القطع من الله عاقبة من عواقب قطيعة الرحم؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته) 139.
ومعنى: الرحم شجنة من الرحمن، أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه بذلك مجازًا واتساعًا، وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة 140.
«والمراد منها هنا: أنها مشتقة (من الرحمن) ، أي: من الرحم المشتق من اسم الرحمن، فكأنها مشتبكة به اشتباك العروق، وقيل: في وجه الشجنة أن حروف الرحم موجودة في اسم الرحمن، ومتداخلة فيه كتداخل العروق لكونها من أصل واحد، والمعنى: أنها أثر من آثار رحمة الله مشتبكة بها، فالقاطع فيها مقطوع من رحمة الله، والواصل فيها واصل إلى رحمته» 141.
والقطع من الله كناية عن حرمان الإحسان، والوصل من الله تعالى كناية عن عظيم إحسانه 142، بل قد يكون القطع حقيقةً بأن يقطع الله من عمره ورزقه، كما أن في الوصل زيادة في العمر والرزق.
3.الحجب من دخول الجنة.
من عواقب قطيعة الرحم الحجب من دخول الجنة، لما رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل الجنة قاطع) 143.
قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم 144.
قال الإمام النووي: «هذا الحديث يتأول تأويلين سبقا في نظائره في كتاب الإيمان، أحدهما: حمله على من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها فهذا كافر يخلد في النار، ولا يدخل الجنة أبدًا، والثاني: معناه ولا يدخلها في أول الأمر مع السابقين، بل يعاقب بتأخره القدر الذي يريده الله تعالى» 145.
4.تعجيل العقوبة في الدنيا مع ما يؤجل في الآخرة.
من عواقب قطيعة الرحم تعجيل العقوبة في الدنيا مع ما يؤجل في الآخرة ويدل على ذلك ما رواه أبو بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) 146.
5.الخسران في الدنيا والآخرة.
رتب الله تعالى على نقض العهود وقطيعة الرحم و الفساد في الأرض الخسارة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة: 27] .
والخاسرون هم: الهالكون والناقصون أنفسهم حظوظها من رحمة الله بمعصيتهم له، كما يخسر الرجل في تجارته، بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، فكذلك الكافر والمنافق، وقاطع الرحم خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته 147، وخسر بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها، والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتراء النقص بالوفاء، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب 148.
6.الحرمان من قبول العمل.
الحرمان من قبول العمل من عواقب قطيعة الرحم، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم) 149.
والمعنى: أن من قطع رحمه بنحو إساءة أو هجر، فعمله لا ثواب فيه، وإن كان صحيحًا، ولا تلازم بين الصحة وعدم القبول، وهذا وعيد شديد يفيد أن قطعها كبيرة، بخلاف قطعها بترك الإحسان أو نحوه فليس بكبيرة بل ولا صغيرة، ويحتمل كونه صغيرة في بعض الأحوال 150.
إن الرحم من غير المسلمين إما أن يكونوا مسالمين وإما أن يكونوا محاربين، ولكل نوع من هؤلاء الرحم حقوق يمكن بيانها في النقاط الآتية:
أولًا: حقوق الرحم المسالمين من غير المسلمين:
رخص الله سبحانه في صلة الرحم المسالمين من غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المؤمنين، ولم يخرجوا من ديارهم بالإحسان والبر، والقسط إليهم، والعدل معهم، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [الممتحنة: 8] 151.
واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية:
فقال ابن عباس رضي الله عنه: نزلت في خزاعة، منهم: هلال بن عديم، وخزيمة، ومزلقة بن مالك بن جعشم، وبنو مدلج، وكانوا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدًا.
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم صليها) 152153.
قال الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عم بقوله: {الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح، قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} يقول: إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم» 154.
ومما يؤيد قول الطبري بأن الآية محكمة غير منسوخة أن هذا قول جمهور المفسرين، ومن أدلتهم: أنها نزلت في أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما جاءت إليها وهي لم تسلم بعد وكان بعد الهجرة، وجاءت لابنتها بهدايا فأبت أن تقبلها منها وأن تستقبلها حتى تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لها وأمرها بصلتها 155156.
ومما ينفي النسخ عدم التعارض بين هذا المعنى، وبين آية السيف؛ لأن شرط النسخ التعارض، وعدم إمكان الجمع، ومعرفة التاريخ، والجمع هنا ممكن والتعارض منفي، وذلك لأن الأمر بالقتال لا يمنع الإحسان قبله، كما أن المسلمين ما كانوا ليفاجئوا قومًا بقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، وهذا من الإحسان قطعًا، ولأنهم قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل الذمة بكل إحسان وعدالة 157.
ومفهومه: أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوة وعدم خوف وفي مأمن منهم، وليس منهم قتال، وهم في غاية من المسالمة فلا مانع من برهم بالعدل والإقساط معهم، وهذا مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة، وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم، وعدم معاداة من لم يعادهم، ومما يدل لذلك من القرائن ما جاء في التذييل لهذه الآية بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، ففيه مقابلة بين العدل والظلم، فالعدل في الإحسان، والقسط لمن يسالم القريب، والظلم ممن يوالي من يعادي قومه 158.
وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين الكافرين في قوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] .
أي: صاحبها في الدنيا بالبر والصلة، والعشرة الجميلة وهو المعروف من غير أن تطيعهما في معصيتي 159.
ومن الإحسان إليهما أيضًا: النفقة عليهما كما سبق في حق القرابة في النفقة، وليس من الصحبة بالمعروف تركه جائعًا مع القدرة على سد جوعته، وهذه الصلة والإحسان إليهما واجبة بالإجماع إذا كانا مسالمين 160.
ثانيًا: حقوق الرحم المحاربين:
أما حقوق الرحم المحاربين فهو بمعادتهم ومقاطعتهم وهجرهم، وهذا هو صلة الرحم بهم قال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) } [الممتحنة: 9] .
والمعنى: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم، وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم، ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة: 51] 161.
فالذين قاتلوا المؤمنين في الدين، أي: من أجل الدين، وأخرجوهم من ديارهم، {وَظَاهَرُوا} ، أي: أعانوا على إخراجهم، أما هؤلاء فهم الذين ينهى الله المؤمنين عن توليهم لهم، أي: موالاتهم وبرهم، والإحسان إليهم، ووصل حبال المودة بهم. {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} ، أي: يقيم ولاءً معهم، ويبقى على صلة بهم، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، أي: الذين اعتدوا على حق الله، وظلموا أنفسهم بما حملوها من أوزار 162.
ولا يجوز اتخاذ الأولياء والأنصار والأحباب من الذين قاتلوا المسلمين على الدين، وأخرجوهم من ديارهم، وعاونوا على إخراجهم، وهم مشركو أهل مكة، ومن يفعل ذلك بأن يواليهم، فأولئك هم الظلمة المستحقون للعقاب الشديد، والخلاصة: لا ينهى الله عن مبرة الفريق الأول، وإنما ينهى عن تولي الفريق الثاني 163.
وقد أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك.
قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) } [المجادلة: 22] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) } [التوبة: 23] .
والمعنى كما قال الرازي: «أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحدًا امتنع أن يحب مع ذلك عدوه، وهذا على وجهين أحدهما: أنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله، لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه منافقًا، والثاني: أنهما يجتمعان ولكنه معصية وكبيرة، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافرًا بسبب هذا الوداد، بل كان عاصيًا في الله، فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟ قلنا: المودة المحظورة هي إرادة منافسه دينًا ودنيًا مع كونه كافرًا، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه، ثم إنه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة من وجوه أولها: ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا يجتمعان، وثانيها: قوله: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} والمراد أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوبًا مطروحًا بسبب الدين» 164.
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله فقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة: 24] .
أي: إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا، أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} 165.
وقد أمر الله تعالى بقطع موالاة الكفار حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.
قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) } [التوبة: 113] 166.
وعن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله) ، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) } [التوبة: 113] .
وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص: 56] 167.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) 168.
قال النووي: «فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] ، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض: سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها» 169.
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الإحسان، الأمومة، البر، البنوة
1 مقاييس اللغة 2/ 498.
2 المحكم والمحيط الأعظم 3/ 338.
3 تهذيب اللغة 5/ 34.
4 الجامع لأحكام القرآن 5/ 7.
5 فتح الباري 10/ 414.
6 فتح القدير 1/ 481.
7 انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 7.
8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 309.
9 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 244، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 2/ 81.
10 انظر: المغرب في ترتيب المعرب الخوارزمي ص 376.
11 مقاييس اللغة 5/ 80.
12 انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص 298.
13 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 13/ 12.
14 انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي ص 478.
15 انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/ 471، تاج العروس، الزبيدي 12/ 367.
16 مقاييس اللغة 3/ 315.
17 انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي ص 277.
18 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 135.
19 انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 34.
20 انظر: المصدر السابق.
21 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 1659، 3/ 198، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في قطيعة الرحم، رقم 1907، 4/ 315.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 4314، 2/ 795.
22 انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 34.
23 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 2555، 4/ 1981.
24 شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 112.
25 انظر: جامع البيان، الطبري 7/ 523.
26 انظر: أحكام القرآن، ابن العربي 1/ 401.
27 انظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص 118، معاني القراءات، الأزهري 1/ 290، تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري ص 334.
28 انظر: لباب التأويل، الخازن 1/ 337.
29 انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/ 50، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 178.
30 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/ 49.
31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم 2067، 3/ 56، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 2557، 4/ 1982.
32 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وتقطعوا أرحامكم) ، رقم 4830، 6/ 134، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 2554، 4/ 1980.
33 شرح صحيح البخاري، ابن بطال 9/ 205، عمدة القاري، العيني 22/ 93.
34 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 112.
35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم 5984، 8/ 5، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 2556، 4/ 1981.
36 الجامع لأحكام القرآن 16/ 322.
37 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، رقم 6064، 8/ 19، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن التحاسد والتباغض والتدابر، رقم 2558، 4/ 1983.
38 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 116.
39 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، رقم 2442، 3/ 128.
40 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، رقم 2564، 4/ 1986.
41 انظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال 8/ 308.
42 التحرير والتنوير 26/ 243.
43 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم 2586، 4/ 1999.
44 في ظلال القرآن 1/ 209.
45 ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 101.
46 المصدر السابق.
47 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 121، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني 2/ 727.
48 معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/ 450.
49 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 77.
50 في ظلال القرآن 1/ 442.
51 انظر: ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 104.
52 المصدر السابق ص 104.
53 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 8868، 14/ 456، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في تعليم النسب، رقم 1979، 4/ 351.
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2965، 1/ 570.
54 انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/ 151.
55 ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم، مها سكيك ص 96.
56 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/ 188.
57 تفسير القرآن العظيم 4/ 503