فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 2431

أنكر عليهم كيف يأمنون عقاب الله مع ما هم عليه من إدمان الذنوب، أفأمنوا أن يخسف الله بهم الأرض فتبتلعهم في بطنها، أو يأتيهم العذاب وهم في غفلة من نوم أو لهو، ومن حيث لا يحتسبون أو يتوقعونه فيعجزون عن دفعه، أو يأتيهم في أسفارهم وهم يتقلبون من بلد إلى بلد في البر أو البحر، فلا يستطيعون دفع العذاب أو التخلص منه، أو يأخذهم وهم في حذر ويقظةٍ فلا تغني عنهم شيئًا، إذ لا يخطئهم العذاب، أو يأخذهم بالتدرج دون أن يشعروا بهذا التنقص يومًا بعد يوم حتى يفاجئوا، فالتغيير الكبير قد يكون نتيجة تراكمية للتغييرات الصغيرة التي لا يشعر بها الإنسان غالبًا.

قال الشنقيطي: «أنكر الله جل وعلا على الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر على أن يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب» 91.

فالآيات وإن كانت عن الكفرة العصاة لكن على المؤمن أن يحذر من سوء العاقبة بإدمان المعاصي والتفريط في الطاعات.

-مجالات التغيير شاملة وميادينه متشعبة، فالتغيير منظومة متكاملة وعلاج شامل، لن يحقق الثمرة المرجوة ما لم يجمع بين التغيير في العقائد والأفكار والتغيير في الأخلاق والسلوك، كما سنبين في هذا المبحث:

أولًا: التغيير في العقائد:

جاءت دعوات الأنبياء بالتغيير ولا شك أن أول خطواته وأركانه إصلاح العقيدة، والتطهر من أدران الشرك والتحرر من الخرافات والأوهام، فبدأ كل نبي دعوته إلى التوحيد.

قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

كان النبي صلى الله عليه وسلم في بدء دعوته يطوف بالأسواق ويذهب إلى منازل الحجيج يدعوهم لقول لا إله إلا الله.

عن ربيعة بن عباد الديلي، وكان جاهليًا أسلم، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصر عيني بسوق ذي المجاز، يقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا) 92.

فكلمة التوحيد هي الكلمة الطيبة التي ينبثق منها كل خيرٍ، هي النبتة الطيبة بأصولها الثابتة وفروعها المثمرة.

والتغيير في العقائد هو الأساس؛ لا نجاح لأي تغيير وإصلاح بدون إصلاح العقيدة، ولقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يربي أصحابه على العقيدة الصحيحة وأصول الأحكام ومكارم الأخلاق، وركزت السور المكية على إصلاح العقيدة وإصلاح المجتمع من تقاليد الجاهلية وعاداتها السيئة، وإعداد الفرد المسلم وصياغة شخصيته. وبعد بيعة العقبة الأولى أرسل مصعب بن عمير رضي الله عنه ليعلم أهل يثرب، فما من بيت إلا ودخله الإسلام، فنشأ جيلٌ مباركٌ شارك في حمل رسالة الإسلام.

وتوحيد الله تعالى ومعرفته هو النور الذي يمحو كل ظلمة والحق الذي يفند كل شبهة، والحقيقة التي تبدد الأوهام والأساطير والخرافات التي تستبد بكثير من الناس وتستهويهم وتطاردهم، فتنكد عيشهم وتكدر صفوهم، أما عقيدة التوحيد فإنها تجمع القلوب وتشرح الصدور، وتؤلف النفوس وتنير العقول وتشحذ الهمم وتسمو بالأرواح وتنهض بالمجتمعات.

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق:10 - 11] .

من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظلمات الجهل والأوهام إلى نور العلم، من ظلمات الشك والحيرة إلى نور اليقين. فأي تغيير أعظم من التغيير في العقائد فهو منبع كل تغيير.

ثانيًا: التغيير في الأخلاق:

جاء القرآن بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب وتقويم السلوك؛ فاشتمل القرآن الكريم على جميع محاسن الأخلاق يدعو إليها ويرغب فيها، ونهى القرآن عن جميع مساوئ الأخلاق ونفر منها، وجعل لنا في حياة الأنبياء والصالحين المثل العليا لمكارم الأخلاق؛ فما من خلق كريم إلا وفي قصص القرآن نموذج يحتذى منه، وما من خلق رديء إلا وفي قصص الغابرين مثال له حتى ننفر منه ونحذره.

بل وجاء القرآن بآيات جامعة لمكارم الأخلاق من ذلك أجمع آية في كتاب الله.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل:90] .

قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن لخيرٍ وشرٍ آية في النحل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} الآية.

وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به وليس من خلق سييء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عز وجل عنه 93.

ثالثًا: التغيير في المعاملات:

جاء القرآن الكريم بإصلاح المعاملات فدعا إلى حسن المعاملة والوفاء بالحقوق، وفي مقدمتها بر الوالدين وصلة الأرحام وحسن العشرة الزوجية، والإحسان إلى الجار والصاحب، وشرع كل معاملة حسنة، ونهى عن كل معاملة سيئة، فأحل البيع وحرم الربا، و نهى عن أكل أموال اليتامى ظلمًا، ودعا لحسن التعامل والصبر على مخالطة الناس، وتحمل أذاهم والعفو والإحسان.

وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء:23 - 27] .

وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:151 - 153] .

وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء:36] .

فاشتمل القرآن المكي وكذلك المدني على هذه الفضائل في المعاملات، التوحيد الذي هو أساس الشريعة والأخلاق، والدعوة إلى بر الوالدين، فهم السبب في وجودنا، ومهما بذلنا من إحسان، فلن نوفيهما حقوقهما، كما دعا إلى مراعاة حق القرابة والجوار، وحق الضعيف وحق الخادم وملك اليمين وحق اليتيم والمسكين وابن السبيل، ونهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونهى عن الربا وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل، وجاء الإسلام بالتشريعات التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامات.

ولعل من أصدق التعبيرات عن مجيء الإسلام بالتغيير لما كان عليه العرب من الواقع المرير الذي أثقل كاهل المجتمعات قبل بزوغ فجر الإسلام، وكيف كان منهج التغيير: مقالة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بين يدي النجاشي ملك الحبشة؛ وذلك حينما هاجر المسلمون الأوائل إلى حمى ذلك الملك العادل؛ فرارًا بدينهم، فأبى الظالمون إلا متابعتهم ورصدهم فأرسلوا في طلبهم، فكان ذلك الحوار الذي دار بين يدي النجاشي.

وفيه: (فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت أم سلمة: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم {كهيعص(1) } الآيات ... قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا) 94.

وهذا ربعي بن عامر رضي الله عنه لما سأله رستم قائد الفرس: فقال ما جاء بكم؟ قال: «الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه» 95.

-للتغيير الإيجابي ثمراته المباركة، وللتغيير السلبي آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، كما سنبين في هذا المبحث:

أولًا: ثمرة التغيير الممدوح:

من أعظم ثمرات التغيير: التمكين للمؤمنين.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور:55] .

والتمكين تحول في مسار الأمة من ضعف وفرقة إلى قوة ومنعة وعزة، فللتمكين مقدماته ومؤهلاته، والتي من أهمها الإيمان والعمل الصالح، وله عوامل تحفظه، وهو القيام بواجبات العبودية لله والإصلاح.

وللتغيير ثمراته الطيبة فهو سبيل النجاة وطريق الفلاح، وبه تلتمس البركات. وهو متاحٌ لكل من شرع فيه وأخذ بأسبابه مهما كان من فساد حاله وضلاله قبل التغيير.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) } [المائدة:65 - 66] .

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) } [البقرة:103] .

وقال عن المنافقين: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) } [النساء:66 - 68] .

وقال عن سائر المكذبين: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف:96] .

فالتغيير متاح أمام جميع المخالفين، مهما سلف منهم، ومهما أوغلوا في طريق الضلال، فالفرصة لا تزال سانحة أن يغيروا من أحوالهم، بدءًا من إصلاح العقيدة بالإيمان إلى إصلاح السلوك بالتقوى، والتوبة الصادقة والاستجابة للمواعظ ففي ذلك خير الدنيا والآخرة وتحصيل بركات الدنيا وثواب الآخرة.

ثانيًا: آثار التغيير المذموم:

أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين هداة ومصلحين، فاستجاب لهم الصادقون وكفر وأعرض الجاحدون المنكرون، فابتلاهم الله تعالى بالشدائد والمحن لعلهم يرجعون ويتضرعون، لكن القلوب قاسية والأعين متحجرة، والعقول في غفلة وذهول، وهنا يبتليهم الله بالنعم والرخاء؛ استدراجًا لهم، فيزدادون بطرًا وعجبًا وغفلةً، ويمهلهم فيتمادون في الغي والطغيان، فتحل عليهم النقم ويغشاهم العذاب الذي لا كاشف له ولا عاصم منه.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف:94 - 96]

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [الأنعام:42 - 45] .

ومن آثار التغيير المذموم:

1.ضيق العيش في الدنيا والعمى في الآخرة.

قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه:123 - 124] .

فالإعراض عن منهج الله من أسباب الشقاء والنكد والضيق وتبدل الحال.

2.الغشاوة على القلوب.

قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) } [المطففين:14] .

فمن أسباب التغيير إلى الأسوأ، غشاوة القلوب بإدمان الذنوب والمعاصي مما يحجب عنه نور الهداية.

3.هلاك الأمم وخراب الديار.

قال تعالى عن الأمم الهالكة بذنوبها: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) } [العنكبوت:40] .

فتراكم الذنوب من أسباب الهلاك والدمار الذي يحل بالأمم المكذبة، فيتبدل حالها من خفض عيش ورغد وأمن إلى هلاكٍ وخراب وتدميرٍ، فلا تبقى لهم باقية.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلًا: (كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، فأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها) .

موضوعات ذات صلة:

الإصلاح، التدرج، التربية، الدعوة

1 لسان العرب، ابن منظور 5/ 34.

2 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، 1/ 50، رقم 49.

3 الكليات، الكفوي ص 451.

4 المفردات ص 619.

5 التعريفات ص 87.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 507 - 508.

7 انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 34.

8 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 4/ 142.

9 انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم ص 51.

10 القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب 1/ 215.

11 لسان العرب، ابن منظور 11/ 48.

12 المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد 9/ 318.

13 البحر المحيط، أبو حيان 3/ 507.

14 الفروق اللغوية، العسكري 1/ 113.

15 لسان العرب، ابن منظور 11/ 48.

16 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 13.

17 انظر: الكليات، الكفوي ص 154.

18 المنار، رشيد رضا 3/ 226.

19 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2441

20 علم الاجتماع، أنطوني جيدنز، ترجمة فايز الصباغ ص 105.

21 مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 231.

22 جامع البيان، الطبري 13/ 18.

23 البحر المحيط، أبو حيان 3/ 507.

24 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 78.

25 محاسبة النفس، ابن أبي الدنيا، ص 26، إغاثة اللهفان، ابن القيم، ص 96.

26 أخلاق أهل القرآن، الآجري ص 39.

27 حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد ص 15.

28 فتح القدير، الشوكاني 2/ 318.

29 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 315.

30 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 909.

31 انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي 4/ 271 من قول أبي عبدالرحمن السلمي.

32 المنار 9/ 463.

33 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الطلاق، رقم 4629، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء، رقم 1479.

34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي، رقم 1218.

35 أخرجه الطبري في تفسيره 22/ 269.

36 جامع البيان، الطبري 21/ 321، 327.

37 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج، رقم 3168، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، رقم 2880.

38 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم 2361

39 حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد ص 102.

40 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 18.

41 معالم التنزيل، البغوي 5/ 161.

42 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 262.

43 معالم التنزيل، البغوي 2/ 68.

44 معالم التنزيل، البغوي 2/ 286.

45 الأنوار الساطعات لآيات جامعات، عبدالعزيز السلمان 3/ 457.

46 انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 361، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 3/ 2023.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت