ويقول سيد قطب: «فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، وما كان ليقولها أبدًا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء، وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب شيئا! وأمام هذا التطاول الوقح، بعد الطغيان البشع، تحركت القوة الكبرى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} » 77.
وقد خلد القرآن الكريم قوله ذلك ليبقى لعنة عليه إلى قيام الساعة، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.
ثانيًا: الاتهامات الكاذبة:
منهج الطغاة في كل عصرٍ من العصور، إعراضٌ، ثم تكذيبٌ، فتشهير، فإيذاء، فقتل أو حبس، وقد لجأ فرعون الطاغية لأسلوب الاتهامات الكاذبة؛ والتي تتهم موسى بالكذب، والتشهير به؛ بأنه ساحر أو مجنون.
قال تعالى على لسان فرعون عندما عجزت الحجة أمام دعوة موسى عليه السلام وآياته البينة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (101) } [الإسراء:101] .
فقد كذب فرعون تلك المعجزات الباهرات والآيات البينات، واعتبرها عجائبًا سحرية مكذبًا موسى ومتهمًا له بالسحر؛ قال الطبري: «فقال لموسى فرعون: إني لأظنك يا موسى تتعاطى علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك» 78.
وكلام الذين يكيلون الاتهامات الكاذبة غير متزن فضلًا عن تناقضه؛ فقد اتهم فرعون موسى بالسحر والجنون.
قال تعالى: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) } [الذاريات: 38 - 39] .
«قال أهل العلم: هذا تناقض؛ لأن السحر لا يكون إلا بعقل كامل، والمجنون هو الذي لا عقل له» 79.
ولما فشلت الاتهامات الكاذبة التي كالها لموسى انتقل لمرحلة التهديد بالقتل؛ فقال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) } [غافر:26] .
مدعيًا خوفه على دينهم من التبديل؛ وما ذلك إلا للضعف حيلته وحجته؛ قال ابن عاشور: «وقد حمله غروره وقلة تدبره في الأمور على ظن أن ما خالف دينهم يعد فسادًا إذ ليست لهم حجة لدينهم غير الإلف والانتفاع العاجل» 80.
ثالثًا: ادعاء المؤامرة:
كلما زاد البغي والطغيان على الدعاة إلى الله زادت الأتباع، هذه سنة إلهية؛ فبعدما فشلت الاتهامات الكاذبة والتهديد، وفشله بمقارعة موسى عليه السلام بالحجة؛ فهم أهل السحرة، والسحرة هم أحد أركان ملكه، بعد فشله في تحدي السحرة لموسى وانقلابهم عليه، اتهم موسى عليه السلام والسحرة بالمؤامرة عليه، هذا هو ديدن الطغاة وأساليبهم في مواجهة الحق.
وقد خلد الله هذه القصة فقال: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) } [الأعراف:113 - 123] .
قال الزمخشري: «إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بنى إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان، وروى أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر» 81.
وقد فند ابن كثيرٍ هذه الشبهة فقال: إن غلبه لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل كقوله في الآية الأخرى {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [الشعراء:49] .
فإن موسى، عليه السلام، بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل، وقد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون، وموسى عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم 82.
لكل طاغية متجبر بطانة سيئة، تزين له الباطل وتنافقه أو تتبعه، رجاء جاهٍ أو منصبٍ، أو عرضٍ زائل، لتكون دعامة من دعائم دولة الكفر والطغيان؛ وقد كانت دعائم دولة فرعون تتمثل في التالي: علية القوم، والسحرة، والجنود، وأصحاب الأموال، تفريق قومه، عملًا بقاعدة: فرق تسد؛ ففرق قومه لتبقى سيادته قائمة، فيما يلى تفصيل ذلك.
أولًا: علية القوم:
أولى دعائم ملك فرعون علية القوم، وهم علية القوم؛ «وعلية القوم: أشرافهم وصفوتهم وأرفعهم قدرًا وأسماهم مكانةً 83.
ولقد أطلق القرآن عليه لفظ الملأ، قال الشعراوي: «الملأ: هم علية القوم، الذين يملأون العيون، ويتصدرون المجالس» 84.
وقال ابن الأثير: «الملأ: أشراف الناس ورؤساؤهم، ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم. وجمعه: أملاء» 85.
قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص:20] .
يقول سيد قطب معلقًا على كلمة الملأ: «لقد عرف الملأ من قوم فرعون، وهم رجال حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنها فعلة موسى» 86.
قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) } [الأعراف:109 - 111] .
قال ابن كثير: «أي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون» 87.
وقال سيد قطب: «وأشار عليه الملأ وقد خدعتهم مكيدته، وهم شركاء فرعون في باطله، وأصحاب المصلحة في بقاء الأوضاع التي تجعلهم حاشية مقربة ذات نفوذ وسلطان وقد خافوا أن يغلبهم موسى وبنو إسرائيل على أرضهم لو اتبعتهم الجماهير، حين ترى معجزتي موسى وتسمع إلى ما يقول أشاروا عليه أن يلقى سحره بسحر مثله، بعد التهيئة والاستعداد» 88.
ثانيًا: السحرة:
لقد كان السحرة بمثابة اليد الضاربة، والمعول الذي سيقضي على دعوة موسى من جذورها؛ فبعد تكذيب موسى والتشهير به ونسبه إلى الجنون لم يجد فرعون بدًا من المواجهة الحقيقية مع موسى، لذا فقد استخدم الدعامة الضاربة التي يبني ملكه عليها، ألا وهي السحرة، فجمعهم ثم أتى موسى.
قال تعالى: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) } [طه:60] .
قال الرازي: «فجمع كيده، السحرة وسائر من يجتمع لذلك ويدخل فيه الآلات وسائر ما أوردته السحرة ثم أتى دخل تحته أتى الموضع بالسحرة وبالقوم وبالآلات قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرًا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل أكثر من ذلك» 89.
ولكن كيد فرعون في تباب وهلاك، ولقد انقلب السحر على الساحر قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) } [الأنفال:36] .
فقد جمع فرعون السحرة وأفق عليهم الأموال لجمعهم، ووعدهم بالعطايا والمكافآت، ولكن هي سنة الله فلقد انكفأت تلك القوة على صاحبها، وآمنت بالله إيمانًا حقيقيًا.
قال تعالى: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) } [الشعراء:38 - 48] .
وهكذا انقلب السحرة المأجورون، مؤمنين من خيار المؤمنين. على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه ولا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجئ وقع الصاعقة على فرعون وملئه. فالجماهير حاشدة، فها هم أولًاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته. ثم يغلبون حتى ليقرون بالغلب ويعترفون بصدق موسى في رسالته من عند الله، ويؤمنون برب العالمين الذي أرسله، ويخلعون عنهم عبادة فرعون، ها هم أولًاء يؤمنون برب العالمين، رب موسى وهارون، إن لنا أن نقدر ذعر فرعون لهذه المفاجأة، وذعر الملأ من حوله، عندئذ جن جنون فرعون، فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال 90.
وقد كان السحرة قد أقسموا جهد أيمانهم أن ينصروه؛ قال الزمخشري: «وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء: لم يقبل منه، ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف» 91.
ثالثًا: الجنود:
الجيم والنون والدال يدل على التجمع والنصرة والجنود: جمع جند وهو العسكر المتجمع للقتال، وأطلق على الأمم التي تجمعت لمقاومة الرسل 92.
قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) } [الزخرف:54 - 55] .
وقال أيضًا: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) } [القصص: 39 - 40] .
من الآيات السابقة يتضح لنا أن الله قد أغرق قوم فرعون، وأنه أغرق جند فرعون؛ وهذا يعطي دلالة واضحة بأن قوم فرعون كان عبارة عن الملأ والجنود، بمعنى أن كل قوم فرعون غير الملأ هم جنود فرعون.
لما علم فرعون بخروج بني إسرائيل مع موسى، أرسل في المدائن يجمع الجنود؛ قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) } [الشعراء:52 - 53] .
يقول سيد قطب: «وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى «التعبئة العامة» وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود، ليدرك موسى وقومه ويفسد عليهم تدبيرهم وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير! وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند» 93.
ولقد استكبر فرعون وعلا في الأرض وزاده في ذلك غروره بقوة جنوده.
قال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) } [القصص:39] .
فماذا كانت العاقبة.
قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) } [القصص:40] .
قال الطبري: «فجمعنا فرعون وجنوده من القبط فألقيناهم جميعهم في البحر فغرقناهم فيه» 94.
وقد قضى الله في كتابه أن فرعون وجنوده كانوا خاطئين في حساباتهم وتقديرهم للأمور وأن الغلبة دائمًا حليف المؤمنين الصابرين المحتسبين وأن هلاكهم سيكون على يد من ربوه.
قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] .
«كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم» 95، وهذه نهاية طبيعية لكل ظالمٍ مستبد.
رابعًا: أصحاب الأموال:
القوة المستبدة، والسياسة المضللة، وسطوة المال، أساسات أصيلة وأركان ركينة لكل دولة ظلمٍ وطغيان، فقد تجسدت هذه الأركان بوضوح في دولة فرعون الطاغية.
قال تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) } [العنكبوت:39] .
فقد تجسدت القوة والاستبداد في فرعون والذي اقترن اسمه بالجنود؛ فذكر فرعون وجنوده تلك القوة التي جعلته يستخف بالشعب ويوهمه أنه من يملك الارض والأنهار وأن الخير مقرون به وبدونه تعم الفوضى والفقر، وهامان تجسيد للإرادة السياسية لفرعون، تجسيد لحكومة المستبد تلك الحكومة التي تسخر كل ثروات الوطن ومقدراته لخدمة رغبات الفرعون فهامان يبني لفرعون البناء الذي اراده ويصوغ شريعة للظلم ويجسد طبقة رجال دولة الطاغوت؛ فالقوة العسكرية والجنود التي يتحكم بها فرعون لا تقدر على إقامة دولة شمولية لولا هامان وأمثاله، وقارون تجسيد طبقة رجال الأموال، طبقة نسيت كافة الاخلاق والمثل وبغت على الناس بأموالها وتسلطت عليهم بقربها من مركز الحكم فكنزت الاموال وادعت أنها جمعتها على علمٍ عندها.
قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } [يونس:88] .
إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وكبراءهم زينة من الحلي والحلل والآنية والماعون والأثاث والرياش، وأموالا كثيرة الأنواع والمقادير، يتمتعون بها وينفقون منها في حظوظ الدنيا من العظمة الباطلة والشهوات البدنية بدون حساب، لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح 96.
قال المراغي: «جرت سنة الله بأن كثرة الأموال تورث الكبرياء والخيلاء والبطر والطغيان وتخضع رقاب الناس» 97.
خامسًا: تفريق قومه:
شأن الطغاة في كل العصور تفريق أقوامهم حتى لا يجتمعوا عليهم فيهددوا سلطانهم، فالقاعدة عندهم هي: فرق تسد، وها هو فرعون يجسد تلك القاعدة واقعًا حقيقيًا.
قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) } [القصص:4] .
قال الطبري: «أي فرقًا يذبح طائفة منهم، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة» 98.
قال ابن عاشور: إن فرعون جعل أهل المملكة شيعًا وفرقهم أقسامًا وجعل منهم شيعًا مقربين منه، ويفهم منه أنه جعل بعضهم بضد ذلك، وذلك فساد في الأمة؛ لأنه يثير بينهما التحاسد والتباغض، ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض، فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل الآخرين، وهكذا يذهب الزمان في مكائد بعضهم لبعض فتنة، ولقد كان يستضعف طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به الفرق الأخرى، في حين أن لها من الحق في الأرض ما لغيرها؛ لأن الأرض لأهلها وسكانها الذين استوطنوها ونشئوا فيها 99.
وقد بدئ بالحديث عن فرعون، فكشف عن شخصه الذي يكشف عن إنسان يلبس ثوب الجبروت والطغيان؛ فقد علا في الأرض، وجعل الناس شيعًا، وهم أمة واحدة، من طينة واحدة؛ فهو بعلوه واستكباره قد انعزل عن الناس، فكان رأسًا، وكان الناس جميعًا أرجلًا، كان سيدًا، وأصبح الناس كلهم في سلطانه عبيدًا، كان إلهًا، وصار الناس له مألوهين، ثم إنه بعمله هذا قد صنف الناس أصنافًا، ورتبهم طبقات، وبذلك تسلطت كل طبقة على من هي تحتها وبذلك أغرى الناس بالناس، وشغل بعضهم ببعض 100.
امرأة فرعون: اسمها آسيا بنت مزاحم، وهي زوجة فرعون 101، مدحها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 102.
أولًا: محبتها لموسى عليه السلام:
لقد قذف الله تعالى حب موسى منذ طفولته في قلب من يراه، لاسيما امرأة فرعون، قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] .
قال الطبري: «فحببه إلى آسية امرأة فرعون، حتى تبنته وغذته وربته، وإلى فرعون، حتى كف عنه عاديته وشره، وقد قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني، لأنه حببه إلى كل من رآه» 103.
ولما ألقته أمه في اليم والتقطه آل فرعون وأتوا به إلى زوجته، تحركت محبتها تجاهه، قال تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) } [القصص:8 - 9] .
قال ابن كثير: «فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها» 104.
ثانيًا: ثباتها على الإيمان:
كانت تعيش في أعظم القصور وأفخمها، وقد كان قصرها مليئًا بالجواري والعبيد والخدم فلقد كانت حياتها مترفة منعمة.
ولما دعا موسى عليه السلام إلى توحيد الله تعالى آمنت به وصدقته، ولكنها في البداية أخفت ذلك خشية فرعون وما لبثت حتى أشهرت إسلامها واتباعها لدين موسى عليه السلام، وجن جنون الفرعون لسماعه هذا الأمر المروع بالنسبة له، وحاول عبثًا ردها عن إسلامها وأن تعود كما كانت في السابق.
فتارة يحاول إقناعها بعدم مصداقية ما يدعو له موسى عليه السلام وتارة يرهبها بما قد يحل بها من جراء اتباعها لموسى عليه السلام ولكنها كانت ثابتة على الحق ولم يزحزحها فرعون في دينها وإيمانها مقدار ذرة 105.
قال تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) } [الفجر:10 - 11] .