وجعل هذه الصفة من أخلاق المسلم الأصيلة والتي تنبع من عقيدته، وتدل على صدق اتجاهه، وشرف غايته، فهي صفة نفسية تملي على صاحبها سلوكًا يتبدل إزاء كل ما يعهد إليه القيام به، وكل ما يتحمل من مسئولية، وهي بهذا تحيط بكل تبعات الحياة الصغيرة والكبيرة، وتتناول كل الأعباء التي يتحملها الإنسان.
والجماعة المسلمة مسئولة عن أماناتها العامة، ومسئولة عن عهدها مع الله تعالى، وما يترتب على هذا العهد من تبعات، والنص يجمل التعبير، ويدعه يشمل كل أمانة، وكل عهد، ويصف المؤمنين بأنهم {لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} ، فهي صفة دائمة لهم في كل حين، وما تستقيم حياة الجماعة إلا أن تؤدى فيها الأمانات، وترعى فيها العهود، ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة الأساسية للحياة المشتركة الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان 86.
ومن مجالات الأمانة: الأمانة في القضاء والحكم بين الناس، وتكون الأمانة في القضاء بإصدار الأحكام وفق أحكام العدل التي استؤمن القاضي عليها، وفوض الأمر فيها إليه؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} فنلحظ هنا أن الله تعالى لما أمر بأداء الأمانة عمومًا عقب بعدها بقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة 87 الحجبي من بني عبد الدار، لما رد له النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، وقد سبق ذكر قصته.
قال ابن كثير: «وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد» 88.
وقال ابن تيمية رحمه الله: «قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ... ، وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة» 89. وقال الشوكاني رحمه الله: «ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولًا أوليًا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، ورد الظلامات، وتحري العدل في أحكامهم» 90.
وفي الآية دلالة على أنه يجب أداء الأمانات إلى أهلها.
وفي حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) 91.
فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء) 92.
ثم بعد هذا الأمر العام الذي يشمل جميع أنواع الأمانة، وجميع أنواع المخاطبين، عقب سبحانه بالأمر بالعدل في الحكم والقضاء بين الناس؛ إذ هو من أعظم الأمانات وأوجبها، فقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] .
أي: أنه تعالى يأمركم أيضًا إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائمًا على الحق والعدل، فإن الله تعالى ما أقام ملكه إلا عليهما، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات.
ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة.
قال: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .