فهرس الكتاب

الصفحة 2403 من 2431

والمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ويبالغ في التنعم بالمأكول، والمشروب، والملبوس، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة، والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم، كالأب والجد ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية: اليتيم إن كان غنيًّا وَسِّعَ عليه وَعُفَّ من ماله، وإن كان فقيرًا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له» 100.

{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي: فليستعفف بماله عن مال اليتيم فإذا كان الولي فقيرًا يأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة، وإلى هذا ذهب قوم من العلماء، أن له أن يأكل بقدر ما يسد به الخلة، وقال الشعبي وجماعة: يأكل من مال اليتيم على سبيل القرض، وقال مجاهد: لا يأكل أصلًا، لا قرضًا، ولا غير قرض 101.

والراجح: أن للولي أو الوصي إن كان فقيرا أن يأكل بالمعروف بحسب العرف والعادة في ذلك، أو على قدر نفعه ومثل أجرته 102.

خامسًا: اختبار اليتامى في حسن التصرف وإيتاؤهم أموالهم:

أمر الله تعالى الأولياء باختبار اليتامى في حسن التصرف وإيتاؤهم أموالهم.

قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

والمعنى: أيها الأولياء ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ وهو الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على الابتلاء حتى تأنسوه منهم 103.

والابتلاء: هو الاختبار والامتحان، وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد، الممكن رشده شيئًا من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده من سفهه، فإن استمر غير محسن للتصرف لم يدفع إليه ماله، بل هو باق على سفهه، ولو بلغ عمرًا كثيرًا، فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} كاملة موفرة وأشهدوا على ذلك أهل الثقة والأمانة.

وقوله: {آنَسْتُمْ} أي: تبينتم وشاهدتم وأحسستم ووجدتم بمعنى واحد.

وفي هذه الآية يدعو سبحانه القومة على اليتامى من أولياء وأوصياء أن يضعوهم دائمًا تحت التجربة والاختبار؛ لسياسة أموالهم، وتدبيرها بأنفسهم، وذلك بأن يشركوهم معهم في بعض التصرفات، ويطلعوهم على طرق الأخذ والعطاء بين الناس، وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور، وحسن التصرف في الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صار في قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفًا حسنًا، فإن شاهدتم وأحسستم منهم رشدًا أي: صلاحًا في عقولهم، وحفظًا لأموالهم، فادفعوها إليهم من غير تأخير أو مماطلة 104.

وفي آيات أخرى حتى يبلغ اليتيم الأشد.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الإسراء:34] .

وكذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف:82] .

والمراد بالأشد في شأن اليتيم في هذه الآيات هو: بلوغ الحلم مع حسن التصرف، وهو المبين في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] .

وبلوغ الحلم هو بلوغ النكاح، لكنه مشروط بإيناس الرشد، فكم من كبير غير رشيد ولا يحسن التصرف.

وهذا ما رجحه الإمام الشوكاني حيث قال: «والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكًا مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فجعل بلوغ النكاح، وهو بلوغ سن التكليف مقيدا بإيناس الرشد» 105.

وقال الإمام ابن العربي في أحكام قوله تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الإسراء:34] «يعني: قوته، والأشد كما قلنا في القوة، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة والتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن الأشد هاهنا وقعت مطلقة، وجاء بيان اليتيم في سورة النساء مقيدًا، قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

فجمع بين قوة البدن ببلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة بإيناس الرشد، وعضد ذلك المعنى فإنه لو اقتضت الآية تمكين اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة له وبعد حصول قوة البدن لأذهبه في شهواته، وبقي صعلوكا لا مال له، وخص اليتيم بهذا الشرط في هذا الذكر لغفلة الناس عنه، وافتقاد الآباء لبنيهم، فكان الإهمال لفقيد الأب أولى» 106.

سادسًا: البلوغ في حق اليتيم:

البلوغ في حق اليتيم يكون بأحد الأمور الآتية:

1.بلوغ الاحتلام، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، وهذا النوع من البلوغ متفق عليه بين العلماء ويشترك فيها الرجال والنساء، وبهذا الاحتلام وبلوغه يزول اسم اليتم عن اليتيم حقيقة، وذلك لما رواه علي رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل) 107. وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) 108.

2.الحيض والحبل ويختصان بالنساء، فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما 109.

3.السن الذي يعتبر في البلوغ: فهو أن يستكمل خمس عشرة سنة عند جمهور العلماء، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير 110. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه السن المعتبر في البلوغ هو بلوغ ثماني عشر سنة للذكور وسبعة عشرة للإناث 111.

والراجح من هذه الأقوال هو: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن البلوغ يكون بمضي خمس عشرة سنة، وهو الوقت الذي يجب فيه على الأولياء أن يدفعوا إلى اليتيم ماله، إلا أن يشعر الولي بأن اليتيم غير مؤهل لتسلم المال بعد مضي خمس عشرة سنة، فيمكن الانتظار به حتى يبلغ ثماني عشرة سنة؛ عملًا بقول الحنفية والمالكية.

وقد أمر الله تعالى بتوثيق دفع مال اليتيم إليه، قال تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] 112.

أي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم فأشهدوا عليهم بقبضها وبراءة ذممكم منها، كى لا يكون بينكم نزاع.

وهذا الإشهاد واجب عند الشافعية والمالكية، إذ أن تركه يؤدى إلى التخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، وجعله الحنفية مندوبًا لا واجبًا 113.

والراجح من هذه الأقوال: إن الإشهاد عند دفع مال اليتيم إليه واجب، ويمكن كذلك توثيق هذا الدفع بكلِّ الوسائل الممكنة وخاصة بالكتابة من خلال تحرير اليتيم سندات استلام للمال وبحضور الشهود؛ لأن ذلك أدعى لقطع الخصومات والشكوك والدعاوى في المستقبل.

قال الإمام الرازي: «واعلم أنَّ الأمة مجمعة على أنَّ الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغًا، فإنَّ الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه:

أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أنْ يدعي ما ليس له.

وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله إليه.

ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته، فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه، فثبت بما ذكرنا من الإجماع والمعقول أنَّ الأحوط هو الإشهاد» 114.

ثم ختم الله تعالى هذه الآية بقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} : أي: وكفى الله رقيبًا وشهيدًا عليكم يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون، وقد جاء هذا بعد الأمر بالإشهاد ليرشد المسلمين إلى أنَّ الإشهاد وإنْ أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو لا يسقط الحقَّ عند الله إذا كان الولي خائنًا، فإنَّ الله لا يخفى عليه ما يخفى على الشهود والحكام 115.

بيَّنَ القرآن الكريم أحكام نكاح يتامى النساء في آيتين وهما:

قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] .

وقوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) } [النساء:127] .

ومعنى الآية: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، بإساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليكم، فالآية للتحذير من التورط في الجور والأمر بالاحتياط، وإنَّ في غيرهن متسعًا إلى الأربع 116.

وقد ورد في تفسير هذه الآيات أحاديث صحيحة منها ما رواه الإمام البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} ، قالت: (يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أنْ يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنَّ إلَّا أنْ يقسطوا إليهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة: وإنَّ الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} ، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنَّ إذا كنَّ قليلات المال والجمال) 117118.

قال الإمام ابن كثير: «والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسَّعَ الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر، فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} الآية، كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه» 119.

فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها، فنهوا أنْينكحوهنَّ إلا أنْ يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن 120.

قال الحسن البصري: «كان الرجل من أهل الجاهلية يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها، فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية» 121.

ومن خلال ما سبق من الآيات والأحاديث وأقوال المفسرين يمكن تلخيص أحكام نكاح يتامى النساء فيما يأتي:

1.لا يجوز نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل، بإجماع الفقهاء والمفسرين.

2.يجوز نكاح يتامى النساء من وليها بمهر مثلها وبأوفى صداقها مع العدل.

3.لا يجوز عضل يتامى النساء من الزواج بغير وليها إن كانت دميمة من أجل ألا يخرج ميراثها لغير وليها.

4.يعتبر في نكاح يتامى النساء ما يعتبر في ذوات الأب من البلوغ والرضا على الراجح من أقوال الفقهاء، ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر، لقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ?) ، والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: (فِي يَتَامَى النِّسَاءِ) والمراد به هناك: اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية، فلا تزوج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن لا تزوج إلا بإذنها 122.

5.وإذا جاز له أن يتزوجها، فإما أن يلي هو النكاح بنفسه، وإما أن يزوجه إياها أخوها مثلًا إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها، جاز له أن يتزوجها، ويكون هو الناكح والمنكح، على ما فسرته عائشة، وبه قال أبو حنيفة، أي أنه يمكن انعقاد الزواج بعاقد واحد. وقال زفر من الحنفية والشافعي: لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه ولي لها غيره؛ لأن الولاية شرط من شروط العقد، لقوله عليه صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي عن عمران وعن عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، أي: لا بد من تعدد العاقد 123. ويكون الراجح من أقوال الفقهاء هو قول زفر من الحنفية والشافعي؛ لوجاهة أدلتهما ولمصلحة اليتيمة، فلا بد من تعدد العاقد في نكاح اليتيمة من أجل أن لا تقع في ظلم أو نقص في المهر.

إنَّ الإسلام بمنهجه القويم وتشريعاته الغراء وتوجيهاته السديدة، اعتنى عناية فائقة باليتيم، فأمر بإكرامه ورعايته، وكفالته والقيام بشؤونه، فأعاد له إنسانيته وكرامته، وأمر بإيصال حقوقه من غير مَنٍّ ولا أذىً، كما أمر بالقسط معه وعدم ظلمه، فحفظ له حقوقه الشخصية مثل: حقوقه المتعلقة بالولادة، وحقه في الحياة، وحقه في النسب والرضاعة والوصاية، وحقه في الرحمة والحب والإشباع العاطفي، وحقه في التربية والتأديب والتعليم واللعب واللهو وغيرها من الحقوق 124.

وكذلك حقوقه المدنية والمالية، كحقه في النفقة والرعاية الصحية والعلاج، وحقه في الجنسية الوطنية، وحقه في حمايته في الحروب والكوارث وغيرها.

وقد اعتنى المسلمون أفرادًا وجماعات بالأيتام، وقامت في بلاد المسلمين مؤسسات ترعى شؤونهم عامة وتحضنهم، وأمر من يقوم عليه بتربيته وتعليمه وبإشباعه بالحب والعطف والحنان، كلُّ هذا أعاد لليتيم وضعه اللائق به إنسانيًّا 125.

وهذه الحقوق تتوزع بين المجتمع المسلم والدولة على التفصيل الآتي:

أولًا: حقوق اليتيم على المجتمع:

يعتبر القيام برعاية اليتيم والمحافظة على حقوقه وتوفيته إياها من مسؤوليات المجتمع المسلم كله في أي زمان وفي أي مكان، وهو فرض كفاية على الأمة، فإن تركت الأمة كفالة اليتامى أثمت جميعها.

ولقد جند الإسلام المسلمين جميعًا للقيام بحقوق اليتامى والتقرب إلى الله تعالى بالعطف عليهم.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء:36] .

وقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة:177] .

وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة:215] .

وقوله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان:8] وقوله جل شأنه: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) } [النساء:8] .

ويلاحظ من خلال الآيات السابقات أن الخطاب للجماعة والمجتمع المسلم بلفظ الجمع بالقيام بحقوق اليتيم، مما يدلُّ على المسؤولية الجماعية في الإسلام، فالمجتمع كله مسؤول عن حقوق اليتامى والضعفاء 126.

والأساس الذي يقوم عليه وجوب حق الأيتام هو الإجماع، وقال إمام الحرمين: «وأجمع المسلمون أجمعون على أنه إذا اتفق في الزمان مضيعون فقراء مملقون تعين على الأغنياء أن يسعوا في كفايتهم» 127.

وقال الإمام أحمد بن تيمية: «فعلى المسلمين جميعًا أن يطعموا الجائع ويكسوا العاري ولا يَدَعوا بينهم محتاجًا» 128.

ثانيًا: حقوق اليتيم على الدولة:

إنَّ رعاية الدولة الإسلامية لليتامى من الواجبات الشرعية التي تقوم من أجلها الدول، فيجب على الدول القيام بحقوق اليتامى ورعايتهم والإحسان إليهم ودمجهم في المجتمع، وتوفير فرص العمل لهم بعد تأهيلهم في جميع جوانب الحياة، ويدلُّ على هذا أن المولى جلت قدرته جعل للأيتام نصيبًا في الخمس من الغنائم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت