قد يقال: يمكن الاستغناء عن السير والسفر إذا توفرت الوسيلة التي تنقل المشاهد والآثار كأنها ماثلة للعيان، شأن البرامج العلمية التي تستخدم كاميرات متطورة جدا في التصوير، فتنقل مشاهد وصورا أكثر دقة، تصحبها تعليقات دقيقة وهادفة، فهذا قد يحقق الغرض من السير نسبيا، ومع ذلك يبقى للسير أهميته، إذ به يتحقق المقصود أكثر من غيره من الوسائل، وقد أشار ابن عاشور إلى ذلك حين بين الحكمة من أمر الله جل ثناؤه بالسير فقال: «وإنما أمر بالسير في الأرض لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوياتها، ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها، فيرى كثيرا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جولانا لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه، لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبا عن بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل، فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة» 35.
تلك هي حقيقة النظر الوارد في آيات السير؛ إذ ليس مجرد رؤية بالبصر، بل هو نظر فكر واستدلال، وذلك هو سر ارتباطه به، إذ يمثل الهدف والمقصود، وإلا كان نظر غفلة وإهمال.
ليس السير مجرد مرور أو وقوف على الآثار، ولكن السير المعتبر ما كان ذا قصد، فما مقاصد السير في الأرض كما ورددت في كتاب الله تعالى؟
سنتحدث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: الاعتبار بمآل المؤمنين ومآل المكذبين:
1.الاعتبار بمآل المؤمنين.
وقد ورد الاعتبار بمآل المؤمنين في قول الله جل ذكره: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [آل عمران: 137] .
قال الطبري: «يعني بقوله تعالى ذكره: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ} : قد مضت وسلفت مني في من كان قبلكم -يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به- من نحو قوم عاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم من سلاف الأمم قبلكم {سُنَنٌ} يعني: مثلًا وسيرًا سرتها فيهم وفيمن كذبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهل التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلت بساحتهم نقمتي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرا» 36.
فالسنة الربانية الثابتة في قوله جل ذكره: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } ، هي ألا يمكن للمكذبين بالله ورسله، ولا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا، نعم قد ينتصرون في جولة من الجولات، كما وقع في غزوة أحد، بسبب تخلي المؤمنين عن شرط من شروط النصر، أو لحكمة أرادها الله تعالى، ولكنه انتصار مؤقت، إذ سرعان ما تدور عليهم الدائرة، وتعود سنة الله إلى اطرادها، من أجل ذلك طلب من المؤمنين السير في الأرض والنظر في مآل المكذبين من الأمم السابقة وكيف دمر الله عليهم، فعفت منهم الديار ولم يبق منها سوى الآثار، وقد بدأت الآية بـ {قَدْ} الدالة على تأكيد الخبر، وجيء بالفاء السببية في قوله: {فَسِيرُوا} ، وقيل: شرطية، بمعنى إن شككتم فسيروا 37.
والتعبير بلفظ {كَيْفَ} للاستفهام الدال على تصوير الحال في صورة تدعو إلى العجب والاستغراب، أي: أن عاقبتهم التي انتهوا إليها من تدمير ديارهم، وتعفية آثارهم بعد أن طغوا وبغوا، تثير العجب، وفي إضمار تلك العاقبة تهويل لمصيرهم المشؤوم، وإظهار لبطش الله الشديد.
فمعنى الآية: «قد مضت من قبلكم أحوال للأمم، جارية على طريقة واحدة، هي عادة الله في الخلق، وهي أن قوة الظالمين وعتوهم على الضعفاء أمر زائل، والعاقبة للمتقين المحقين، ولذلك قال: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } ؛ «أي: المكذبين برسل ربهم وأريد النظر في آثارهم ليحصل منه تحقق ما بلغ من أخبارهم، أو السؤال عن أسباب هلاكهم، وكيف كانوا أولي قوة، وكيف طغوا على المستضعفين، فاستأصلهم الله أو لتطمئن نفوس المؤمنين بمشاهدة المخبر عنهم مشاهدة عيان، فإن للعيان بديع معنى؛ لأن المؤمنين بلغتهم أخبار المكذبين عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس، وكلهم في بلاد العرب يستطيعون مشاهدة آثارهم، وقد شهدها كثير منهم في أسفارهم» 38.
فالسير في الأرض والوقوف على الديار والآثار، والتأمل في عاقبة المكذبين، يسكب في قلوب المؤمنين برد اليقين بصدق وعد الله تعالى ذكره بنصرهم والتمكين لهم، كما مكن للذين من قبلهم، ويذهب ما ظهر عليهم من انكسار نفسي من جراء نكسة أحد. وقد استغني بذكر عاقبة المكذبين عن ذكر مآل المؤمنين من الأمم السابقة، لأن التأمل في حال أحد الفريقين يكفي في معرفة حال الفريق الآخر 39، فالمؤمنون - بلا شك - قد انتصروا ومكنوا في الأرض.
2.الاعتبار بمآل المكذبين.
وقد ورد في ذلك آيات كثيرة، منها ما جاء صريحا، ومنها ما جاء تلميحا، فقد ورد الاعتبار بعاقبة المكذبين في قوله سبحانه وتعالى: {انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} في ثلاثة مواضع هي: [آل عمران: 137] ، [الأنعام: 11] ، [النحل: 36] .
اثنان منهما خطاب للكفار، وواحد خطاب للمؤمنين في آية آل عمران كما أسلفنا، «ولكن العمل بموجبه عام» ، كما قال أبو السعود 40.
أما ما جاء تلميحًا، فقد ورد بصيغتين متقاربتين:
الأولى: {فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، وقد وردت هذه الصيغة في: [يوسف: 109] ، [الروم: 9] ، [فاطر: 44] ، [غافر: 21، 82] ، [محمد: 10] .
والثانية: {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} [الروم: 42] .
وواضح أن الضمير في تلك الآيات عائد على الكفار والمشركين، سواء ضمير الغائب في قوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} في الآيات الست، أو ضمير المخاطب في آية سورة الروم، والمقصود واحد؛ هو دعوتهم إلى السير في الأرض والنظر في عاقبة كفار ومشركي الأمم السابقة، والاعتبار بما آل إليه كفرهم بالله تعالى وتكذيبهم لرسله.
وقد ذكر الله جل وعلا نماذج من جرائم تلك الأمم الهالكة، وما أصابها بسبب ذلك، ليكون عبرة لكفار قريش وغيرهم، وزاجرا لهم، لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويتوبون إلى ربهم، وأعظم جريمة وظلم اقترفته تلك الأمم الغابرة؛ الشرك بالله عز وجل واتخاذ طواغيت يعبدونها من دونه، نقرأ ذلك في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } [النحل: 36] .
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} . يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم، الذين حل بهم ما حل من بأسنا، بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها، والبلاد التي كانوا يعمرونها، فانظروا إلى آثار الله فيهم، وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقيقة ذلك، وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم» 41.
فقد ساق الله تعالى للكفار دليل العقل الذي يدركه كل ذي بصيرة، ولما لم يتبصروا به بسبب قسوة قلوبهم، أحالهم على الدليل المحسوس للبصر، فدعاهم إلى السير في الأرض للوقوف على مصارع الذين حقت عليهم الضلالة، عساهم يعتبرون أو يرعوون حين يرون آثارهم وديارهم وهي خاوية على عروشها، وإلا سيكون ذلك مصيرهم.
ومن نماذج الاعتبار بعاقبة المكذبين ما ورد في سورة الأنعام في قوله جل ذكره: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } [الأنعام: 10 - 11] .
فقد أشارت الآية الأولى إلى ما كان يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من استهزاء وسخرية كفار قريش، ثم ذكرت أن ذلك دأب كفار الأمم السابقة مع أنبيائهم، تثبيتا وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وختمت بما حل بأولئك المستهزئين، وفي الآية الثانية تهديد ووعيد للمستهزئين من كفار قريش، إن لم يعتبروا بمآل من كان قبلهم، فقيل لهم: «جولوا في بلاد المكذبين رسلهم، الجاحدين آياتي من قبلهم، من ضربائهم وأشكالهم من الناس، {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} يقول: ثم انظروا كيف أعقبهم تكذيبهم ذلك الهلاك والعطب، وخزي الدنيا وعارها، وما حل بهم من سخط الله عليهم بالبوار، وخراب الديار، وعفو الآثار، فاعتبروا به إن لم تنهكم حلومكم، ولم تزجركم حجج الله عليكم عما أنتم عليه مقيمون من التكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحل بكم مثل الذي حل بهم» 42.
وقد وصفت الآيتان القوم بخلقين ذميمين هما: الاستهزاء والتكذيب، والواحد من هذين الخلقين كافٍ في استحقاق تلك العاقبة.
ثانيًا: النظر في عاقبة المجرمين:
ومن مقاصد السير في القرآن الكريم النظر في عاقبة المجرمين، قد ورد في آية سورة النمل.
وقد جاءت في سياق ذكر إنكار المشركين للبعث، فقال الله تعالى ذكره: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) } [النمل: 67 - 69] .
فالآية الكريمة تدعو منكري البعث إلى الاتعاظ بحال المجرمين من الأمم السابقة، وتتوعدهم بأن يصيبهم مثل ما أصابهم، وقد جاء العطف في الأمر بالسير بالفاء التعقيبية، لأن المقام مقام استرشاد للاعتقاد والرجوع عن الغي والعناد وليس مجرد تهديد، وعظم المأمور بنظره بجعله أهلا للعناية به، والسؤال عنه فقال: {كَيْفَ كَانَ} ، فإنكم إن نظرتم ديارهم، وتأملتم أخبارهم حق التأمل أسرع بكم ذلك إلى التصديق، فنجوتم وإلا هلكتم 43.
هذا مجمل ما ورد صريحا في دعوة كفار قريش ومن شاكلهم للسير في الأرض للاعتبار بعاقبة المكذبين والمجرمين من الأمم الغابرة، خوطبوا به ليعلموا ما حل بالكفرة قبلهم، وليكون لهم رادعا وزاجرا عن التمادي في غيهم وطغيانهم، قبل أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم.
بقيت الإشارة إلى ما ورد من نصوص قرآنية تأمر بالسير في الأرض والاعتبار بالذين خلوا، دون وصفهم بالتكذيب أو الإجرام -وإن كانوا كذلك -، وإنما وصفوا بـ: {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} و {الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} ، ففي سورة محمد صلى الله عليه وسلم وبخ الله جل ذكره الكافرين الذين سافروا وارتحلوا في بقاع شتى ورأوا ما حل بأقوام مثل عاد وثمود وسبأ وغيرهم، ولم يتعظوا ويعتبروا بعاقبتهم، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) } [محمد: 10] .
فالآية الكريمة نزلت بالمدينة في أجواء قتال بين المسلمين والكافرين -بدليل تسمية السورة بسورة القتال- وكما دلت الآيات السابقة لهذه الآية، وفيها تحفيز وتحريض للمؤمنين وتوهين الكافرين، ثم أشارت إلى العذاب الذي سلطه على الذين كانوا من قبلهم، وقد عبر عما حل بهم بقوله: {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ، «والمعنى: دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم» 44.
وقد عدي فعل (دمر) بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير 45.
ثم توعد الله تعالى كفار مكة -وأمثالهم في كل مكان وزمان- السالكين لسيرة الهالكين بمثل تلك العواقب الوخيمة والعقوبات الأليمة، فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} .
«قال ابن عباس: يعني: لكفار قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف» 46.
وقد دمر الله على الكافرين مرات حتى انتصر الإسلام، «فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم، وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه، وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو» 47.
وفي سور أخرى ذكر الله جل ثناؤه الاعتبار بعاقبة الذين من قبل، وبين أنهم أوتوا قوة وشدة وأثاروا الأرض وعمروها، ولكن ذلك لم يغن عنهم من الله شيئا، حين نزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ليعلم كفار قريش أنهم أهون وأضعف من أولئك الجبارين، وسأسوق أمثلة توضح ما ذكرت.
ففي سورة فاطر ورد قوله جل وعلا: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) } [فاطر: 44] .
فقد جاءت هذه الآية بعد أن توعد الله تبارك وتعالى كفار قريش ومن شاكلهم أن يحل بهم عذابه وفق سنته التي لا تتبدل ولا تتحول، بسبب ما ادعوه، ثم أخلفوا الله ما وعدوه، فدعتهم إلى السير في الأرض والنظر في عاقبة الذين من قبلهم كعاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين، إذ كانوا يمرون بديارهم في أسفارهم، فقد كانوا أشد منهم قوة، وأطول أعمارا وأكثر أموالا وأقوى أبدانا، فلم يغن عنهم من الله شيئا حين كفروا بالله وكذبوا رسله، فليعتبر مشركو قريش بمآل أسلافهم، فإن الله جلت قدرته الذي أهلك أولئك - على قوتهم وبطشهم - لا يعجزه أن يهلك هؤلاء.
وإذا كانت سورة فاطر لم تصرح بطبيعة القوة التي أوتي الذين خلوا من قبل، فإن سورتي الروم وغافر بينتا ذلك، فقال تعالى في سورة الروم: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم: 9] .
وقال عز وجل في سورة غافر: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) } [غافر: 21] .
ففي الآيتين إنذار للكفار بعواقب الأمم الذين كذبوا رسلهم من قبل كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن كانوا يمرون على ديارهم في أسفارهم إلى اليمن والشام في رحلتي الشتاء والصيف، فقد أضحت مساكنهم خرابا يبابا، رغم ما أوتوا من صلابة في الأجسام أمكنتهم من قلب الأرض بالحرث لزرع البذور وغيرها، أو حفرها لاستنباط المياه واستخراج المعادن 48.
وعمروها بفنون العمارات بتشييد المباني والحصون، وعلى الجملة فقد كانوا أقوى أجسامًا وأكثر تحصيلًا لأسباب العيش من كفار قريش الذين كانوا يسكنون واديًا غير ذي زرع، فما أثاروا الأرض ولا عمروها.
قال ابن كثير: «أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم -أيها المبعوث إليهم محمد صلوات الله وسلامه عليه- وأكثر أموالًا وأولادًا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعمارًا طوالًا، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال» 49.
وأختم حديثي عن الاعتبار بعاقبة الذين من قبل بما ورد في موضع آخر من سورة الروم في قوله جل جلاله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) } [الروم: 41 - 42] .
ففي الآية الأولى بيان لشؤم الذنوب والمعاصي وما أحدثت من فساد في البر والبحر، وقد ذكر المفسرون أقوالا في بيان طبيعة ذلك الفساد، وهي في الجملة آفات وعقوبات يبتلى بها الناس، «كالجدب، والقحط، وقلة الريع في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، وكثرة الحرق والغرق، وإخفاق الصيادين والغاصة، ومحق البركات في كل شيء، وقلة المنافع في الجملة وكثرة المضار» 50.
وكل ذلك بكسب أيديهم، وتلك الآفات جزء يسير مما يستحق الناس، ولو أذاقهم كل سوء عملوه ما ترك على ظهرها من دابة، فهو يصيبهم ببعض أعمالهم لعلهم ينيبوا إلى الحق ويرجعوا إلى التوبة ويتركوا معاصي الله، أما إذا لم يتعظوا بما أصابهم من فساد بما كسبت أيديهم، فإنه سيصيبهم فساد أعظم وأشد، كالذي أصاب الأمم التي أشركت، فجاءت الآية الأخيرة تحث على السير في الأرض للاعتبار بعاقبة الذين من قبل من الأمم التي يعرفها المخاطبون ووقفوا على آثارها وديارها، فقد أهلكها الله جلت قدرته ودمرها وتركها أثرا بعد عين، وسبب تلك العاقبة المفجعة هو شرك الأكثرين منهم، وفي ذلك تعريض بمشركي قريش وتحذير لهم أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبل.
ثالثًا: التفكر في الخلق:
حث القرآن الكريم على التفكر في الخلق في آيات كثيرة، وتعددت أساليب الدعوة إليه، فتكون أحيانًا من خلال التذكير بنعم الله وآلائه، وفي أحيان أخرى يأتي الحض على التفكر في معرض بيان الغاية التي من أجلها يضرب الله للناس الأمثال ويقص القصص ويلفت النظر إلى آيات الله المبثوثة في الآفاق والأنفس، وتارة أخرى يكون الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التفكير عنيفا شديدا مقرونا في بعض الأحيان بالتهديد والوعيد، وهذه هي الآيات الموجهة لذوي القلوب القاسية الكافرة التي تحتاج لمثل هذا الأسلوب الصارم وفي مثل هذه الآيات تأتي الدعوة إلى التفكر بأسلوب الاستفهام الاستنكاري 51.
وفي معنى التفكر لغة قال ابن فارس: «فكر: الفاء والكاف والراء، تردد القلب في الشيء، يقال: تفكر إذا ردد قلبه معتبرا» 52.
وفي اللسان: «الفكر بالفتح والفكر بالكسر: إعمال الخاطر في الشيء» 53.
وفي القاموس: «الفكر بالكسر ويفتح: إعمال النظر في الشيء» 54.
أما اصطلاحًا فقد عرفه الراغب بقوله: «الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان» 55.
وقال عنه الفراهي: «الفكر: هو النظر فيما وراء الشيء، وربما يسمى اعتبارا» 56.
وعرفه أحد الباحثين بقوله: «التفكير في أبسط تعريف له عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة أو أكثر من الحواس الخمس» 57.
أما أهميته، فيكفي فيه أنه الملكة التي كرم الله تعالى بها بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق.