فهرس الكتاب

الصفحة 1825 من 2431

والراجح: القول الثاني، وهو مع ذلك ليس يبعد عن الأول؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى كما يقول ابن القيم: «يقسم بأمور على أمور، وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته، فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) [الذاريات: 23] .

وإما على جملة طلبية كقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92 - 93] .

مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم، فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه، وذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها، فأما الأمور المشهورة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها، وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسمًا به ولا ينعكس 71.

وعلى أية حال فـ «المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به» 72.

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «وما به سبحانه من حاجة إلى القسم، ولكن هذا القسم منه -جل جلاله- بالقرآن وحروفه، يخلع على المقسم به عظمة وجلالًا، فما يقسم الله سبحانه إلا بأمر عظيم، يرتفع إلى درجة القسم به واليمين» 73.

وأما بالنسبة لإبليس فقد أقسم بعزة الله، قد أقسم على إغواء بني آدم: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: 82] .

وأقسم بإغواء الله تعالى إياه: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16] .

(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) ڑ) [الحجر: 39] .

فقد قال بعض العلماء: «هذا قسمٌ من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين» 74 «وإقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه وقهره لا ينافي إقسامه بهذا، فإنه فرعٌ من فروعها وأثرٌ من آثارها، فلعله أقسم بهما جميعًا فحكي تارة قسمه بهذا وأخرى بذاك» 75.

والفرق بينهما أن العزة صفة ذات والإغواء صفة فعل، «والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه» 76.

وعلى أية حال فلا إشكال في الآية؛ وذلك لأن هذا القسم صادر من إبليس وليس فعله تشريعًا، ثم إن بعض العلماء ذهب إلى أن الباء للسببية، والمعنى: بسبب إغوائك إياي.

ثم إن الكفار مع أنهم لا يلتزمون بمنهج إلا أن ما حكاه المولى عز وجل عنهم إما قسم بالله تعالى وإما قسم حذف المقسم به إلا ما حكاه عن سحرة فرعون من حلفهم بعزة اللعين فرعون: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) [الشعراء: 44] .

العطف على المقسم به:

تكرر في القرآن الكريم العطف على المقسم به، قال أبو حيان رحمه الله: «والذي يظهر أن ما عطف بالفاء هو من وصف المقسم به قبل الفاء، وأن المعطوف بالواو وهو مغاير لما قبله، على أنه يحتمل أن يكون المعطوف بالواو ومن عطف الصفات بعضها على بعض» 77.

وبناءً على ذلك فإن العلماء قالوا: إنه قسم واحد بأشياء متعددة، أو بشيء واحد ذي صفات متعددة، نص المفسرون على ذلك، قال ابن عاشور عند تفسير سورة الصافات: «والمقسم به نوع واحد مختلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) » 78.

وذهب بعضهم مذهبًا آخر وهو أنه «إذا كان المدلول متغايرًا، فتكون أقسامًا متعاقبة. وإذا كان غير متغاير، فهو قسم واحد، وهو من عطف الصفات» 79.

ولعله يقصد بكونها أقسامًا متعاقبة كون كل واحد منها مقسمًا به، ولا يقصد أن لكل واحد منها جوابًا.

ثالثًا: المقسم عليه:

المقسم عليه هو جملة جواب القسم، وقد يحذف هذا الجواب إما للعلم به، وهذا قليل؛ نظرًا لأن المقصود الرئيس من القسم هو توكيد المقسم عليه، والذي يسوغ حذفه كون المقسم به والمقسم عليه شيئا واحدا ومنه قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص: 1] .

«وهو هذا القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ضرورة العباد إليه، فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تلقيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه» 80.

ثم إننا بالنظر نجد أن الموضوعات المقسم عليها في القرآن موضوعات كثيرة أهمها:

أصول الإيمان من التوحيد، كما في قوله: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَ?هَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) [الصافات: 1 - 5] .

فقد أقسم بالملائكة حين تصف نفسها، وحين تزجر الريح وحين تتلوا القرآن على أن إله هذا الكون إله واحد.

والرسالة وما يتعلق بها، فأقسم على نفي الجنون عن نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (ن ? وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ*. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) [القلم: 1 - 2] .

وذلك لمقابلة تأكيدات الكفار الكثيرة على أن الرسول مجنون، ومن ذلك قولهم: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر: 6] .

وأقسم على أنه أرسل رسلًا كثيرين، فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ(45 ) ) [غافر: 78] .

وأقسم على بعثة رسل بأعيانهم، فقال:

البعث واليوم الآخر وما يتعلق به، فأقسم على أنه سبحانه سيسأل جميع الناس، فقال سبحانه: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ?1?فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ?2?فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ?3?فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ?4?إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ?5?وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ?6?وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ?7?) [الذاريات: 1 - 6] .

فأقسم بالرياح التي تذرو التراب، وتحمل السحاب، وبالسفن التي تجري في البحار بسهولة ويسر، وبالملائكة على أن ما وعدوا به من البعث والحساب واقع لا محالة. وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6] .

(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ?92?) [الحجر: 92] .

فأقسم أن الجميع سيسأل عن أعماله؛ ليجازى عليها. ثم أقسم في آية أخرى على نزول العذاب بالكافرين لا محالة في الآخرة: (ں ںوَالطُّورِ ?1?وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ?2?فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ?3?وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ?4?وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ?5?وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ?6?إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ?7?مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ?8?) [الطور: 1 - 8] .

فأقسم بجبل الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وباللوح المحفوظ وبالبيت المعمور الذي هو في السماء السابعة حيال الكعبة، وبالسماء التي هي كالسقف فوقنا وبالبحر المملوء على أن عذابه واقع لا محالة، لا يدفعه دافع ولا يمنعه ممانع.

وقريب من هذا القسم أول سورة المرسلات والنازعات.

والكتب الإلهية من القرآن الكريم، كما في قوله: (حم ?1?وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ?2?إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ?3?) [الزخرف: 1: 3] .

فقد أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن الكريم على أن القرآن نزل عربيًا؛ ليتعقله العرب الذين نزل عليهم «وفي جعل المقسم به -القرآن- بوصف كونه مبينًا، وجعل جواب القسم أن الله جعله مبينًا، تنويه خاص بالقرآن؛ إذ جعل المقسم به هو المقسم عليه، وهذا ضرب عزيز بديع؛ لأنه يومئ إلى أن المقسم على شأنه بلغ غاية الشرف، فإذا أراد المقسم أن يقسم على ثبوت شرف له لم يجد ما هو أولى بالقسم به؛ للتناسب بين القسم والمقسم عليه» 81.

وأقسم على أن القرآن وحي من عنده تعالى فقال: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى?(1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى? (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى? (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? (4 ) ) [النجم: 1 - 4] .

وقال: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ? وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) [البقرة: 99] .

وأقسم على إيتاء التوراة لموسى عليه السلام: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ? وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [البقرة: 87] .

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [المؤمنون: 49] .

وأقسم على أنه أعطى آل إبراهيم الكتاب، فقال: (ٹ. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى? مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء: 54] .

وفي مجال الجهاد أقسم على نصرته للمؤمنين، ومن ذلك: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?55?) [النور: 55] .

(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51] .

(ے ے وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 171 - 173] .

وأقسم على أن المنافقين لا ينصرون أهل الكتاب ولو حاولوا ذلك لما استطاعوا: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ?12?لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ?13?) [الحشر: 12 - 13] .

وأقسم على خلق الإنس والجن:

وأقسم على اختلاف عمل الناس: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى? ?1?وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى? ?2?وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى? ?3?إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى? ?4?) [الليل: 1 - 4] .

وأقسم على نفي الإيمان عن من لم يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم أو حكمه ولم يرض بحكمه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65] .

وأقسم على كفران الإنسان لنعمة ربه وحبه للمال، فقال: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ?1?فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ?2?فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ?3?فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ?4?فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ?5?إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ?6?وَإِنَّهُ عَلَى? ذَ?لِكَ لَشَهِيدٌ ?7?وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ?8?) [العاديات: 1 - 8] .

فأقسم بالخيل، أو بـ «رواحل الحجيج، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف الخيل والإبل دفعة، فتثير أرجلها نقعًا شديدًا فيما بينهما، وحينئذ تتوسطن الجمع من الناس» 82. على أن الإنسان شديد الكفران لنعم ربه، وسوف يشهد على نفسه بذلك يوم القيامة، وما ذلك إلا لحبه الشديد للمال الكثير.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وهو سبحانه وتعالى يقسم على أصول الإيمان التي تجب على الخلق معرفتها، وتارة يقسم على التوحيد، وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على الجزاء والوعد والوعيد، وتارة يقسم على حال الإنسان» 83.

«والقسم إما على جملة خبرية -وهو الغالب- كقوله تعالى: (ے فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) [الذاريات: 23] .

وإما على جملة طلبية في المعنى كقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ?92?عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.) [الحجر: 92 - 93] ؛ لأن المراد التهديد والوعيد» 84.

اتحاد المقسم به وجواب القسم:

«وفي جعل المقسم به القرآن بوصف كونه مبينًا، وجعل جواب القسم أن الله جعله مبينًا، تنويه خاص بالقرآن إذ جعل المقسم به هو المقسم عليه، وهذا ضرب عزيز بديع؛ لأنه يومئ إلى أن المقسم على شأنه بلغ غاية الشرف فإذا أراد المقسم أن يقسم على ثبوت شرف له لم يجد ما هو أولى بالقسم به؛ للتناسب بين القسم والمقسم عليه» 85.

القسم من أقوى مؤكدات الجملة، وذلك أن الخبر -كما يقول البلاغيون- ينقسم باعتبار حال المخاطب إلى ابتدائي؛ يساق مجردًا عن المؤكدات لخالي الذهن، وطلبي؛ يؤكد بمؤكد واحد يساق للمتردد، وإنكاري؛ يؤكد بأكثر من مؤكد، يساق للمنكر، وتكثر المؤكدات حسب درجة الإنكار، والقسم من أقوى ما يؤكد به الكلام 86.

إذًا فالغرض الرئيس للقسم هو توكيد الخبر وتحقيقه، حتى يكون أوقع في النفس، وأقرب للقبول، وأبعد عن الشك، وهناك أغراض متفرعة عن هذا الغرض الرئيس، منها:

تقدم القول بأن اليمين ثلاثة أنواع:

فاللغو لا كفارة فيها باتفاق، كما قال المولى سبحانه: (لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(225 ) ) [البقرة: 225] .

وقال: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: 89] .

وأما اليمين المنعقدة فيخرج من عهدتها بواحدٍ من ثلاثة أشياء:

«الأول: إبرارها بفعل ما حلف عليه.

الثاني: الكفارة، وهي جائزةٌ قبل الحنث وبعده على التحقيق.

الثالث: الاستثناء بنحو إن شاء الله» 92.

واليمين المنعقدة فيها الكفارة باتفاق؛ لنص الآية الكريمة: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة: 89] .

وهي بنص الآية الكريمة إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فإن تعذر واحد من هذه الثلاثة انتقل إلى صيام ثلاثة أيام، فهي مخيرة ابتداءً مرتبة انتهاءً.

ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، قال ابن العربي: «ذكر الله عز وجل في الكتاب الخلال الثلاث مخيرًا فيها، وعقب عند عدمها بالصيام فالخلة الأولى هي الإطعام، وبدأ بها؛ لأنها كانت الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة فيها على الخلق، وعدم شبعهم.

ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير؛ وإنما اختلفوا في الأفضل من خلالها، وعندي أنها تكون بحسب الحال؛ فإن علمت محتاجًا فالإطعام أفضل؛ لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجتهم وزدت محتاجًا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله غلبة الحاجة بدأ بالمهم المقدم» 93.

والحكمة من تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل:

أولًا: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب؛ لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداية بالأغلظ.

ثانيًا: قدم الإطعام؛ لأنه أسهل، ولكون الطعام أعم وجودًا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف.

ثالثًا: أن الإطعام أفضل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد طعامًا، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام، فيقع في الضر.

وأما العبد فيجب على مولاه إطعامه وكسوته 94.

واختلف الفقهاء في مقدار الإطعام، وربما تفاوت بتفاوت الأزمنة والأمكنة والأشخاص، والمراعى في ذلك أن يطعم عشرة مساكين طعامًا كافيًا من متوسط ما يطعمه أهله، وذلك يختلف من زمان لآخر ومن مكان لآخر ومن شخص لآخر.

ويقال في الكسوة ما قيل في الإطعام.

والإطعام يكون لمن توافرت فيه أوصاف خمسة هي:

وأما الكسوة، فلا تجوز إلا على سبيل التمليك؛ لأن الكسوة للوقاية من الحر والبرد، وهذه الحاجة لا تتحقق إلا بالتمليك، بخلاف الإطعام، فإنه لدفع الجوع، وهو يحصل بتناول الطعام، وتكون الكسوة للمساكين كالإطعام.

وأما قدر الكسوة: فاختلف فيه، فقال الحنفية: أدنى الكسوة ما يستر عامة البدن.

وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه؛ فإن كان رجلًا كساه ثوبًا تجزئ الصلاة فيه، وإن كانت امرأة كساها قميصًا وخمارًا؛ لأن الكسوة إحدى خصال الكفارة، فلم يجز فيها أدنى ما يطلق عليه اسم الكسوة؛ ولأن اللابس حينما لا يستر العورة يسمى عريانًا لا مكتسيًا.

وقال المالكية: أقل ذلك للرجل ثوب يستر جميع جسده، وللمرأة ما يجوز لها فيه الصلاة، وذلك ثوب وخمار.

وقال الشافعية: «يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو رداء أو جبة أو قميص أو ملحفة؛ لأنه يقع عليه اسم الكسوة؛ ولأن الله تعالى لم يذكر في الكسوة تقديرًا، فكل ما يسمى لابسه مكتسيًا يجزئ» 96.

وبالنسبة للرقبة ففيها الخلاف المشهور، وهو أنه هل يشترط الإيمان أم يجزئ أي رقبة؟

وذلك مبني على الخلاف في حمل المطلق على المقيد، فقد أطلقت الرقبة هنا وقيدت بالإيمان في كفارة القتل الخطأ، فمن قال بحمل المطلق هنا على المقيد هناك اشترط الإيمان، ومن لم يحمل المطلق هنا على المقيد هناك ذهب إلى عدم اشتراط الإيمان.

قال الشوكاني رحمه الله: «والظاهر أنه لا وجه للقول بالتقييد؛ لأن ذنب كفارة القتل مغلظ وذنب كفارة اليمين مخفف، ولا يقيد ما هو مخفف بما هو مغلظ، فإنه اختلاف يوجب بقاء المطلق على إطلاقه، ولا سيما مع اختلاف السبب، فإنه بمجرده مانع من التقييد» 97.

وبحث مثل هذه المسألة قليل الجدوى في زماننا هذا نظرًا لعدم وجود الرقيق، فلا نطيل فيها.

«واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم: فذهب جماعةٌ إلى أنه لا يجب فيه التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قومٌ إلى أنه يجب فيه التتابع قياسًا على كفارة القتل والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ رضي الله عنه: صيام ثلاثة أيامٍ متتابعاتٍ» 98.

وأما اليمين الغموس وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كذاب وهي التي في قوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [المائدة: 89] 99.

واختلفوا فيها، فقال مالك، وجماعة: لا تكفر، وهي أعظم ذنبًا من ذلك. وقال عطاء، وقتادة، والربيع، والشافعي: «تكفر، والكفارة مؤاخذة» 100.

والخلاف فيها نشأ من أنها فيها شبه بالمنعقدة وشبه باللغو.

فأما شبهها بالمنعقدة، فهو أن القلب عقد عليها، وأصر على فعلها، فهي من كسبه، وعلى ذلك فتدخل ضمن المؤاخذ عليها.

وأما شبهها باللغو، فهو أنها لم ينص على أن فيها كفارة.

فمن نظر إلى الأول حكم بالكفارة عليها.

ومن نظر إلى الثاني حكم بالثاني.

وقد حل ابن العربي هذا الإشكال، فقال: «وجه إشكالها أنها إن كانت لا كفارة فيها فهي في قسم اللغو، فلا تقع فيها مؤاخذةٌ، وإن كانت مما يؤاخذ بها فهي في قسم المنعقدة، تلزم فيها الكفارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت