أي: وننزل عليك أيها الرسول من القرآن ما به يستشفى من الجهل والضلالة، وتزول أمراض الشدة والنفاق، والزيغ والإلحاد، وهو أيضا رحمة للمؤمنين الذين يعملون بما فيه من الفرائض، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، فيدخلون الجنة، وينجون من العذاب، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى.
فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي: وقاية وعلاج، والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبدًا، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء.
وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق والشبهات والأهواء التي تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان وازدادوا كفرًا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت:44] .
وقال جل في علاه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) } [التوبة:124 - 125] 49.
ثالثًا: عاقبته:
إن مرض الشبهات من أخطر الأمراض التي تصيب القلوب ويعسر علاجها، إلا من يتغمده الله تعالى برحمته ولطفه، وقد نبه الله تعالى على عاقبة هذا المرض بقوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } [البقرة:10] .
ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته أن يكون عارفًا بالحق محبًا له مؤثرًا له على غيره.
فهو في ازدياد مستمر حتى يدمر صاحبه، إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنين شفاء، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما ارتكابا لحذف المضاف- أي: فزاد الله قلوبهم مرضا- أو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد، أو رمزًا إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنسانًا، وإعادة مرض منكرا لكونه مغايرا للأول ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه 50.
ومعنى قوله سبحانه: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} أي: إن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام؛ لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات، وإنما كان النفاق موجبًا لازدياد ما يقارنه من سيئ الأخلاق؛ لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين، وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد، فالنفاق في كتمه مساوئ الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب 51.
والمراد بقوله جل جلاله: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية، وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها؛ لأن الله تعالى لما خلق هذا التولد وأسبابه، وكان أمرًا خفيًا نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكنًا من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى؛ لأن الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم، ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم؛ لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها؛ ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن، والأليم: المؤلم، أي: الموجع، و «ما» في قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} مصدرية أي: بتكذيبهم للرسل 52.
كما أخبر الله تعالى المنافقين والمرضى والمرجفين أنهم إذا لم ينتهوا عن أعمالهم الخبيثة والقبيحة بعد أن فضحهم وأنذرهم، فإن عاقبة ذلك عليهم سيكون طردهم من المدينة، وإهدار دمائهم، وقتلهم بلا هوادة ولا رحمة ولا تسامح.
قال جل في علاه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) } [الأحزاب:60 - 62] .
أمر بتطهير البيئة المسلمة من الأخلاق التي تلوث المجتمع المسلم، فمعنى {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي: نسلطك عليهم، ونغريك بمواجهتهم والتصدي لهم، فكأن هذه المواجهة صارت أمرًا محبوبًا يغرى به؛ لأنها ستكون جزاء ما فزعوك وأقلقوك، {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} أي: في المدينة، وكلمة: {إِلَّا قَلِيلًا} يمكن أن يكون المعنى: قليل منهم، أو قليل من الزمن ريثما يجدوا لهم مكانًا آخر، يرحلون إليه مشيعين بلعنة الله.
{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} والملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون من المدينة بعد أن كشف الله دخائل نفوسهم الخبيثة، وهو مستعمل هنا كناية عن الإهانة والتجنب في المدينة، أي: يعاملهم المسلمون بتجنبهم عن مخالطتهم، ويبتعدون هم من المؤمنين اتقاء ووجلا فتضمن أن يكونوا متوارين مختفين؛ خوفا من بطش المؤمنين بهم حيث أغراهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي قوله: {مَلْعُونِينَ} إيجاز بديع؛ لذلك طردهم رسول الله من المسجد؛ لأنهم كانوا من خبثهم ولؤمهم يدخلون المسجد، بل ويصلون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطردهم بالاسم: يا فلان، يا فلان، فكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ولم لا وقد قال الله تعالى له: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) } [محمد:30] 53.
ومعنى {أَيْنَمَا ثُقِفُوا} أي: وجدوا {أُخِذُوا} أي: أسروا {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} ولاحظ المبالغة في قوله: {وَقُتِّلُوا} والتوكيد في قوله: {تَقْتِيلًا} يعني: اقتلوهم بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاء ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين؛ ولأن المنافق الذي طبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة ملوثة لا تصفو أبدًا، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بد أن ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه.
وبهذا الوعيد انكف المنافقون عن أذاة المسلمين وعن الإرجاف فلم يقع التقتيل فيهم، إذ لم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم أحدًا، ولا أنهم خرج منهم أحد، وهذه الآية ترشد إلى تقديم إصلاح الفاسد من الأمة على قطعه منها؛ لأن إصلاح الفاسد يكسب الأمة فردًا صالحًا، أو طائفة صالحة تنتفع الأمة منها.
وفيها الأمر بتأديب هذه الفئات إذا لم تنته عن أذاها وإرجافها بعد الإنذار، وهو الطرد وإهدار الدم والقتل دون هوادة وتسامح، وحكمها عام شامل ومستمر، وموكول لأولي الأمر في المسلمين، حيث توجب عليهم سلوك سبيل الشدة في القمع والتنكيل مع من لم يرتدع عن موقف الأذى والدس والإرجاف؛ لسلامة المجتمع وطمأنينته 54.
سنتناول في هذا العنوان أعراضه، والوقاية منه، وعاقبته، وذلك فيما يلي:
أولًا: أعراضه:
تظهر أعراض مرض الشهوات من خلال النقاط الآتية:
1.الاستجابة لأدنى مثير.
من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم الاستجابة لأدنى مثير.
قال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [الأحزاب:32] .
يخبر القرآن الكريم أن مريض الشهوة وإرادة الفجور، يؤثر فيه أقل شيء من أسباب الافتنان ويوقعه في الفتنة طمعًا أو فعلًا، فكل من أراد شيئًا من معاصي الله فقلبه مريض مرض شهوة، ولو كان صحيحًا لاتصف بصفات الأذكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله تعالى: (وَلَ?كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ?7?فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ?8?) [الحجرات:7 - 8] 55.
وقوله تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي: مرض شهوة الزنا والفجور، والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو فاجر سبيلًا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه مستعد ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح، ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه، وسلامته من المرض، بخلاف مريض القلب الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) ملؤه الأدب والوقار حسنا في معناه، خشنا في مبناه، مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه وعنهن يؤخذ 56.
2.إشاعة الفاحشة.
من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم إشاعة الفاحشة.
قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } [الأحزاب:60 - 61] .
يخبر تعالى المنافقين {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} وهم أصحاب الشهوة الزناة الذين يتبعون النساء ويتعرضون لهن، {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} الذين كانوا ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار، وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي: لنأمرنك بإخراجهم من المدينة أو بقتالهم {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا} أي: لا يساكنون معك في المدينة وتخلو المدينة منهم بالإخراج أو بالموت {إِلَّا قَلِيلًا} أي: إلا زمانًا يسيرًا 57.
ثانيًا: الوقاية منه:
وللوقاية من مرض الشهوات أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم: بأن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين بفعل ما يدفع الإيذاء عنهن في الجملة، من التستر والتميز بالزي واللباس؛ حتى يبتعدن عن الأذى بقدر المستطاع.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) } [الأحزاب:59] .
روي أنه لما كانت الحرائر والإماء في المدينة يخرجن ليلًا لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل بلا فارق بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر، فإذا كلموا في ذلك قالوا: حسبناهن إماء، فطلب من رسوله أن يأمر الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي والتستر، لِيتَمايَزْنَ ويُهَبْنَ، فلا يطمع فيهن طامع، كما نهاهن عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجال الأجانب، وأمرهن بملازمة البيوت، ونهاهن عن التبرج عند الخروج من البيوت لحاجة تستدعي ذلك.
وهي تعليمات تؤدي إلى الوقاية من وقوع الفتنة، وما خالفتها النساء في مجتمع إلا فشت فيه الفاحشة.
وأرشدهن بعد ذلك إلى ملازمة القول المعروف عند مخاطبة الرجال الأجانب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبين سبحانه أن ذلك الترك لما نهى عنه، والفعل لما أمر به سبب لذهاب الرجس عنهن.
قال سبحانه: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } [الأحزاب:32 - 33] 58.
إن على المسلمة إذا خرجت من بيتها لحاجة أن تسدل عليها ملابسها، بحيث تغطي الجسم والرأس، ولا تبدى شيئًا من مواضع الفتنة كالرأس والصدر والذراعين ونحوها.
قال تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب:59] أي: ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا يتعرض لهن، ولا يلقين مكروها من أهل الريبة؛ احترامًا لهن منهم، فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، وكثر الفسق والفجور 59.
ثالثًا: عاقبته:
لقد حذر الله تعالى مرضى الشهوات بخطورة هذا المرض عليهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وأنذر فئات المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس ودسائس ويوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على طردهم من المدينة مدموغين بدمغة اللعنة مهدوري الدم؛ ليقتلوا قتلا ذريعا بدون هوادة واستثناء وتساهل أينما وجدوا، وهذه هي سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم وهي السنة التي لا تتبدل في حال.
قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) } [الأحزاب:60 - 62] .
فهؤلاء المنكوسين مطرودين من باب الله ومن باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومطرودين من أبواب المسلمين، تلاحقهم المذلة في كل مكان جزاء على حرصهم القبيح وحقدهم الدفين ونواياهم الخبيثة في زعزعة المجتمع المسلم وبث روح الانهزام فيه، وهذه هي السنة الجارية على مثل هؤلاء بلا رحمة ولا هوادة ولا تغيير ولا تبديل؛ لابتنائها على الحكمة والمصلحة، ولا يقدر غيره على تغييرها 60.
وقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) } [الأحزاب:60] .
فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان، وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم 61.
تحدث القرآن الكريم عن الأمراض البدنية في النقاط الآتية:
أولًا: ابتلاء:
أخبر الله تعالى عباده المؤمنين أنه مبتليهم ومختبرهم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس؛ ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) } [البقرة:155] .
بينت الآية أن الدنيا دار بلاء؛ ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان، ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه، فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقينًا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا، ويَنْجَرُّ لهم من ذلك ثواب؛ ولذلك جاء بعده {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} فمن صبر فله الثواب ومن جزع فله العقاب، ومن أنواع الابتلاء والاختبار {الْخَوْفِ} وهو الخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتى بلغت القلوب الحناجر {وَالْجُوعِ} وهو القحط الذي أصابهم، فكان يمضي على أحدهم أيامًا لا يجد طعامًا {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} يعني: ذهاب أموالهم، ويقال: موت الماشية {وَالْأَنْفُسِ} يعني: الموت والقتل والأمراض في البدن، {وَالثَّمَرَاتِ} ، يعني الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين؛ ليدل على أن من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى 62.
قال الخازن: «فإن قلت: ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} ؟ قلت: فيه حكم:
منها: أن العبد إذا علم أنه مبتلى بشيء وطن نفسه على الصبر، فإذا نزل به ذلك البلاء لم يجزع.
ومنها: أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقيمين على دينهم، ثابتين عند نزول البلاء، صابرين له، علموا بذلك صحة الدين، فيدعوهم ذلك إلى متابعته والدخول فيه.
ومنها: أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء قبل وقوعه، فإذا وقع كان ذلك إخبارًا عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن المنافقين إنما أظهروا الإيمان طمعًا في المال وسعة الرزق من الغنائم، فلما أخبر الله أنه مبتلى عباده فعند ذلك تميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.
ومنها: أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصا لله منه في حال الرخاء، فإذا علم أنه مبتلى دام على التضرع والابتهال إلى الله تعالى؛ لينجيه مما عسى أن ينزل به من البلاء» 63.
وقال سيد قطب: «ولا بد من تربية النفوس بالبلاء؛ ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة؛ كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى.
فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها، وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها، كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرًا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها، وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولا بد من البلاء كذلك؛ ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون، والران عن القلوب.