فهرس الكتاب

الصفحة 2097 من 2431

وهناك أمثلة كثيرة في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي تبين لنا كيف طبق المسلمون مبدأ الشورى تطبيقًا عمليًا، فاجتمعت كلمتهم، وطابت نفوسهم، وتحقق العدل بينهم، وفاضت بينهم روح المودة والمحبة والإخلاص والتضحية والولاء والانتماء، وكان الترابط التام والانسجام بين المحكومين والحكام.

المجتمع المسلم مجتمع متحرر من كل قيدٍ أو رقٍ يحول دون انطلاقه نحو المعالي، أو يكبل إرادته ويثبط عزيمته ويثقل كاهله، فالحرية في الإسلام تحررٌ من الأهواء وتحررٌ من الأباطيل والخرافات، وتحررٌ من التقليد والتبعية إلا للحق وأهله، والحرية في الإسلام تعني طهارة القلب وإخلاصه لله تعالى.

وقد وردت في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ? إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35] .

أي: خالصًا لوجهك، مخلصًا لطاعتك وعبادتك، عن مجاهد قال: «إن المحرر هو الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، ولا يشغله شاغل عن عبادة الله تعالى» 74.

وفي هذا منقبةٌ لمريم حيث نذرتها أمها خالصة للعبادة، فكأنما حررت من أسر الدنيا وقيودها 75.

وفي هذا بيان للمفهوم الصحيح للتحرر أنه التجرد لله تعالى من كل الأهواء، والتحرر من كل قيدٍ يحول بين العبد وبين ربه.

قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ? الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 29] .

عن قتادة رضي الله عنه في قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) قال: «هو المشرك تتنازعه الشياطين، لا يقربه بعضهم لبعض» ، (وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ) قال: «هذا المؤمن أخلص لله الدعوة والعبادة» 76.

لا يمكن للعبد أن يوفي حق سيدين في وقتٍ واحد، هذا يأمره بأمر وذاك يأمره بأمرٍ آخر، فيجد نفسه ممزقةً بين سيدين، يستحيل أن يلبي لهما في حين واحدٍ، فيعجز ويتوانى، أما الذي له سيدٌ واحدٌ يلبي مطالبه ويستجيب لأوامره، فذلك مثل المؤمن الموحد، تحرر قلبه لمعبودٍ واحد فلا ينازعه أحدٌ، وتعلق قلبه ورجاؤه بإله واحد، فيحيا صافي الذهن صالح البال، بخلاف من فيه شركاء متشاكسون، هذا يأمر وذاك ينهى، فإنه يعيش مشتتًا بينهما، رضا أحدها يثير سخط الآخر، فلا يجتمع قلبه لمعبودين.

«إن أعظم ما دمر حرية الإنسان وأتى على بنيانها من القواعد اتخاذ بعض الناس بعضًا أربابًا من دون الله، ولكي يسترد الناس حريتهم وكرامتهم يجب تحطيم هؤلاء الأرباب الأدعياء والآلهة المزيفين، خصوصًا في أنفس الذين توهموهم أربابًا حقًا وهم مخلوقون مثلهم، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولقد وعى مشركو العرب هذه الحقيقة منذ دعا النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم إلى التوحيد، وعلموا أن وراء هذه الكلمة -لا إله إلا الله- انقلابًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، وأنها تؤذن بميلاد جديد للبشرية، ولاسيما الفقراء والمساكين والمسحوقين، فلا غرو أن وقفوا في وجهها وجندوا كل قواهم لحرب كل من آمن بها واستجاب لندائها» 77.

كما تعني الحرية في مفهومها الأصيل العزة والإباء والكرامة والعفاف، عندما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء في مكة وكان من بينهن هند بنت عتبة رضي الله عنها وتلا عليهن أركان البيعة فلما وصل إلى قوله: (وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ) [الممتحنة: 12] قالت هند قولتها الشهيرة: وهل تزني الحرة؟! 78.

وفي مقالة هند: وهل تزني الحرة؟! مغزى ومعنًى عظيم، ودرس لدعاة التحرير في عصرنا، فالحرية بمفهوم الجاهلية أنقى وأطهر من الحرية بالمفهوم الغربي المعاصر، الحرية قديمًا تعني الشرف والأصالة والنبل والطهارة والعفة والكرامة، أما الحرية بمفهومها الغربي والذي يجدون في تصديره إلينا فتعني التحرر من القيم الأصيلة والأخلاق النبيلة والتمرغ في مستنقعات الخنا وأوحال الرذيلة باسم التحرر، فكلمة أنا حرة عندهم تعني أنه لا سلطان لأحد عليها ولا ولاية ولا قوامة، فهي ولية نفسها تصنع ما يحلو لها، وتصبو وراء نزواتها ورغباتها الجامحة.

لكن هندًا رضي الله عنها وهي التي عاشت عفيفةً شريفةً في جاهليتها وإسلامها تجلي لنا المفهوم الحقيقي للحرية، الحرية التي تسمو بنا وتحلق إلى أجواء الطهر وآفاق الفضيلة، لا الحرية التي تهوي بمدعيها إلى الحضيض.

في مقابل ذلك يكفل الإسلام لغير المسلم حرية العقيدة والعبادة، فلا يكرهون على الدخول في دين الإسلام.

قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ? فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى? لَا انْفِصَامَ لَهَا ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256] .

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ? أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى? يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99] .

فمن حق غير المسلم أن يمارس شعائر دينه دون تضييق عليه أو تقييد لحريته، ومن ثم فإن حماية دور العبادة من مسئولية المجتمع المسلم، وشرع الجهاد في الإسلام لأهداف، أهمها حماية ذلك المجتمع بكل مكوناته وطوائفه.

قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ? وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ?39?الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ?40?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ?41?) [الحج: 39 - 41] .

فالقتال مشروع لحماية الحريات، وتمكين المسلم وغير المسلم من أداء شعائر دينه، وحماية المساجد والكنائس والبيع والصوامع؛ ليعيش الجميع داخل المجتمع المسلم في أمان، وينعم الجميع بالحرية.

«فالإسلام لا يريد حرية العبادة لأتباعه وحدهم، إنما يقرر هذا الحق لأصحاب الديانات المخالفة، ويكلف المسلمين أن يدافعوا عن هذا الحق للجميع، ويأذن لهم في القتال تحت هذه الراية راية ضمان حرية العبادة لجميع المتدينين، وبذلك يحقق أنه نظام عالمي حر، يستطيع الجميع أن يعيشوا في ظله آمنين، متمتعين بحرياتهم الدينية على قدم المساواة مع المسلمين وبحماية المسلمين» 79.

والإسلام لا يرضى لأتباعه حياة الذل والخنوع، بل يدعوهم إلى التنعم بالعيش الكريم، والترفل برداء العز والإباء، وينهاهم عن الاستكانة والهوان.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ? قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ? قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ? فَأُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا ?97?إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ?98?فَأُولَ?ئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ?99?وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ?100?) [النساء: 97 - 100] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) 80.

«إن المجتمع الإسلامي مجتمع حر من خلال إقراره بالعبودية لله وحده دون شريك، حر وهو يشارك بالرأي في تسيير أموره، حر وهو يتعفف عن قول الزور أو القول على الله بغير علم، حر وهو يدافع عن حرية الآخرين، حر وهو يبدي رأيه بأدب حتى مع مخالفيه في الرأي أو العقيدة، حر وهو يستمتع بخيرات الله دون مساس بحقوق الآخرين، حر وهو يحرر النفس من الهوى، والإنسان في الإسلام حر بكل ما تعنيه الكلمة، لا يسيطر عليه طاغوت، ولا تستعبده شهوة، ولا تتحكم فيه لذة أو متاع أو عرض زائل» 81.

الأصل في الإسلام هو السلم.

قال تعالى: (ھ ے ے يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: 208] .

فالسلم هنا يشمل السلم داخل المجتمع المسلم وخارجه، السلم بين المسلمين ومع غيرهم، فلا يقاتل غير المسلم إلا إذا نكث العهد أو اعتدى أو صادر الحريات أو حال دون وصول رسالة الإسلام وبلوغ دعوته أو نبذ أو خان وغدر.

قال تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ? فَمَنِ اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَں) [البقرة: 194] .

«إذن فالجماعة المسلمة مسالمة مع نفسها، لا تعرف الصراع الذي يؤدي إلى التنازع، ولا تعرف التنافس الذي يقود إلى الأنانية والظلم، وإنما يعيش أعضاؤها في سلام وحب وتعاون على الخير والمعروف، ولعل التنافس الوحيد بين أعضائها وبين غيرها من الجماعات هو ذلك التنافس في طاعة الله وفي العمل الصالح، ومسالمة مع غيرها من الجماعات التي لا تدين بالإسلام، ولكنها ترد العدوان الواقع عليها بغير ظلم» 82.

ولقد نهى الإسلام عن كل ما يعكر صفو المجتمع ويهدد سلامه من التنازع والمشاحنة والقطيعة.

قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ? وَاصْبِرُوا ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46] .

وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ ? فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?9?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?10?) [الحجرات: 9، 10] .

ولقد أحاط الإسلام هذا المجتمع بسياج من التشريعات والحدود والآداب، تكفل أمن المجتمع، وينعم أفراده بالأمن والسلام.

يصور البعض الحياة على أنها صراعٌ دائمٌ وعراكٌ مستمر، صراع بين الإنسان والبيئة، دور الإنسان في البيئة أن يقهر الطبيعة، ويسيطر عليها، وينهكها ويستفرغ خيراتها، ولو أدى الأمر إلى تلويثها وفقدانها توازنها، وصراع آخر بين الإنسان والإنسان بين الأمم والشعوب على السيادة والهيمنة والقهر والغلبة والتفوق، مع ما يجره هذا الصراع -غالبًا- من مواجهات دامية ومعارك حامية بين الدول المتصارعة، وما يصيب الشعوب جراء طموحات بعض الحكام والقادة من كدٍ وعناءٍ، وجراحٍ وآلامٍ، ولهثٍ وراء أطماع القادة والحكام وأحقادهم، على حساب الأفراد والأسر التي تشقى بالحروب التي تذكيها الأنانية والأثرة وحب التسلط وشهوة التملك، جاهلين حكمة الله تعالى ومشيئته في خلقه وأقداره وشرعته.

حتى العلاقة بين الرجل والمرأة صارت عندهم صراعًا دائمًا على الكراسي والمناصب والحقائب، حتى غدت الحياة صراعات لا يخمد أوارها، ولكن الإسلام دين المحبة والوئام، دين التعاون والتضامن، يغلق أبواب الصراع ويفتح أبواب التنافس إلى الخيرات، والتسابق إلى المغفرة والجنات، والتعاون على البر والتقوى، مضمار فسيح وميدان رحيب يتسع للجميع.

ونحن لا ننفي وجود الصراع في هذا الكون، لكنه ليس القاعدة التي نبني عليها علاقاتنا وتعاملاتنا في هذا الكون، بل التنافس المحمود هو الذي يذكي شعلة الجد والعمل، ويثير العقول، ويحفز الهمم نحو المعالي.

قال تعالى -في سياق بيان نعيم الجنة-: (ے خِتَامُهُ مِسْكٌ ? وَفِي ذَ?لِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(26 ) ) [المطففين: 26] .

وقال تعالى عن آل زكريا عليهم السلام: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى? وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 90] .

« (أُولَ?ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61] .

أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به أو سنحت لهم الفرصة إليه انتهزوه وبادروه، قد نظروا إلى أولياء الله وأصفيائه، أمامهم، ويمنة، ويسرة، يسارعون في كل خير، وينافسون في الزلفى عند ربهم، فنافسوهم. ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق لجده وتشميره وقد لا يسبق لتقصيره أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال: (وَهُمْ لَهَا) [المؤمنون: 61] ، أي: للخيرات (سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61] قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا قد سبقت لهم من الله سابقة السعادة أنهم سابقون» 83.

وذكر تعالى من مآثر مؤمني أهل الكتاب (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 114] .

وأمرنا تعالى باستباق الخيرات فقال: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 148] .

وبين تعالى أن ميدان التنافس ومضمار التسابق مفتوحٌ للجميع، وأن الجائزة الكبرى جنات واسعة تتسع لكل المسارعين للخيرات.

قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133] .

وقال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ?10?أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ?11?) [الواقعة: 10 - 11] .

فالسابقون هم الذين يتسابقون في الدنيا إلى الخيرات حتى يسبقوا في الآخرة إلى الجنات.

وهذا المتسابق هو صاحب الهمة العالية الذي يسعى؛ ليكون أول المتسابقين للرقي لمعالي الأمور في الدنيا والآخرة، ولا يعني التنافس التحاسد والشقاق والعراك على دنيا زائلة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: (كل مخموم القلب صدوق اللسان) . قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟! قال: (هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد) 84.

وفي الحديث: (أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم! ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) 85.

المجتمع المسلم مجتمع عامل، لا يعرف الكسل أو الخمول، ولا يعرف البطالة والاتكال، بل مجتمع عامل، العمل الصالح فيه قرينٌ للإيمان لا ينفك عنه ولا يفارقه، وتوفير فرص العمل وإعداد الأيدي العاملة الماهرة مسئولية المجتمع والدولة.

قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ? وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105] .

فدعا الإسلام لكل عملٍ نافعٍ جادٍّ، ودعا لمراقبة الله تعالى فيه بإتقانه وإحسانه، وسماء المجتمع الإسلامي معطرة بعبق الإيمان الفواح، وعبيره الشذي، ونفحات الأعمال الصالحات، ونسائم الكلم الطيب الذي يملأ الأرجاء مسكًا وعنبرًا، ويشهد الأكوان على صلاح واستقامة أهل الإيمان، وأحقيتهم في قيادة موكب الإنسانية والإبحار بسفينتها إلى بر الأمان وضفاف السعادة: (? إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ?) [فاطر: 10] .

ولقد عالج الإسلام مشكلة البطالة، ودعا للعمل الذي يجلب الرزق الحلال الطيب، ورفع من شأن كل مهنةٍ نافعة، فقد سخر الله الناس بعضهم لبعض، والمهن يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء عن أي حرفة أو صنعةٍ مفيدةٍ.

قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ?32?) [الزخرف: 32] .

وهذا نبي الله موسى عليه السلام وقد تربى في قصر فرعون، وفر من حاضرة مصر ميممًا وجهه نحو البادية؛ ليعمل أجيرًا للشيخ الكبير، يرعى الغنم، ويأكل من كسب يده، وما من نبي من الأنبياء إلا وعمل وأكل من كسب يده، فالأنبياء هم قادة المجتمعات وروادها وقدوة الناس.

قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ?26?قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ?27?قَالَ ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ? أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ? وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ?28?) [القصص: 26 - 28] .

وحين رأي النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يسأل الناس فيعيش على صدقاتهم دون أن يقدم للمجتمع عملًا صالحًا أعطاه درسًا مهمًّا حوله من عالة على المجتمع إلى صاحب مهنة يقتات منها وينفع به مجتمعه، فعن أنس بن مالكٍ (أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال:(أما في بيتك شيءٌ) ؟ قال: بلى، حلسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعبٌ نشرب فيه من الماء. قال: (ائتني بهما) . فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: (من يشترى هذين) ؟ قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمٍ. قال: (من يزيد على درهمٍ) ؟ مرتين أو ثلاثًا. قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به) . فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده ثم قال له: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا) ، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثةٍ: لذي فقرٍ مدقعٍ، أو لذي غرمٍ مفظعٍ، أو لذي دمٍ موجعٍ) 86.

يواجه المجتمع المسلم مجموعة تحديات، منها:

أولًا: الفقر:

تعيش الغالبية الكاثرة من المجتمعات المسلمة تحت خط الفقر، بما يؤثر سلبًا على حياتهم، ويحرم الكثير من حد الكفاف، ويجعل الأسر عاجزة عن تلبية ضرورات الحياة ومطالب الأبناء، فيقف الفقر حجر عثرة أمام التعليم والنهوض والارتقاء، من هنا تتجلى نعمة الاستغناء، ولقد امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن أغناه.

قال تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى? ?8?) [الضحى: 8] .

كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يستعيذ كثيرًا من الفقر، فعن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر) 87.

وقد دعا القرآن الكريم إلى السعي في كسب العيش والأخذ بالأسباب المعينة على ذلك.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ?15?) [الملك: 15] .

وهيأ الله عز وجل الحياة لطلب العيش ويسر لذلك السبل.

قال تعالى: (ےوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ? قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ(10 ) ) [الأعراف: 10] .

وما على العبد إلا أن يسير ويسلك السبل، ويطرق أبواب الرزق. وسعى الإسلام إلى تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإن الغنى الفاحش يقابله فقر مدقع، كما هو الحال الآن في ظل النظام الرأسمالي المجحف المبني على الجشع والاستغلال، والقهر والإذلال، والتحرر من كل القيم الإنسانية والأخلاق والآداب الكريمة.

قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?7?) [الحشر: 7] .

حتى لا يكون المال حكرًا على الأغنياء يتداولونه وحدهم فيما بينهم، ويستأثرون بالمغانم دون الفقراء والمساكين، كما كان في الجاهلية وكما هو الحال في ظل النظم الجاهلية الوضعية، فكم ينتج عنه من مفاسد وشرور وأحقاد وضغائن! بل يجب أن يدور المال دورته الطبيعية كما تدور الدماء في الجسم، حيث يضخه القلب فيصل إلى كل شريان وعرقٍ وخليةٍ وعضوٍ بقدر حاجته.

ثانيًا: الجهل:

الجهل داء عضال وخطر داهم وآفةٌ مهلكةٌ؛ فالجاهل لا يميز بين الغث والسمين، ولا يفرق بين المنكر والمعروف، وشفاء الجهل طلب العلم والعمل به، علم الكتاب والسنة.

قال تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ ? لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?6? يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ?7? [الروم: 6 - 7] .

فمن مظاهر الجهل الغفلة عن السنن الربانية التي تضيء معرفتها للمسلم طريقه، وتزيده وعيًا وحكمةً وبصيرة، والجهل يورث الفقر، ويفضي إلى التأخر والتخلف عن ركب الحضارة، كما يؤدي إلى الوقوع في المنكرات، والخلط بين المفاهيم، واختلال موازين القيم، حتى يرى الجاهل الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا.

تدبر في حال قوم نوح عليه السلام ومقالتهم وجوابه على مزاعمهم بما يفند جهلهم.

قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ? وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ? إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ(29) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى? بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28 ) ) [هود: 25 - 29] .

فالجهل يؤدي إلى اختلاط المفاهيم وانقلاب الموازين وانحراف المعايير حتى يقيس الأمور بغير مقياسها، فقد اعترضوا على بشرية الرسول مع عبادتهم لأحجارٍ من دون الواحد القهار، واعترضوا على اتباع نوحٍ وطعنوا في دعوته بحجة أنه لم يستجب له إلا الضعفاء، وتلك سنة الدعوات أن أول من يلبي نداءها الفقراء والعبيد والضعفاء لما يعقدونه من آمال في التحرر، بينما ينصرف عنها كثير من الأغنياء والأقوياء، يصدهم غرورهم ويمنعهم كبرهم وتجبرهم وحرصهم على المال والجاه.

والجهل يفضي إلى الوقوع في المنكرات والضلالات كما وقع لقوم لوط.

قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ(54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ? بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55 ) ) [النمل: 54 - 55] .

وصفهم بالجهل وهو الطيش والسفه الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب المنكر، دون إدراكٍ لأخطاره أو تحسبٍ لأضراره، كذلك الجهل المنافي للعلم؛ إذ لا يفعل هذه الموبقات إلا الجهال بخطرها وعاقبتها، أو نفى العلم عنهم وإن علموا بقبحها وسوء عاقبتها؛ لأن علمهم لم ينفعهم ولم يدفعهم عن هذا الجرم، فأضحى لا قيمة له، فهو بمثابة الجهل، والتعبير بالفعل المضارع مع مناسبته للفاصلة فيه دلالة على مضيهم في جهلهم وإصرارهم عليه، حتى إن الأيام لا تزيدهم إلا جهالة وضحالة، فهم في انحطاطٍ وتردٍّ.

وكما حدث لبني إسرائيل عندما نجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده فقال: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى? قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى? أَصْنَامٍ لَّهُمْ ? قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ? قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138 ) ) [الأعراف: 138] .

أي «تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل» 88؛ «إذ لا يقول هذا القول في الله إلا من جهل قدر الله، ولم يعرف ما لله من كمال وجلال» 89.

(إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 138] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت