يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة بالمحافظة على جميع الصلوات المفروضة خصوصًا صلاة العصر 85.
وقد خص الله تعالى في الآية السابقة صلاة العصر بالذكر؛ لمزيد فضلها وفضل الوقت الذي تؤدى فيه هذه الصلاة، يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: طائعين 86.
وقال تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 3 - 5] .
أقسم الله تعالى بخيل المجاهدين في سبيله التي تغير على أعداء الإسلام، فيثرن الغبار الكثيف أثناء العَدْوِ، ثم يتوسطن جمع الفجرة حين يكون الالتحام 87.
وقد خَصَّ الله تعالى وقت الصبح بالذكر لما في هذا الوقت من البركة والخير، يؤيد ذلك ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) ، وكان إذا بعث سريةً، أو جيشًا بعثهم من أول النهار 88.
وقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] .
يبيح الله تعالى لعباده في هذه الآية الكريمة أن يأكلوا ويشربوا خلال فترة الليل في شهر الصيام، ثم يأمرهم بصيام نهار رمضان كاملًا بدءًا من أذان الفجر وحتى أذان المغرب 89.
وتشريع عبادة الصيام التي تنقي العباد من ذنوبهم، وتزيل خطاياهم في فترة النهار دليل على مدى قدسية هذه الفترة عند الله تبارك وتعالى، وعلى أهميتها البالغة في تعويد الناس على مكارم الأخلاق.
اقتضت سنة الله تعالى ألا يعذب أحدًا بذنوبه حتى يعرفه بسوء عاقبة الذنوب التي يرتكبها؛ لذلك أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين.
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] .
فإن بقي مُصِرًّا على التمادي في الظلم والطغيان، فسيأخذه الله تعالى حينها أخذ عزيز مقتدر.
وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] .
ومع أن الله تعالى قد بين لعباده هذه السنة إلا أن من الناس من لا ينتفع بالمواعظ والهدى؛ فما كان من الله تعالى إلا أن عذبهم بذنوبهم وفسادهم، وقد حدثنا الله تعالى في القرآن الكريم في غير موضع عن هذه الشريحة المعاندة، وعن المواعظ التي وجهت لهم قبل نزول العذاب بهم.
قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24] .
يضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة مثلًا للحياة الدنيا من خلال تشبيهها بالماء النازل من السماء على الأرض، فيختلط ببذور الأرض، فينبت النبات، فتتزين الأرض وتتجمل بصنوف النباتات والزروع، حتى يظنَّ الناس بأنهم قادرون على قطف ثمارها، فيأتيها أمر الله تعالى بالتدمير والقطع، فتصبح وقد تغير شكلها، واختلف حالها، وخاب ظنُّ الناس فيها 90.
ويلاحظ في الآية السابقة أن الله تعالى عندما تحدث عن العذاب لم يحدد في أيِّ وقت بالضبط سيكون أفي الليل أم في النهار، وفي ذلك إشعار بانعدام الأمن في أي وقت من الأوقات، وبالتالي فإنه من الواجب على العباد كافة أن يبادروا إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى، وأن يحسنوا الإعداد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وألا يغتروا بما في هذه الحياة الدنيا من الملذات والمتع.
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] .
يَمُنُّ الله تعالى على عباده بأحد أعظم نعمه التي أكرمهم بها، ألا وهي نعمة ليل السكون بعد نهار السعي، ويأتي هذا المنُّ الإلهيُّ من خلال تحريك العقول وتنشيطها بالتفكر في الحال التي سيكون عليها الناس، لو أن الله تعالى قد جعل النهار طالعًا عليهم بشكل مستمر دون أن يعقبه ليل يستريحون فيه يا ترى كيف سيكون حالهم، وبعد توجيه هذا السؤال للناس يُعَقِّبُ الله تعالى بقوله {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} أي: أفلا ترون كم أن الله تعالى رحيم بكم؟! 91.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى ينبه عباده إلى قدرته على أن يحوِّلَ النعمة إلى نقمة، فمن الحق أنَّ النهار نعمة، ولكن بقاء النهار طالعًا دون أن يعقبه ليل يخلد فيه الناس إلى النوم والراحة بعد المشقة والتعب أثناء النهار أمرٌ يحوِّلُ النعمة إلى نقمة، ويمثل هذا التنبيه الإلهي دعوة للناس إلى الهدى والرشاد من خلال التفكر في نعمة تعاقب الليل والنهار.
وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] .
يبين الله تعالى لعباده في هذه الآية الكريمة كثرة من أهلك من القرى الظالمة، حيث أتاهم العذاب في أوقات الراحة والسكون من ليلٍ أو نهار 92.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تبارك وتعالى يحذر الناس من سخطه وانتقامه، فإنهم إن عتو عن أمر ربهم فسيأتيهم العذاب من حيث لا يحتسبون، وفي الوقت الذي لا يتوقعون، فربما يأتيهم العذاب في وقت نومهم وراحتهم أثناء فترة الليل حيث ينام الناس، أو في فترة القيلولة التي تعد من أهم أوقات الراحة والاسترخاء أثناء النهار.
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس:50] .
يظهر الله تعالى في هذه الآية الكريمة مدى سفاهة وجهالة المجرمين الذين يستعجلون عذاب الله تعالى أملًا منهم في إمكانية وجود فرصة للإيمان والتوبة حين تحل بهم العقوبة الربانية، وظنًّا منهم ببساطة تلك العقوبة، وقدرتهم على تحملها 93.
ويلاحظ أن في الآية السابقة تحذيرًا وتخويفًا من عذاب الله تعالى، الذي من الممكن أن يأتي في أي وقتٍ وحين، ليلًا أو نهارًا، وعلى نحوٍ لا يملك أحدٌ من الخلق تحمله من شدة هوله، ولا يكون حين نزوله أيُّ مجال للتوبة والندم.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: 38] .
تتحدث هذه الآية الكريمة عن العقاب الإلهي النازل في قوم لوط عليه السلام الذين أفسدوا في الأرض فسادًا عظيمًا، فأنزل الله تعالى عليهم العذاب فأهلكهم 94.
ويلاحظ في الآية السابقة أن الله تعالى قد أنزل العذاب بقوم لوط في الصباح الباكر، وهذا مما يزيد العذاب قسوة وضراوة، فالصباح هو الوقت الذي يبث في نفوس الناس التفاؤل، ويرفع معنوياتهم، ويحفز طاقاتهم للعمل والجد والاجتهاد، ونزول العذاب في هذا الوقت يشكل صدمة كبيرة في النفوس، وبالتالي فإن ما حدث مع قوم لوط عليه السلام يعد من أهم الدوافع التي تدفع العبد إلى ضرورة المصالحة مع الله تعالى قبل الخلود إلى النوم، ومن أهم الدوافع أيضًا إلى ضرورة أن يبدأ المؤمن يومه بما يرضي الله تبارك وتعالى.
وقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليل لم يغر عليهم حتى يطلع الصباح 95، وذلك لما في الصباح من البركة التي لا يجنيها إلا المؤمن الصادق، وأما الكافر الفاجر فالصباح عليه وبالٌ وغمٌّ، خاصة إذا بلغ المبلغ الذي يستحق معه العقوبة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 171 - 177] .
أنعم الله تعالى عباده بنعم لا تعد ولا تحصى.
قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] .
والذي يتأمل فاصلة هذه الآية يستشعر مدى عظمة المنعم جل وعلا، فهو مع كل ما يقدمه لعباده من النعم يتبع ذلك بالمغفرة والرحمة، على الرغم من تنكر كثير من العباد لما أنعم به الله تعالى عليهم.
قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
وظلم الإنسان وكفره لا ينبعان من مجرد إعراضه عن شكر النعمة التي يدرك عظمتها فحسب، بل ينبع أيضًا من كونه يعلم علمًا يقينًا أنه لو فقد إحدى هذه النعم فلن يستطيع إيجاد بديل مكافئ عنها، ولو حك بيافوخه السماء ومع ذلك يبقى مصرًّا على جحوده ونكرانه، ومن بين هذه النعم الجليلة نعمة النهار.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11] .
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأنه قد جعل النهار؛ لينطلق الناس إلى شؤون معيشتهم، كالسعي على الأرزاق، وطلب العلم النافع، وصلة الأرحام، وغير ذلك من الشؤون المعيشية المختلفة، وهذا من عظيم ما أكرم الله تعالى به عباده 96.
والمتأمل في نعمة النهار يجد أن منافعه المعيشية كثيرة وجليلة، وهي تتجاوز مجرد الإنارة للخلق ليبصروا طرقهم، وينطلقوا إلى شؤونهم، فنعمة النهار سبب في توافر الأكسجين في الهواء من خلال عملية البناء الضوئي التي تحدثها أوراق النباتات الخضراء نهارًا، كما أنها سبب في توفير الدفء والطاقة للأرض، كما أنها سبب في نعم أخرى كثيرة جدًّا.
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20] .
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالقيام بعبادة قيام الليل العظيمة في أجرها وأثرها، كما يدعوهم إلى قراءة ما تيسر لهم من القرآن العظيم، وقد راعى ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة ظروف المرضى، والمسافرين للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله تعالى، فرخص الله تعالى لهؤلاء الأصناف ترك صلاة القيام لما تسببه لهم من مزيد المشقة والإرهاق 97.
ومن الملاحظ أن هذه الآية الكريمة راعت أصنافًا من الذين يكدون ويتعبون، والذين من ضمنهم الذين يضربون في الأرض من وجوب قيام الليل، وذلك قبل أن ينسخ هذا الحكم بتشريع الصلوات المفروضة، وبما أن السعي على الرزق بالضرب في الأرض يكون في النهار، فهذا يعني أن العاملين نهارًا بكدٍّ ومشقة طلبًا للرزق الحلال الطيب قد حازوا من الله تعالى على شرفٍ عظيمٍ يكافئ الشرف الذي حازه قائمو الليل.
وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] .
يسوق الله تعالى في هذه الآية الكريمة لعباده جملة من العلامات الدالة على ربوبيته سبحانه، فذكر الشمس والقمر المستمرين في الحركة والظهور، ثم ذكر الليل والنهار المتعاقبين 98.
ويلاحظ في الآية الكريمة وجود كلمة سخر التي تدل على التذليل، وكأن الله تعالى جعل الشمس التي تشرق في النهار، والقمر الذي يطلع في الليل لخدمة العباد، وقضاء مصالحهم، ولا يخفى على أحد دور الشمس التي تزود الأرض بأشعتها المضيئة في خدمة البشرية في كافة المجالات الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغير ذلك من المجالات، كما لا يخفى على أحد أيضًا أهمية القمر، فهو يؤمن للناس العديد من لوازمهم في المجالات المختلفة.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47] .
يَمُنُّ الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن جعل لعباده نعمتي الليل والنهار، فجعل الأولى للراحة والنوم، وجعل الثانية للانتشار في الأرض طلبًا للأرزاق وقضاءً للمصالح المختلفة 99.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى قد ذكر نعمتين، وذكر مع كل نعمة من النعمتين نعمة مصاحبة لها، فذكر نعمة السبات مع نعمة الليل، وذكر نعمة النشور مع نعمة النهار، وفي ذلك إظهار لفضل الله تعالى على العباد، ولإرادته الخير لهم، وبتأمل نعمة السبات يمكن القول بأن الله تعالى كان قادرًا على أن يدب النشاط في أجساد العباد ليلًا، ويجعل عندهم الدافعية للعمل والكسب في ذلك التوقيت الذي تتضاءل فيه القدرة على الرؤية عند الناس، ولكن الله تعالى بفضله قَلَّصَ دافعية الناس للعمل في الليل، وعزز رغبتهم في الراحة والسكون، وهذا ما ينسجم مع الليل المعتم، وبتأمل نعمة النشور يمكن القول بأن الله تعالى كان قادرًا على أن يجعل رغبة الناس في السكون والنوم نهارًا حيث تكون الرؤية واضحة، ولكنَّ الله تعالى جعل الرغبة في الجدِّ والإجتهاد والعمل في هذا التوقيت الذي ينسجم معه السعي والنشاط.
وقال تعالى: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل: 7] .
يؤكد الله تعالى في هذه الآية أن النهار للسعي والجد والاجتهاد في طلب الأرزاق الطيبة، والعلوم النافعة، والعلاقات الجيدة وغير ذلك من المنافع المتعددة 100.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى يحثُّ عباده على العمل بجد وإتقان، يفهم ذلك من لفظة {سَبْحًا} ، فكما أن جسد السابح ينغمر في الماء أثناء السباحة، فلا بد للعامل أن ينغمس في العمل نهارًا، يؤيد ذلك وجود قراءة تفسيرية جاءت فيها لفظة {سَبْحًا} بالخاء بدلًا عن الحاء أي: «سبخًا» والتسبيخ هو النفش والتوسيع 101، ومن قال بأن التسبيخ هو التخفيف، فإنما قصد بذلك التخفيف في التكاليف 102؛ وذلك لإتاحة الفرصة أمام الناس للعمل والكسب، ولكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال ترك العبادات للانشغال بالأعمال، فهذا أمر مذموم كما هو معلوم، وإنما المقصود هو التركيز على الأعمال مع مراعاة العبادات.
قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 10 - 11] .
فهاتان الآيتان تتحدثان عن صلاة الجمعة التي ربما ينشغل عن أدائها البعض بحجة الانشغال بالعمل، وهذا ليس بالأمر المحمود؛ فكما هو معلوم أن ترك الصلاة لغير ضرورة شرعية أمر مرفوض.
الدعوة إلى الله تعالى هي أهم وأحب الأعمال إلى الله تعالى.
قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه يوم خيبر: (فوالله لأن يهدي بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حمر النعم) 103.
وقد بعث الله تعالى رسله لدعوة الناس إلى دين الله تعالى، فقاموا بدورهم في الدعوة إلى الحق المبين، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس، فهذا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد أخفت في الله وما يخاف أحدٌ، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحدٌ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكله ذو كبدٍ إلا شيءٌ يواريه إبط بلالٍ) 104.
ومع ذلك لم يتقاعس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تبليغ ما أمره الله تعالى بتبليغه للناس ليلًا أو نهارًا، سرًّا أو علانيةً، متبعًا بذلك هدي من سبقه من الأنبياء عليهم وعليه أفضل الصلاة والتسليم.
قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] .
وقد ذكر القرآن الكريم ذلك الكلام حكاية عن نبيِّ الله تعالى إبراهيم عليه السلام الذي سلك مع قومه مسلك التدرج في الدعوة إلى الله تعالى، فبدأ حديثه عن الكوكب الذي رآه ليلًا، فلما غاب عن الأنظار لجأ للحديث عن القمر المنير ليلًا، فلما غاب لجأ للحديث عما هو أكبر وأعظم منهما، وهو الشمس التي تبزغ نهارًا، فلما غابت لم يبق أمامه سوى إعلان براءته من كل سوى الله جل وعلا 105.
ويلاحظ من الآية السابقة أن ابراهيم عليه السلام قد استثمر جميع الأوقات الليلية والنهارية لدعوة قومه إلى الله تعالى.
وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5] .
وقد ذكر القرآن الكريم ذلك الكلام في مقام الحديث عن دعوة سيدنا نوح عليه السلام على قومه؛ لأنهم لم يستجيبوا لدعوته على الرغم من استخدامه معهم كافة وسائل الدعوة التي من شأنها أن تقنع كلَّ ذي لبٍّ بالحقِّ الذي يدعو إليه، فقال: يا ربُّ إني لم أترك أيَّ وقت إلا ودعوت قومي فيه إلى الحقِّ، ومع ذلك لم يؤمنوا 106.
ويلاحظ من دعوة نوح عليه السلام أنه أقام الحجة على قومه بأنه دعاهم إلى الهدى ليلًا ونهارًا فلم يهتدوا، ومن المعلوم أنَّ الدعوة النهارية هي أهمُّ الدعوات، ففي النهار يتجمع الناس، وتتناقل الأخبار، وتناقش القضايا المختلفة، وبالتالي فإنَّ نطاق انتشار الدعوة النهارية أوسع من نطاق انتشار الدعوة الليلية، مع عدم إغفال الدور الهامَّ للدعوة الليلية، والذي يمثل أساسًا ومنطلقًا للدعوة النهارية، أما السبب الذي من أجله قدمت الدعوة الليلية على النهارية في الآية الكريمة، فهو أنه لنجاح الدعوة إلى الله تعالى لا بدَّ من البدء سرًّا، ثم تتدرج حتى تصبح جهرية، يؤيد ذلك ما جاء في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث بدأ دعوته سرًّا، ثم انتقل للدعوة الجهرية عندما أصبحت الظروف ملائمة لذلك 107.
وقال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: 20 - 25] .
تتحدث الآيات الكريمات عن رجل مؤمن كان معتزلًا للكفر والفجور، ولما سمع بخبر الرسل جاء إلى قومه مسرعًا، وأعلن إيمانه، ودعا قومه إلى اتباع هؤلاء الرسل والإيمان بهم 108.
ويلاحظ من الآيات السابقات أن الرجل المؤمن قد جاء يدعو قومه نهارًا، ومما يؤيد ذلك أمران هما:
الأول: أنه جاء من أقصى المدينة يسعى، والسعي هو الجري من غير شدة 109، وهذا يحتاج كما هو معلوم إلى رؤية واضحة، والرؤية الواضحة لا تكون إلا في النهار.
الثاني: أنه لما أعلن إيمانه قال: إني آمنت بربكم فاسمعون، وبما أن الإعلانات لا تكون في الليل عادة، حيث يخلد الناس إلى النوم، وكما هو معلوم فإن النائم لا يخاطب، كما أن سمعه يهدأ كثيرًا، فيكون الحق والعلم عند الله تعالى أن الرجل المؤمن اختار لدعوته وقت النهار.