فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 2431

الصدق

أولًا: المعنى اللغوي:

الصدق لغة: أصل الكلمة، الصاد والدال والقاف أصل الكلمة وهي تدل على قوة الشيء في القول وغيره، والصدق: هو خلاف الكذب، وسمي بالصدق لقوته في نفسه، فالصادق يثق بما يقول ويقوى في نفسه؛ لأنه يعلم أنه يتكلم الحق، بعكس الكذب فإنه لا قوة له؛ لأنه باطل، ونفس الكاذب مطربة؛ لأنه يعلم أنه جانب الصواب وترك الحق إلى الباطل، وأصل هذا من قولهم: شيءٌ صدق، أي صلب، ورمح صدق، أي مستو يصيب الهدف من غير أن يخطئه، والصدق هو الكامل من كل شيء، والصدق: مطابقة الحكم للواقع، ومطابقة القول والضمير والمخبر عنه معًا، وصدقني ـ بفتح الصاد والدال المخففة ـ فلان: أي قال لي الصدق، وكل ما ينسب إلى الصلاح والخير يضاف إلى الصدق، لذلك يقال: رجل صدق؛ أي رجل ذو صلاح، وخمار صدق أو ثوب صدق؛ أي ثوب ذو جودة، والصداقة مصدر صدق، أي أنه صدقه المودة والنصيحة.

والصديق: هو الرجل الكثير الصدق، وأطلق هذا اللقب على أبي بكر الصديق؛ لأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن له كبوة في الإسلام 1.

ثانيًا: الصدق اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

قال الماوردي: «الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلية» 2.

وردت مادة (صدق) في القرآن الكريم (155) مرة 3، يخص موضوع البحث منها (130) مرة.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 22 ... {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) } [يس:52]

الفعل المضارع ... 3 ... {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) } [الواقعة:57]

المصدر ... 16 ... {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء:80]

اسم الفاعل ... 81 ... {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) } [مريم:54] ... {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} [الحديد:18]

الصفة المشبهة ... 2 ... {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء 100 - 101]

صيغة المبالغة ... 6 ... {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} [يوسف:46]

وجاء الصدق في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، والإخبار عن الشيء على ما هو به، نقيض الكذب، ويكون في الأقوال والأفعال والأحوال 4.

الكذب:

الكذب لغة:

مادة كذب: الكاف والذال والباء: أصلٌ صحيحٌ يدل على خلاف الصدق 5.

الكذب اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع؛ سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت» 6.

الصلة بين الكذب والصدق:

بينهما علاقة تضاد، فالصدق مطابقة الكلام لواقع الحال، والكذب خلافه.

إن الصدق من أعظم الأخلاق التي أمر بها القرآن الكريم، وهذا الخلق العظيم إذا اتصف به إنسان حسنت أخلاقه؛ لأنه من الصفات التي تقوم عليها كثيرٌ من الأخلاق.

والصدق مطلب أساسٌ في حياة المؤمن، وهو رأس الفضائل والأخلاق، وعنوان الصلاح والفضل، أثنى الله عز وجل على من اتصف به، فصار له خلقًا قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد:19] .

وبالصدق يتميز أهل النفاق عن أهل الإيمان، وسكان الجنان عن أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، ومن اعتمده سما قدره، وعلت مكانته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته وظهرت حجته، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجة تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين 7.

إن الإسلام جاء بقواعد وأركان، وحث على فضائل الأعمال، وكان يهدف وراء ذلك إلى إعداد مجتمع إسلامي فاضل، يقوم على حسن الخلق والاحترام والتعايش، من خلال إيجاد الفرد المسلم الرباني الذي يلتزم حدود ما أنزل الله على رسوله، ويعطي كل ذي حق حقه، ويسلم الناس من لسانه ويده.

وصدقًا، فقد أحدث الإسلام في بدايته تغييرًا جذريًا للنفوس والعقول، فأنشأ ذلك الجيل، وبحق كان خير أمة أخرجت للناس، حيث إنهم تربوا على مائدة القرآن وبين يدي معلم وصفه أعداؤه قبل أصدقائه بالصادق الأمين، فأنشأ ذلك الجيل الفريد الذي يملأ الأرض عدلًا ونورًا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) 8.

لذلك فنحن في أمس الحاجة إلى التسلح بفضيلة الصدق، ونحن تتجاذبنا التيارات الفكرية الهابطة التي تعمل على انحطاط منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا التي جاء بها هذا الدين، ليعيد للإنسان كرامته وإنسانيته، ويغرس فينا القيم الفاضلة والأخلاق الحسنة.

قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) } [إبراهيم:1] .

وهل هناك ظلمة أعظم من ظلمة الكذب والاستبداد والجهل والفساد والرذيلة.

وبذلك تبرز أهمية الصدق؛ لأنه واحد من أهم الفضائل والقيم التي حث عليها الإسلام أتباعه.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] .

وجاء في الحديث الشريف عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) 9.

ومن أبرز فضائل الصدق:

أولًا: إسناد الصدق إلى الله تعالى:

لقد وصف الله تعالى ذاته القدسية بالصدق في آيات كثيرة، وتمثل ذلك في جانبين رئيسيين:

1.قوله صدق.

فكل ما نزل به الوحي، وأخبر به عن الخالق عز وجل من أمور الدنيا والآخرة هو الصدق الذي لا ريب فيه.

قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) } [النساء:87] .

يقول إمام المفسرين في تفسيره «ومن أصدق من الله حديثًا، يعني بذلك: واعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر؛ فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينًا، فلا تشكوا في صحته، ولا تمتروا في حقيقته، فإن تولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خلف له، ويقول: وأي ناطق أصدق من الله تعالى حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا أو يدفع به عنها ضرًا، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع فغير جائز ومحال أن يكون منه كذب» 10.

والقرآن الكريم هو كلام الله تعالى ذكره وكل ما جاء في القرآن الكريم هو الحق والصدق، فقد نزل مصدقًا لنفسه ولغيره من الكتب السماوية المنزلة قبله.

قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48] .

وشهد الله سبحانه وتعالى على صدق كلامه، فقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء:122] .

وقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) } [آل عمران:95] .

2.صدقه في الوعد والوعيد.

إن التصديق بوعد الله ووعيده ثابت في الكتاب والسنة النبوية، ومن مستلزمات الإيمان بالله والغيب واليوم الآخر والملائكة والنبيين، وقد أقسم الله تعالى في عدة آيات على تحقيق ما يوعد به الناس.

قال تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) } [الذاريات:1 - 6] .

وأقسم الحق تبارك وتعالى في مطلع سورة المرسلات بأن ما وعد به فهو واقع.

قال تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) } [المرسلات:1 - 7] .

كما أقسم الحق تبارك وتعالى في مطلع سورة الطور فقال: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) } [الطور:1 - 7] .

وقد تحقق وعد الله ووعيده في الدنيا في القرون الماضية، فكم من أمة حقق الله لها العز بسبب الطاعة.

قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح:10 - 12] .

وكم من الأمم أهلكها الله بسبب ذنوبهم.

إن كل ما وعد الله به أنبياءه، وعباده الصالحين، كالنصر على الأعداء والغلبة وغيرها قد تحقق، فقد جاء في شأن رسله قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) } [غافر:51] .

وتحقق وعد الله سبحانه وتعالى في نصر المؤمنين يوم بدر، قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:10] .

ومن أمثلة ذلك: صدق وعده عز وجل بفتح مكة {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح:27] .

ووعد الله بنصر المؤمنين العاملين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47] .

وتحقق نصره في غزوات ومعارك كثيرة للمؤمنين.

وجاء عن صدق وعده يوم الأحزاب قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) } [الأحزاب:22] .

وقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) } [الزمر:74] .

كما أن وعيد الله تحقق عندما أخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، إما بالريح العقيم، قال تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) } [الذاريات:41] .

وإما بالصاعقة كما حدث لقوم ثمود، حيث قال تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) } [الذاريات:43 - 44] .

وكذلك أخذ الله قوم فرعون بكفرهم فتم إغراقهم في اليم وهو مليم.

قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) } [القمر:41 - 42] .

وكذلك أخذ الله سبحانه وتعالى سائر الأقوام التي كذبت المرسلين، فقال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146] .

ثانيًا: التزام معية الصادقين:

إن الصدق رأس لكل فضيلة، وهو أجمل خلق حميد إذا اتصف به الإنسان يزداد هيبة ووقارًا، وإن الصدق ضرورة لتحقيق النظام، وكل معاني الخير في هذا العالم، فبه تحفظ الحقوق، وتصان النفوس، ويتم النظام ويعيش الناس آمنين مطمئنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فهو عنوان الإسلام وميزان الإيمان، وأساس الدين وخصلة حميدة في حق من اتصف بها، وقد أمر الله عباده بلزوم الصدق وصحبة الصادقين، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] .

أي: أصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل الله لكم فرجًا في أموركم ومخرجًا 11.

وعن عبد الله بن عمر: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} أي: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال الضحاك: «مع أبي بكر وعمر وأصحابهما» ، وقال الحسن البصري: «إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة غير الصادقة» 12.

وقوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] .

قال الشوكاني في تفسيرها: «ومن يطع الله والرسول كلام مستأنف لبيان فضل الطاعة لله والرسول، من أولئك المطيعين، فهم مع الذين أنعم الله عليهم بدخول الجنة والوصول إلى ما أعد الله لهم، والصديق المبالغ في الصدق كما تفيده الصيغة، وقيل هم الفضلاء أتباع الأنبياء، والشهداء: من ثبت لهم الشهادة، والصالحين: هم أصل الأعمال الصالحة» 13.

ثم ذيل الآية الكريمة بقوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} هذا هو الرفيق الذي يجب أن تعض عليه بالنواجذ، هذا الرفيق الذي يجب أن تلازمه؛ لأن أثر تعامل المؤمنين الصادقين يأثر تأثيرًا طيبًا من خلال تعلم البعض من البعض خلال الصدق والورع والزهد والاستقامة والتقوى، فإذا المجتمع مجتمع مؤمن، فاحرص أن تكون علاقاتك ومجالسك وندواتك في أفراحك مع المؤمنين الذين صدقوا الله.

قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة:119] .

«أي ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا لختم الله على أفواههم، ونطقت به جوارحهم فافتضحوا» 14.

لقد اقتضت حكمة الله في خلقه أن جعل الإنسان ميالًا بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم ومصاحبتهم، وهذه الصحبة لها أثرها الفعال في مصير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، فإن المرء يتأثر بجليسه، ويصطبغ بصبغته فكرًا ومعتقدًا وسلوكًا وعملًا، فقد أخبر الحق تبارك وتعالى عن ندم الظالم يوم القيامة وتأسفه على مصاحبته للمنحرفين؛ لأنهم كانوا سببًا في انحرافه وإضلاله.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) } [الفرقان:27 - 29] .

يوم القيامة تشتد حسرات الظالم، وتتصاعد زفراته وهو يقول يا ليتني لم أصاحب هذا الذي أضلني عن الذكر، يعني القرآن أو مواعظ الرسول؛ لأنه أوقعه في الضلال، فهو كالشيطان يعده ويمنيه في الدنيا، ما يسبب له الحسرة في الآخرة 15.

وقال عليه السلام: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة) 16.

فأوضح عليه السلام أن الجليس له تأثير على جليسه سلبًا أو إيجابًا بحسب صلاحه وفساده، حيث شبه الجليس الصالح بحامل المسك وهو على أدنى الأحوال أن تجد منه الرائحة الطيبة المؤثرة على نفسك وبدنك وثيابك، أما الجليس السوء فهو إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه رائحة منتنة تسبب له غصة وعاهة في رئتيك؛ فيسبب لك الضرر بمجالسته.

وببركة مجالسة الصالحين فإن الله يغفر لهم ولجليسهم وإن لم يكن منهم، حيث جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: تقول يعني الملائكة يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال فيقول الله: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول ملكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم إنما جاء لحاجةٍ، وفي لفظ: فيهم فلانٌ عبدٌ خطاءٌ إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: هم الجلساء لا يشقى جليسهم) 17.

فلنحرص على مصاحبة من وصفهم الله بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) } [الأحزاب:35] .

لقد أعد الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الحميدة والمناقب الجليلة التي هي ما بين اعتقادات وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، وما بين أفعال الخير وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، وبالإسلام والإيمان والإحسان، فجزاهم على أعمالهم بالمغفرة من الذنوب والأجر العظيم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا منهم، إنه سميع مجيب الدعاء 18.

ثالثًا: الصدق صفة الأنبياء والصالحين:

إن أعظم صفات الرسل الصدق؛ لأنهم المبلغون عن الله وحيه، والمرسلون بشرعه إلى خلقه، وكيف لا يتصفون بالصدق؟ فلزم أن يكون الصدق ملازمًا لهم في الأفعال والأقوال، وهذا ما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله جل جلاله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس:52] .

وذكر في حق إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) } [مريم:41] .

وأيضًا قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) } [الشعراء:83 - 84] .

ووصف الحق سبحانه وتعالى إسماعيل عليه السلام بالصدق في الوعد، فقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) } [مريم:54] .

وجاء في حق إدريس عليه السلام، قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) } [مريم:56] .

ونزل بشأن إسحق ويعقوب عليهما السلام قوله تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) } [مريم:49 - 50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت