وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق؛ لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوًا عن اعتداءٍ فتدخل في خذ العفو، أو إغضاءً عما لا يلائم فتدخل في وأعرض عن الجاهلين، أو فعل خيرٍ واتسامًا بفضيلةٍ فتدخل في وأمر بالعرف 50.
قال الله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:55] .
نزلت هذه الآية في قوم كانوا مشركين فأسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم، يقولون: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} 51.
وقد عرف الإمام الطبري اللغو بأنه هو: «الباطل من القول» ثم اختار الإمام الطبري أن المراد باللغو في هذه الآية هو ماقاله مجاهد حيث قال: «وهذا يدل على أن اللغو الذي ذكره الله في هذا الموضع، إنما هو ما قاله مجاهد، من أنه سماع القوم ممن يؤذيهم بالقول ما يكرهون منه في أنفسهم، وأهم أجابوهم بالجميل من القول {لَنَا أَعْمَالُنَا} قد رضينا بها لأنفسنا، {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} قد رضيتم بها لأنفسكم» 52.
ولكن الصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو قول جمهور أهل العلم 53.
فـ {اللَّغْوَ} هو: سقط القول والكلام العبث الذي لافائدة فيه، والقبيح من القول، فالفحش لغو، والسب لغو، والمراد من هذا في هذه الآية ما كان سبًا وأذى، فأدب أهل الإسلام عنه، والقول على جهة التبري {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} ، ليس المراد سلام التحية ولكنه سلام المتارك، ومعناه: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم والقبح، ونظيره {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63] .
ثم أكد ذلك تعالى بقوله حاكيًا عنهم {لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} ، أي: دين الجاهلين، أي: لا نحب دينكم 54.
فهذه الآية تدل على حال أهل الإيمان عند سماعهم اللغو، وأنهم يعرضون عنه، «وإقامة مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأسًا مباشرة وتسببًا وميلًا وحضورًا فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه» 55.
5.عن إيذاء من تاب من الفاحشة:
قال الله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) } [النساء:16] .
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين ب والستر وترك التعيير والضرب بالنعال لمن ارتكب جريمة الزنا.
وقوله: {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا} أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه، وصلحت أعمالهما وحسنت {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} أي: لا تعنفوهما بكلامٍ قبيح بعد ذلك؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها، ولا يثرب ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبلٍ من شعرٍ) 56.
أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد، الذي هو كفارةٌ لما صنعت 57.
وقد ذهب جماعة من أهل التفسير أن هذا والتوبيخ منسوخ بآية سورة النور، ولكن رجح القرطبي عدم النسخ فقال: وقيل وهو أولى: إنه ليس بمنسوخٍ، وأنه واجبٌ أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل 58.