فهرس الكتاب

الصفحة 917 من 2431

وقال الشنقيطي: «وقوله تعالى في آية القصص: {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} وعد الله المذكور هو قوله: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} » 85.

فترك الولد والأهل من أسباب الحزن، ويشتد ويغلظ عندما لا يعلم ما سيؤول إليه أمرهما بعد الترك.

سابعًا: فقد الأحبة:

فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان على حب أقاربه وأصحابه وإخوانه، وعندما يصاب في واحد منهم فإنه يحزن، وهذا أمر طبيعي، فالوالدان يحزنان على فقد ولدهما، والعكس، والزوج على زوجته، والعكس، وكل محبوب للقلب إذا فارقه يحزن لفراقه.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن نبيه يعقوب عليه السلام عندما فقد ولده المحبوب يوسف عليه السلام أنه حزن حزنًا شديدًا حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن، وكثرة البكاء.

يقول الله سبحانه: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) } [يوسف:84] .

والمعنى: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك. {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، {وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى 86.

يقول الإمام البغوي: «وذلك أن يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين تتام حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم، {وَقَالَ يَاأَسَفَا} يا حزناه، {عَلَى يُوسُفَ} والأسف أشد الحزن، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} عمي بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين، {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. وقال قتادة: يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرًا. قال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا، لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب» 87.

وفي بكاء يعقوب وحزنه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم 88. فعندما مات ولده إبراهيم حزن رسول صلى الله عليه وسلم ودمعت عيناه الشريفتان، وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) 89. وفي رواية: (تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون) 90.

ولكن الحزن عند نزول المصيبة يجب ألا يتجاوز المشروع، ويتعدى الممنوع، فلا يسخط صاحبه بقول أو فعل، ولا يعترض على أقدار الله النازلة بلسان؛ ولا يصيح وينيح، ولا يلطم الخد ولا يشق الثوب، بل يصبر ويحتسب، ويسترجع.

«لم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه، أو منفيًّا. فالمنهي عنه كقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران:139] .

وقوله: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر:88، النحل: 127، النمل:70] في غير موضع، وقوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] .

والمنفي كقوله: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38] » 91.

أولًا: الحزن على المعرضين:

نهى الله سبحانه نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام في غير ما موضع من القرآن الكريم عن الحزن على إعراض المشركين عن دعوته وعدم استجابتهم لرسالته ورفضهم الدخول في دينه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد ويبذل كل ما يستطيع لتبليغ ما أرسله الله به، ويحرص كل الحرص على أن يدخل الناس في هذا الدين حتى ينجوا من النار، ويخلصوا أنفسهم من الشرك والعبودية لغير الله، ولكن كان المشركون يقابلونه بالإعراض والاحتقار ورفض ما يدعوهم إليه، فكان يصيبه الحزن لما يجد من هؤلاء، بل كانوا مع إعراضهم يتعرضون لإيذائه بأفعالهم وأقوالهم، فكان القرآن يتنزل على نبيه يسليه ويزيل ما في قبله من هم وحزن نتيجة ما كان يفعله قومه به، وهذه هي الآيات التي كانت تنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن على إعراض المعرضين.

يقول تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) } [آل عمران:176] .

والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على الخلق، مجتهدًا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، فقال الله تعالى له: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى 92.

قال ابن كثير: «يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} وذلك من شدة حرصه على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك ذلك ... » 93.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } [المائدة:41] .

والمعنى: «لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر؛ وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين، وفي مبالغتهم في موالاة المشركين؛ فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم» 94.

يقول القاسمي: « {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} أي: لا تهتم ولا تبال بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومضرة أهله» 95.

قال الخازن: « {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} يعني: المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان بالقول وكتموا الكفر وهذه صفة المنافقين {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} أي: وطائفة من اليهود» 96.

وقال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) } [لقمان:23] .

لما ذكر الله المسلم في قوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) } [لقمان:22] .

ذكر الكافر المعرض عن الهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن النبي كان يهتم ويحزن لهذا الإعراض والجحود من قبل الكافرين فقال الله له: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} .

قال الرازي: «أي: لا تحزن إذا كفر كافر فإن من يكذّب وهو قاطع بأن صدقه يتبين عن قريب لا يحزن، بل قد يؤنّب المكذّب على الزيادة في التكذيب إذا لم يكن من الهداة ويكون المكذب من العداة ليخجله غاية التخجيل، وأما إذا كان لا يرجو ظهور صدقه يتألم من التكذيب، فقال: {فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} ، فإن المرجع إلي فأنبئهم بما عملوا فيخجلون» 97.

وقال السعدي: « {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} ؛ لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه؛ لأنه لو كان فيه خير، لهداه الله، ولا تحزن أيضًا على كونهم تجرأوا عليك بالعداوة، ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم، بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب» 98.

وقال المراغي: «لا تحزن على كفرهم بالله وبما جئت به، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن قدر الله نافذ فيهم» 99.

أما البقاعي فقد ربط الآية بالتي قبلها وفصل القول في جمل الآية فقال: «ولما ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: {وَمَنْ كَفَرَ} أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم يسلم وجهه إليه، فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم، اتباعًا لما قاده إليه الهوى، بأن جعل لنفسه اختيارًا وعملًا فعل القوي القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه لم يتمسك شيء {فَلَا يَحْزُنْكَ} أي: يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال: {كُفْرُهُ} كائنًا من كان فإنه لم يفتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك بسببه، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين، وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجًا عنه، فالآية من الاحتباك: ذِكْر الحزن ثانيًا دليلٌ على حذف ضده أولًا، وذِكْر الاستمساك أولًا دليلٌ على حذف ضده ثانيًا» 100.

وقال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) } [النحل:127] .

{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} «لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلًا ورأسًا إلا في أمر البلاغ» 101.

وقال أيضًا: « {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس» 102.

وقال البغوي: « {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في إعراضهم عنك» 103.

وقال الشوكاني: «نهاه عن الحزن فقال: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على الكافرين في إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحدٍ، فإنّهم قد أفضوا إلى رحمة اللّه» 104.

وقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) } [النمل:69 - 70] .

في هذه الآية يقول تعالى مسليًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: المكذبين بما جئت به ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات 105.

قال النسفي: « {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} لأجل أنهم لم يتبعوك ولو يسلموا فيسلموا» 106.

وقال البيضاوي: « {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} على تكذبيهم وإعراضهم» 107.

وقال تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) } [الحجر:88] .

{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: إذ لم يؤمنوا، ليقوى بمكانهم الإسلام، وينتعش بهم المؤمنون، وقد كان صلى الله عليه وسلم يود أن يؤمن به كل من بعث إليه، ويتمنى لمزيد شفقته عدم إصرار الكفار على كفرهم 108.

فهذه الآيات نجد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيبه الهم والحزن بسبب إعراض قومه عن الإيمان به، وعدم تصديقه فيما جاء به عن الله سبحانه، فكان القرآن يتنزل عليه وينهاه عن الحزن على إعراض الكافرين والمنافقين.

كما أنه عليه الصلاة والسلام مع إعراض الكافرين عن دعوته وعدم استجابتهم لرسالته لم يكتفوا بهذا، بل كانوا يتعرضون له بالأذية القولية والفعلية من شتم وسب وسخرية واحتقار واتهام بالكذب والإفك والسحر، وأن هذا القرآن إنما هو من عنده أو من عند غيره من البشر، وليس من عند الله سبحانه، فكان يحزن عليه الصلاة والسلام لما كان يسمعه من أذية هؤلاء المشركين المكذبين، فكان الله ينهاه عن الحزن، وكان ينزّل عليه القرآن تسلية له وتقوية لقلبه، وتثبيتًا له على الحق.

قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام:33] .

قال الرازي: «اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقًا كثيرين، فمنهم من ينكر نبوته؛ لأنه كان ينكر رسالة البشر، ويقول: يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة، وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها. ومنهم من يقول: إن محمدًا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال. وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته. وقد ذكر الله تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة ... ، ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول، وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.

واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ فقيل كانوا يقولون: إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن. وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته. وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال» 109.

وقال القاسمي: «وقوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} قرئ بفتح الياء وضمها، {الَّذِي يَقُولُونَ} أي: يقولون فيك، من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون» 110.

وقال أبو السعود: «استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه، مما حكى عن الكفرة من الإصرار على التكذيب، والمبالغة فيه، ببيان أنه عليه الصلاة والسلام بمكانة من الله عز وجل وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجعٌ إليه تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشدّ انتقام» 111.

روى الطبري عن السدي في قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} قال: لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحقّ من كفّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غلب محمدٌ صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين، وإن غلب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا، فيومئذ سمّي «الأخنس» ، وكان اسمه «أبيّ» فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمّد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ، «فآيات الله» ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم» 112.

وقال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) } [يونس:65] .

قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا يحزنك، يا محمد، قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام» 113.

وقال الألوسي: «والذي عليه الجمهور أنه استئناف سيق تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهة الأعداء من الأذية الناشئة مقالاتهم الرديئة الوحشية وتبشيرًا له عليه الصلاة والسلام بالنصر والعز» 114.

وقال تعالى: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) } [يس:76] .

قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَلَا يَحْزُنْكَ} يا محمد قول هؤلاء المشركين بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك» 115.

والخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى كان ينهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن لإعراض قومه عنه وكفرهم به وأذيتهم له، والآيات السابقة نرى فيها أن الله سبحانه وتعالى كان ينهى عن الحزن على المعرضين.

ثانيًا: الحزن عند الهزيمة:

الهزيمة وقعها على النفس عظيم، وعند حصولها تذهب العقول، وتزيغ الأبصار، وبعد وقوعها يحدث الحزن والغم، فهي مؤلمة جدًّا، كيف لا وفيها قد يفقد الأحبة، وتكسر الشوكة، وتسلب الكرامة، ويذل العزيز، ويهان الكريم، وتأخذ الأموال، وتستحل الأوطان والحرمات، وقد يكون فيها الهلكة، ولذا لا يتقبلها إلا أصحاب القلوب القوية المؤمنة بأقدار الله سبحانه وتعالى.

ولهذا فالقرآن الكريم قد أدب المؤمنين عندما وقعت بهم الهزيمة في غزوة أحد وعلمهم كيف يتعاملون مع مثل هذه البلوى. فبعدما وقعت الهزيمة حزن الصحابة على ما أصابهم، كيف والبلوى كانت مؤلمة فقد فقدوا سبعين رجلًا من خيارهم فيهم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة، وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراحات بالغة، فكسرت رباعيته، وشج وجهه الشريف، وكذلك أصابهم رضي الله عنهم جراحات كثيرة أثخنت في أجسادهم، فتحصل من ذلك غم وحزن.

يقول سيد قطب: «لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة، وأصابهم القتل والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير. قتل منهم سبعون صحابيًّا، وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه، وأرهقه المشركون، وأثخن أصحابه بالجراح .. وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس، وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر، حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: «أنّى هذا؟» وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟!» 116.

ولكن مع ما أصابهم فقد نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الحزن.

قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [آل عمران:139] .

وقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) } [آل عمران:153] .

أي: ولا تحزنوا على من قتل منكم في ذلك اليوم، ويصح أن يكون هذا النهي إنشاء بمعنى الخبر، أي: إن ما أصابكم من القرح في أحد ليس مما ينبغي أن يكون موهنًا لأمركم ومضعفًا لكم في عملكم ولا موجبًا لحزنكم وانكسار قلوبكم، فإنه لم يكن نصرًا تامًّا للمشركين عليكم، وإنما هو تربية لكم على ما وقع منكم من مخالفة قائدكم صلى الله عليه وسلم في تدبيره الحربي المحكم، وفشلكم وتنازعكم في الأمر، وذلك خروج عن سنة الله في أسباب الظفر، وبهذه التربية تكونون أحقاء بألا تعودوا إلى مثل تلك الذنوب، فتكون التربية خيرًا لكم من عدمها، بل يجب أن تزيدكم المصائب قوة وثباتًا بما تربيكم على اتباع سنن الله في الحزم والبصيرة، وإحكام العزيمة، واستيفاء الأسباب في القتال وغيره، وأن تعلموا أن الذين قتلوا منكم شهداء، وذلك ما كنتم تتمنونه كما سيأتي، فتذكره مما يذهب بالحزن من نفس المؤمن 117.

قال الإمام الطبري: «وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد. قال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} ، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح، عن جهاد عدوكم وحربهم» 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت