجذل الطعان:

لقد علمت معد أنّ قومي

كرام النّاس أنّ لهم كراما

ألسنا الناسئين على معد

شهور الحل نجعلها حراما

فأيّ النّاس لم تدرك بوتر

وأيّ النّاس لم نعلك لجاما» 53.

فقوله: (? ?) النسيء عند العرب: تأخير يجعلونه لشهر حرام، فيصيّرونه حلالًا، ويحرّمون شهرًا آخر من الأشهر الحلال عوضًا عنه في عامه 54.

قال الخازن: «ومعنى النسيء المذكور في الآية: هو تأخير شهر حرام إلى شهر آخر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم، وتعظيمها، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية، وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم، فكانوا يكرهون تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال، فنسؤوا، يعني: أخّروا تحريم شهر إلى شهر آخر، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرم إلى صفر، فيستحلون المحرم، ويحرّمون صفر، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع الأول، فكانوا يصنعون هكذا يؤخّرون شهرًا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذا باقي شهور السنة» 55.

وقوله: (? ? ?) : قال ابن عاشور: «ووجه كونه كفرًا أنهم يعلمون أن الله شرع لهم الحج، ووقّته بشهر من الشهور القمرية المعدودة، المسماة بأسماء تميزها عن الاختلاط، فلما وضعوا النسيء قد علموا أنهم يجعلون بعض الشهور في غير موقعه، ويسمونه بغير اسمه، ويصادفون إيقاع الحج في غير الشهر المعين له، أعني شهر ذي الحجة؛ ولذلك سموه النسيء اسمًا مشتقًا من مادة النساء، وهو التأخير، فهم قد اعترفوا بأنه تأخير شيء عن وقته، وهم في ذلك مستخفّون بشرع الله تعالى، ومخالفون لما وقّت لهم عن تعمد، مثبتين الحل لشهر حرام، والحرمة لشهر غير حرام؛ وذلك جرأة على دين الله، واستخفاف به؛ فلذلك يشبه جعلهم لله شركاء، فكما جعلوا لله شركاء في الإلهية، جعلوا من أنفسهم شركاء لله في التشريع، يخالفونه فيما شرعه، فهو بهذا الاعتبار كالكفر» 56.

وقوله تعالى: (پ پ پ ?) أي: بالنسيء، يزدادون ضلالًا فوق ضلالهم، وقوله: (? ? ? ?) يعني: النسيء، وهو الشهر الذي أخّروه، أي: أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده؛ ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام، فعامًا يحلّون، وعامًا يحرّمون، حتى يوافقوا عدة الأشهر الحرم، بلا زيادة ولا نقصان، ظنًّا منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإبليسية، كما قال تعالى: (ٹ ? ? ?) والمزين للباطل قطعًا هو الشيطان 57.

وبهذا النسيء والتأخير: أوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم؛ فلهذا السبب عاب الله عليهم، وجعله سببًا لزيادة كفرهم، وإنما كان ذلك سببًا لزيادة الكفر؛ لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم 58.

-تلبيتهم التي تتضمن الإشراك.

جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ويلكم قد قد) فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت) 59.

فكره النبي صلى الله عليه وسلم مخالطة المشركين في الحج، وسماع تلبيتهم التي تتضمن الإشراك، أي: قولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وطوافهم عراة، وكان بينه وبين المشركين عهد لم يزل عاملًا لم ينقض، والمعنى أن مقام الرسالة يربأ عن أن يسمع منكرًا من الكفر ولا يغيره بيده؛ لأن ذلك أقوى الإيمان، فأمسك عن الحج تلك السنة، وأمر أبا بكر الصديق على أن يحج بالمسلمين، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأكثر الأقوال على أن براءة نزلت قبل خروج أبي بكر من المدينة، فكان ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم صادرًا عن وحي؛ لقوله تعالى في هذه السورة: (? ? ? ژ ژ) [التوبة: 17] .

إلى قوله: (ے ?) [التوبة: 18] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [التوبة: 28] .

الآية 60.

-تحرج العرب في الطواف بين الصفا والمروة.

ورد أنهم في الجاهلية كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة؛ تعظيمًا لمناة. قال ابن عاشور: « ... وضع -عبد المطلب- إسافًا على الصفا، ونائلة على المروة، وجعل المشركون بعد ذلك أصنامًا صغيرة، وتماثيل بين الجبلين في طريق المسعى، فتوهم العرب الذين جاءوا من بعد ذلك أن السعي بين الصفا والمروة طواف بالصنمين، وكانت الأوس والخزرج وغسان يعبدون مناة، وهو صنم بالمشلل، قرب قديد، فكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، تحرجًا من أن يطوفوا بغير صنمهم، ففي البخاري فيما علقه عن معمر إلى عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة قالوا: يا نبي الله، كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة 61، فلما فتحت مكة، وأزيلت الأصنام، وأبيح الطواف بالبيت، وحج المسلمون مع أبي بكر، وسعت قريش بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي بين الصفا والمرة، وسأل جمع منهم النبي صلى الله عليه وسلم: هل علينا من حرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله هذه الآية» 62.

وفي سبب نزولها: أن رجالًا من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم كان بين مكة والمدينة، قالوا: يا رسول الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه الآية 63.

الصلة بين الحج في شريعة الإسلام وشريعة إبراهيم عليه السلام:

الحج نداء قديم جديد، قديم لأن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول من أعلنه، وصدع بأمر الله، حين قال له: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .

وجديد لأن خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ندب إليه، وقاد قوافله، ووضع مناسكه، وبين ما رصد الله له من جوائز، وربط به من منافع، وكان آخر عهده بالجماهير الحاشدة، وهي تصيح إليه في حجة الوداع، يزودهم بآخر وصاياه، وأحفلها بالخير والبر.

وقد سبق بيان أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام، أي من عهد إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، وأقره الإسلام في الجملة، ونزل في إيجابه وتأكيد فرضيته قول الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .

ثم إن هذه الآية المصرحة بفرضية الحج وليس لدينا غيرها هي إحدى آيات سورة آل عمران التي نزلت عقب غزوة أحد مباشرة، ومن المعروف أن غزوة أحد وقعت في السنة الرابعة من الهجرة، وعلى هذا يمكن القول بأن الحج فرض قبل سنة تسع، ولم ينفذ إلا فيها لما كان من عجز المسلمين عن ذلك؛ لأن مكة كانت في تلك الفترة من الزمن خاضعة لسلطان قريش، فلم يسمح للمسلمين بأداء هذه العبادة العظيمة، وقد أرادوا العمرة فعلًا، فصدوهم عن المسجد الحرام، كما أخبر تعالى بقوله: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] .

فعجز المسلمين أسقط عنهم هذه الفريضة، كما أن العجز مسقط لفريضة الحج عن كل مسلم، ولما فتح الله سبحانه وتعالى على رسوله مكة سنة ثمانٍ من الهجرة لم يتوان الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس بأداء فريضة الحج، وأمر أبا بكر أن يحج بالناس، فحج بهم في السنة التاسعة المباشرة لعام الفتح تمامًا.

-أولًا: فرض الحج وتوقيته:

اختلف أهل العلم في السنة التي فرض فيها الحج، وقد ذكر القرطبي في وقت فرضية الحج ثلاثة أقوال:

فقيل: سنة خمس.

وقيل: سنة سبع.

وقيل: سنة تسع.

ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنه ذكر عن ابن هشام عن أبي عبيد الواقدي أنه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس 64.

قال ابن عاشور: «وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء، وهو أن دليل وجوب الحج قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .

وقد استدل الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذٍ محصرين عن أداء هذه الفريضة، إلى أن فتح الله مكة، ووقعت حجة سنة تسع» 65.

إلا أن ما رجحه الشنقيطي في أضواء البيان هو أن الحج إنما فرض عام تسع، كما أوضحه ابن القيم.

يقول الشنقيطي: «لأن آية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع. قال رحمه الله: «وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب -إن شاء الله تعالى- وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج؛ لأنه لم يفرض» 66.

وكما اختلف العلماء في وقت فرض الحج، اختلفوا كذلك في الآية التي فرض فيها الحج.

والمتجه أن تكون هي قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} فهذه الآية هي التي فرض بها الحج على المسلمين. قال ابن عاشور: «وقد استدل بها علماؤنا على فرضية الحج، فما كان يقع من حج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل نزولها، فإنما كان تقربًا إلى الله، واستصحابًا للحنفية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مرتين بمكة قبل الهجرة، ووقف مع الناس، فأما أيجاب الحج في الشريعة الإسلامية فلا دليل على وقوعه إلا هذه الآية، وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحج، فلا يعدّ ما وقع من الحج قبل نزولها وبعد البعثة إلا تحنثًا وتقربًا، وقد صح أنها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحد، فيكون الحج فرض يومئذٍ» 67.

«ونلحظ أن في هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتين: لام الاستحقاق، وحرف (على) الدال على تقرر حق في ذمة المجرور بها. وقد تعسر أو تعذر قيام المسلمين بأداء الحج عقب نزولها؛ لأن المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعل حكمة إيجاب الحج يومئذٍ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحج مهما تمكنوا من ذلك، ولتقوم الحجة على المشركين بأنهم يمنعون هذه العبادة، ويصدون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه» 68.

ولهذا نجد أنه لما فتح الله مكة وجاءت الوفود مسلمين، وغلب الإسلام على بلاد العرب، تمكّن الدين، وخدمته القوة، فأصبح مرهوبًا بأسه منع المشركون من الحج، فحج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عشرة، وليس معه غير المسلمين، فكان ذلك أجلى مظاهر كمال الدين.

وفي قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .

بدل من {النَّاسِ} لتقييد حال الوجوب.

وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتًا في كتب التفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جدًّا، وسبيل البعيد الراحلة والزاد؛ ولذلك قال مالك: السبيل القدرة، والناس على قدر طاقتهم، وسيرهم، وجلدهم. واختلف فيمن لا زاد له، ويستطيع الاحتراف في طريقه: فقال مالك: إذا كان ذلك لا يزري فليسافر، ويكتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير والشعبي وعكرمة 69.

ثانيًا: أشهر الحج وميقات أدائه:

الحج له ميقات زماني: وهو المذكور في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] .

قال في اللباب: «أجمع المفسّرون على أن شوالًا وذا القعدة من أشهر الحج، واختلفوا في ذي الحجة. فقيل: إنها بكليتها من أشهر الحج، وقيل: بل العشر الأول من ذي الحجة فقط هي من أشهر الحج، وقيل: التسعة الأول مع ليلة النحر من أشهر الحج» 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت