فهو الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإذا قال ذلك، فليس يحل له أن يقربها بنكاح ولا غيره حتى يكفر عن يمينه بعتق رقبة، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} والمس: النكاح، {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} » 114
ارتبطت العديد من المعاملات بالوقت، وسوف نذكر نماذج من هذه المعاملات التي ارتبطت بالوقت.
1.الدين.
بين تعالى أحكام الدين في آية الدين، وهي أطول آية في القرآن، وبين فيها اعتبار الوقت في الدين وضبطه به، قال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ?) [البقرة:282] .
فأمر الله تعالى المؤمنين إذا داين بعضهم بعضا إلى موعد «محدود بالأيام والشهور والسنة ونحوها مما يفيد العلم، لا بالحصاد وقدوم الحاج مما فيه جهالة» 115، فأمرهم تعالى في هذه «الحقوق المؤجلة بالكتابة والإشهاد، حفظا منه للأموال» 116، وحتى لا يقع فيه الشك والاختلاف والإنكار، كما بين تعالى ذلك في قوله: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى? أَجَلِهِ ? ذَ?لِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى? أَلَّا تَرْتَابُوا ?) [البقرة:282] .
وفي كتابة الدين وتوقيته بأجل معين إلزام للمدين بأدائه، وهكذا يظل المؤمن في مراقبة للوقت، سواء أكان دائنا لاستيفاء حقه، أو مدينا لأداء ما عليه.
2.الإجارات.
وهي من الأمور التي يعتبر فيها الوقت، بل هو من شروط صحتها عند الفقهاء، فالإجارة في الشرع هي: عقد على تمليك المنفعة بعوض 117، يتفق عليه الطرفان في عقد الإجارة: المؤجر والمستأجر، وقد اشترط الفقهاء لصحة عقد الإجارة شروطا، منها أن يبين فيه مدة الإجارة كشهر أو سنة أو أكثر أو أقل 118، وذلك «لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضي إلى المنازعة» 119.
ومما يدلل على ارتباط الإجارة بالوقت ما ذكره الله تعالى في كتابه في قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين 120.
قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ?27?) [القصص:27] .
أي: قال صاحب مدين وهو «أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي الحاضرتين أمامك، فانظر من يقع اختيارك عليها منهما، على أن تكون أجيرًا لي ثماني سنوات ترعى لي فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشرا فإحسان من عندك، وما أحب أن أشاقك بمناقشة أو مراعاة أوقات ولا إتمام عشر ولا غير ذلك، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا» 121.
3.المواثيق والعهود.
أمر الله تعالى بالوفاء بالعهود والالتزام بها.
قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] .
«والعقود: العهود، وأصل العقود الربوط، واحدها عقد، يقال: عقدت الحبل والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام، قوي التوثيق قيل: المراد بالعقود هي التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها من الأحكام وقيل: هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول الآية للأمرين جميعا، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض» 122.
قال أبو السعود: «والمراد بالعقود ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به» 123.
وقال السعدي: «هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها.
بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها» 124.
ويكون الوقت ملزمًا في العهود التي يلزم المتعاهد نفسه بأدائها في وقت معين، كما جاء في قصة موسى مع صاحب مدين، فقد وفى موسى لصاحب مدين في ما عاهده به من الرعي طيلة المدة التي طلبها منه في ذلك، بل وزاد عليها، كما بين ذلك تعالى في قوله: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) } [القصص:28] .
وهو إخبار عن موسى، أنه قال لصهره صاحب مدين: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثماني سنين، فإن أتممت عشرا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما فقد برئت من العهد، وخرجت من الشرط؛ وقد فعل موسى أكمل الأجلين وأتمهما 125، كما قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29] .
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: «قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل» 126، وهكذا نلحظ في وفاء موسى للعهد اعتبار الوقت، وهكذا يلاحظ المسلم الوقت ويراقبه في عهوده حتى لا يؤخر أدائها عن وقتها، أو يتخلف في ذلك.
إن الوفاء بالعهود والمواثيق إلى مدتها واجب حتي مع الكفار والأعداء.
قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) } [التوبة:3 - 4] .
رابعًا: أحكام الأسرة:
1.العِدَد.
ومنها: عدة المطلقة.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ? [الطلاق:1] .
قال السعدي رحمه الله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) : «أي: لأجل عدتهن، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر في طهر لم يجامعها فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة، التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين ولا يتضح بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملا فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، وحقها في النفقة ونحوها، فإذا ضبطت عدتها، علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر بإحصاء العدة، يتوجه للزوج وللمرأة، إن كانت مكلفة، وإلا فلوليها» 127.
وقد بين الله تعالى العدد التي يجب على المرأة المطلقة أن تعتدها وأنوعها، فمنها عدة المطلقة المدخول بها، كما في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة:228] .
أي: لينتظرن عن النكاح ثلاثة قروء تمضي من حين الطلاق، والقروء: جمع قرء بفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان للعلماء، وهذا في المدخول بهن أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ? فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ?49?) [الأحزاب:49] .
أما الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر، وأما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن 128.
قال تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ? وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ?) [الطلاق:4] .
ومنها: عدة المتوفى عنها زوجها.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ? فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?234?) [البقرة:234] .
«أي: إذا توفي الزوج مكثت زوجته متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبًا، والحكمة من ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأمة عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام.
وقوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: انقضت عدتهن (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) أي: من مراجعتها للزينة والطيب، بِالْمَعْرُوفِ أي: على وجه غير محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة، على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، وهو مجمع عليه بين العلماء.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: عالم بأعمالكم، ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها.
وفي خطابه للأولياء بقوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه» 129.
2.الإيلاء.
وهو «اليمين على ترك وطئ المنكوحة مدةً مثل: والله لا أجامعك أربعة أشهر» 130.
وقد بين الله حكمه في قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ? فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?226?) [البقرة:226] .
قال الحافظ ابن كثير: «الإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل ألا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو: إما أن يكون أقل من أربعة أشهر، أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر، وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: (الشهر تسع وعشرون) 131.
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر: إما أن يفيء -أي: يجامع - وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا أو هذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ) أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم، (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق. ولهذا قال: (فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين» 132.
3.الحمل والإرضاع.
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15] .
وقال أيضًا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .
فبين تعالى أن مدة فصال المولود -أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه- في عامين، كما قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233] .
ومن هاهنا استنبط ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الأئمة، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأن الله تعالى قال في الآية الأخرى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه. كما قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24] .
ولهذا قال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء 133.
[انظر: الأجل: الأجل في العبادات والمعاملات]
خامسًا: الآداب:
جاء اعتبار الوقت في الزيارة في الشرع في عدة أمور، كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَ?كِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ? وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ? وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ?53?) [الأحزاب:53] .
فأمر الله تعالى عباده المؤمنين، بالتأدب مع نبيه صلى الله عليه وسلم في دخولهم لبيوته، وذلك بألا يدخلوها إلا بعد استئذان وإذن، وإذا كان دخولهم استجابة لدعوة إلى طعام، فلا يتعجلوا في الحضور قبل أن ينضج الطعام، وذلك حتى لا يطول مكثهم في بيت النبي صلى الله عليه وسلم 134 ويكون ثقيلًا عليه.
كما قال تعالى: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) يعني: «غير منتظرين إدراكه وبلوغه» 135، أي: أنهم مع كونهم مأذونًا لهم ومدعوين، فلا يدخلوا قبل الميعاد المضروب لهم حضورهم فيه، عجلة وانتظارًا منهم لنضج الطعام، فإن ذلك مما يؤذي قلب صاحب الدعوة، لشغل هذه الحصة معهم بلا فائدة، إلا ضيق صدر الداعي وأهله، وشغل وقته، وتوليد حديث، وتكلفا لكلام لا ضرورة له، وإطالة زمن الحجاب على نسائه 136.
وأيضًا فإن في هذا الوقت يكون أهل البيت في شغلهم في إعداد الطعام، وفي ثياب العمل فلا يحسن أن يروهن وهن على هذه الحال، وما ذلك كله إلا من شؤم التعجيل قبل الوقت 137.
ولذلك قال تعالى: (وَلَ?كِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا «أي إذا دعيتم إلى الدخول في وقته، فادخلوا فيه لا قبله ولا بعده، فـ(وَلَ?كِنْ) استدراك من النهي عن الدخول، مع الإذن المطلق الذي هو الدعوة بتعليم أدب آخر. وإفادة شرط مهم، وهو الإشارة إلى أن للدعوة حينًا ووقتًا يجب أن يراعى زمنه، وهذا المنهي عنه لم يزل يرتكبه ثقلاء القرويين ومن شاكلهم من غلظاء المدنيين الذين لم يتأدبوا بآداب الكتاب الكريم» 138.
ثم قال تعالى: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ )، أي: أن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، «فلا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك» 139.
ثم بين تعالى حكمة النهي وفائدته فقال: (إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ?) أي: إن انتظاركم الزائد على الحاجة كان يشق على النبي بحبسكم إياه عن شئون بيته، واشتغاله فيه، وهو يستحي منكم أن يقول لكم: اخرجوا، كما هو جاري العادة، أن الناس -وخصوصًا أهل الكرم منهم- يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، ولكن الله تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان 140.
وفي هذه الآية يظهر اعتبار الوقت ومراعاته في آداب الزيارة في الشرع، من اختيار الوقت المناسب للزيارة، وأن يكون على قدر الحاجة، وأن لا يطول بحيث يثقل ذلك على المزور.
من عظمة التشريع الإسلامي كماله وشموله لجميع مناحي الحياة، صغيرها وكبيرها، فما من أمر من أمور هذه الحياة وإلا نجد فيه تشريعا يضبطه ويبين الصواب فيه من الخطأ، ومن ذلك التشريعات في باب الاستئذان وأحكامه، وقد بين النبي الحكمة في الاستئذان وأهميته، كما في الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) 141.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في معنى الحديث: «أي: شرع من أجله لأن المستأذن لو دخل بغير إذن لرأى بعض ما يكره من يدخل إليه أن يطلع عليه» 142.
ولذلك فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين عند دخولهم بيوتا غير بيوتهم بالاستئذان، كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .
ومعنى الاستئناس في الآية أي: الاستئذان، سمي بذلك، «لأنه به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة» 143.
والأمر بالاستئذان في الآية عام في كل حين يراد فيه دخول بيوت الغير، وهذا في حق عموم المؤمنين، وقد ورد ما يخصص هذا الحكم في حق الإماء والعبيد والأطفال، فإنهم لا يجب عليهم الاستئذان كلما دخلوا إلى بيوت غيرهم، إلا في ثلاثة أوقات 144 بينها الله تعالى في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) } [النور:58] .
فبين تعالى هذه الأوقات الثلاثة، من قبل صلاة الفجر وهو وقت الانتباه من النوم، ولبس ثياب النهار، ووقت القائلة وهي الظهيرة، لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره، ومن بعد صلاة العشاء وهو وقت التعري للنوم 145.
«وإنما خص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد، فأمر الله العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات» 146.
«وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي: ليسوا كغيرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما، فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، ولهذا قال: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم وحوائجكم» 147.
وهكذا ظهر اعتبار الوقت في آداب الاستئذان، وأن هذه الأوقات الثلاثة التي سماها الله تعالى (عورات) يجب مراعاتها وتوكيد الاستئذان عندها.
سادسًا: الأذكار والأدعية:
ذكر الله تعالى مستحب في جميع الأوقات، ولكن يزداد استحبابه في أوقات مخصوصة، كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) } [الإسراء:78] .
فقراءة القرآن -كلام الله- عموما في أي وقت لها فضلها العظيم، ولكنها في ساعة الفجر اختصت مع ذلك بشهود الملائكة 148، وكما قال تعالى لنبيه زكريا عليه السلام: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران:41] .
وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) } [غافر:55] .
وقال لعموم المؤمنين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) } [الأحزاب:41 - 42] .
فأمر الله تعالى بذكره عموما في كل وقت، ثم خص فيه بعض الأوقات تنبيها على شرف العبادة فيها، فذكر تعالى من ذلك وقتين:
الأول: وهو وقت الغداة أو الإبكار، وهو أول النهار، وهو ما بين طلوع الفجر إلى الضحى 149.
والثاني: العشي أو الأصيل وهو آخر النهار، وهو «ما بين العصر إلى المغرب» 150.
وهما وقتان فاضلان ولذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما، فمن فضلهما أن الله أقسم بكل واحد منهما، فأقسم تعالى بالصبح كما في قوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) } [المدثر:34] .
وكما في قوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) } [التكوير:18] .
وأقسم تعالى بالعصر، كما في قوله: {وَالْعَصْرِ (1) } [العصر:1] على أحد أوجه التفسير في الآية 151، فوقتا الغدو والعشي وقتان مشهودان من الملائكة، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) 152.
ولأجل فضيلة هذين الوقتين خصهما الله تعالى بالأمر بالذكر فيهما، فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثرًا في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات 153.