فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 2431

فكل موضع علّق الله فيه حكم القول بالفم فإشارة إلى الكذب وتنبيه إلى أن الاعتقاد لا يطابقه، فالبنوة نسب أصيل عريق، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا وغير أصيل 75 فذلكم ادعاؤكم بقولكم: هذا ابني {قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الأعيان، فإذن هو بمعزل من استتباع أحكام البنوة كما زعمتم 76، فالتبني حرام؛ لأنه يخلط بين الأنساب وفيه قلب للحقائق وتغيير للحقيقة، وهو يؤدي لمفاسد كثيرة أخرى 77.

وفي قوله: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} إشارة إلى معنى لطيف؛ وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع، وفي الدَّعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به، فهذا خلاف الحق، وقول الله هو الحق لا غير؛ لأن قائله هو الحق تعالى، ولا يصدر عنه إلا الحق؛ لذلك يجب اتباعه 78.

وقوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أمر تبارك وتعالى بوجوب دعوة الأبناء إلى آبائهم ولادة ونسبًا وتحريم دعوتهم لغير آبائهم، فالإنسان يدعى لأبيه بظاهر فراش أمه، ويثبت به النسب والميراث وتجري به الأحكام، وأن هذا هو العدل والقسط والبر 79، عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية، وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع 80.

روى ابن عمر رضي الله عنهما: (ماكنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5] ) 81.

وأوضحت الآية وجوب أن يُدعى الإنسان إلى أبيه، ويحرم دعوته إلى غير أبيه لفظًا وحقيقةً، وهو محرم بالإجماع 82، فالله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحِق نسب زيد بأبيه حارثة ولا تدعه زيد بن محمد، فهذا أعدل عند الله، وأصوب وأصدق من دعائكم إياهم لغير آبائهم، ونسبتكموهم إلى من تبناهم وادعاهم، وليسوا له بنين 83.

قال صلى الله عليه وسلم: (ليس من رجل ادُعي لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار) 84، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كُفْرٌ) 85.

الحديثان فيهما زجر وتغليظ وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، فمن استحل هذا القول مع علمه بالتحريم فقد فعل فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر؛ لأن فيه كذبًا على الله كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان وليس كذلك.

قال العلماء في معنى (كفر) : إنه من يعتقد إباحة ذلك فقد كفر وخرج عن الإسلام. وإن لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان:

أحدهما: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية.

ثانيهما: أنه كافر نعمة الله والإسلام عليه 86.

فلو انتمى مُنْتَمٍ إلى أب من الناس، وهو لا يعلم الحقيقة في ضد ذلك، لم يكن داخلًا في هذا الوعيد؛ وذلك لأن ارتكاب الفاحشة إذا كان منها ما تُعَرُّ له الأعراض، وتنكس له الرءوس وتخجل فيه الوجوه؛ فإنما ذلك كله من أجل نتيجته أن يكون شخص لغير أبيه، فإذا سعى إنسان في أن ينتمي إلى غير أبيه راضيًا بأحوال أولاد الزنا، فقد رضي من الدناءة وسقوط المنزلة بما ينافي أخلاق أهل الجنة 87.

إن تحريم الإسلام وسائر الأديان السماوية للتبني له أسباب:

1.أن التبني مخالف للفطرة الإنسانية وكذب، فإنّ جعل شخص ولدًا وهو ليس بمولود له، هو افتراء على الحقيقة وضد الطبيعة الإنسانية؛ ذلك أن الأبوة والأمومة ليست ألفاظًا تُردّد ولا عقدًا يُعقد فحسب، إنما هو ارتباط لحم ودم، وارتباط علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة عن كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي، فهذه هي علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية؛ لذلك قرر القرآن الكريم أن التبني ليس إلا بنوة بالأفواه، لا بالطبع والفطرة والحقيقة، والكلام لا يغيّر واقعًا، ولا ينشيء علاقة، فإقامة العلاقات الحقيقية لا تكون إلا على أساس الولادة الحقيقية وليس على أساس التبني 88.

2.منع اغتصاب الأنساب وتجريد الطفل من نسبه الأصلي؛ لقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ? [الأحزاب: 5] .

3.الإسلام يقوم في جميع علاقاته الاجتماعية على أساس من الحق والعدل ورعاية الحقيقة، وهذا يقتضي نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي، لا لأبيه المزعوم أو المزوّر، والحق أحق أن يُتّبع.

4.الواجب على الوالد أن ينسب ابنه إليه لا إلى غيره، فيكون التبني ظلمًا للوالد الحقيقي، وإهدارًا لمعنوياته، ومساسًا بكرامته وحقوقه.

5.التبني مجرد تحقيق نسب مزعوم أو قول باللسان، لا أساس له من شرع أو منطق أو حكمة ثابتة، وحينئذ لا تكون نسبة الولد إلى غير أبيه الصحيح نسبة صحيحة، وإنما هي مزوّرة 89.

6.بنسخ نظام التبني وإبطال آثاره بطل النسب عن طريق التبني، فلا يجوز لأحد أن يفعله لأي سبب كان، فما يفعله بعض الناس اليوم من تبني بعض اللقطاء أو مجهولي النسب بحجة الرحمة به والعطف عليه وتربيته أو غيرها من الأسباب، لا تجعله حلالًا؛ بل يبقى حرامًا، ولا يترتب على الولد بالتبني أي آثار شرعية، ولا أيّ حكم من أحكام البنوة الحقيقية 90.

7.إن المتبنَّى سيكتشف الحقيقة آجلًا أو عاجلًا، ومن ثَمَّ ستسبب له اضطرابات نفسية، وينشأ نشأة غير طبيعية؛ لأنه يدرك أن أباه الحقيقي تخلى عنه.

آثار التبني ومفاسده في الماضي والحاضر، تتضح فيما يأتي:

1.أنه مخالف للفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية؛ لما فيه من الكذب والزور واختلاط الأنساب.

2.فيه ظلم للوالدين الحقيقين، وإهدار لمعنوياتهما، ومساس بكرامتهما وحقوقهما.

3.يؤدي إلى تحريم ما أحل الله من النكاح بتحريم زوجة المتبنَّى على المتبنِّي أو أولاده، وبالعكس.

4.قد يؤدي إلى الزواج بالمحارم لانقطاع صلة المتبنَّى بأسرته الأصلية.

5.فيه اعتداء على المحرمات باختلاط زوجة المتبنِّي وبناته وجميع محارمه بهذا المتبنَّى، والخلوة بهن، والسفر معهن.

6.التبني فيه مشاركة الآخرين حقوقهم المالية من النفقة والميراث، فهو أخذ حق مالي بغير وجه شرعي.

7.قد يُتخذ التبني ذريعة للكيد بأحد الورثة؛ لحرمانه من حقه الذي خصّصه الشرع له.

8.المتبنَّى غالبًا لا يوجد لديه انتماء حقيقي لأسرته المتبناة ولا لمجتمعه الذي يعيش فيه؛ لأنه يعرف أنه غريب عنهم، وقد يتخلون عنه لأي ظرف أو عند أول طارئ يطرأ عليهم.

9.قد يكون التبني بدون موافقة الزوجين (المتبنِّي وزوجته) مما يجعل المتبنَّى في وضع مأساوي؛ لأنه يلاقي من الطرف الذي لا يوافق على تبنيه الذل والهوان، وينشأ نشأة معقّدة.

10.تخلّي المتبنَّى عن جنسيته الأصلية؛ لأنه تبع لجنسية المتبنِّي له، وتبعًا لذلك تخلّيه عن الأعراف والتقاليد التي تؤمن بها أسرته الأصلية.

11.بما أن الله تعالى جعل في كل جسد من جينات مورثة ما هو ظاهر في شكله وأخلاقه وكثير من تصرفاته؛ فإن هذا ينعكس سلبًا على المتبنَّى فيما لو كان متبنيه من بلد آخر، وعادات وتقاليد مختلفة تمامًا، مما يجعله يصطدم بالقيم الاجتماعية والدينية.

12.إذا كان المتبنَّى فتاة، فقد يمارس من تبنّاها معها الفاحشة؛ لعدم وجود الحاجز المعنوي الذي يتولد عند المرء بسبب القرابة القريبة المحرّمة، وعندما يكون ذكرًا فقد يقع في الفاحشة مع أحد محارم متبنيه.

ثانيًا: بيان الأم الحقيقية:

قال تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .

يقول تعالى ذكره: الذين يُحرّمون نساءهم على أنفسهم، فيقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية 91 {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} لا تصير المرأة بقول الرجل: أنت عليّ كظهر أمي أو كأمي أمًّا 92؛ لأن الزوجة محللة، والأم محرّمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب 93. {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} أي: إنما أمه التي ولدته 94، فأمهاتهم على الحقيقة اللائي ولدنهم، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن 95 96 وهن:

1.أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى? بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ? [الأحزاب: 6] .

قررت الآية الأمومة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك حرمة له وتشريفًا لقدره صلى الله عليه وسلم 97. فهن منزّلات منزلة الأمهات في تحريم نكاحهن، واستحقاق تعظيمهن، ومن حيث وجوب أداء حقوقهن من الاحترام والإكرام والتوقير والإعظام ومحبتهن والدفاع عنهن، وعدم أذيتهن وبغضهن، وأما غير ذلك فهن أجنبيات، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وليس أمومتهن لهم من حيث الميراث، ولا من حيث جواز خلوتهم بهن، ولا كونهم محارم لهن؛ بل حرمتهن عليهم أشد من حرمة غيرهن 98.

2.الأم من الرضاع.

قال الله عز وجل في شأن المحرمات من النساء: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء: 23] .

أي: وُحِّرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وسواء امتص الطفل من ثدي المرأة مباشرة، أو وضعت اللبن في إناء وأسقته للطفل، فإنها تُسمّى أمه من الرضاع مادام تغذى بلبنها امتصاصًا أو شربًا 99، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة مايحرم من النسب) 100، وفي رواية: (فإنما الرضاعة من المجاعة) 101. والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكوّن جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءًا منها، كما هو جزء من أمه التي حملته، وإذا كانت هذه غذّته بدمها في بطنها، فتلك غذّته بلبنها في حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرًا من مدة الحمل، فكان لابد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبيه من حرمة وكرامة، وفي هذا التحريم تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لا يدنّسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني 102.

أما الأم من التبني فهي أمومة مصنوعة تؤتي ثمارها وتنكشف حقيقتها إذا ما دارت الأيام، قال تعالى عن امرأة العزيز: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ? [يوسف: 23] .

ولولا أنه نبي معصوم لوقع في الخطأ أو المحظور لَوْلَا أَنْ رَأَى? بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: 24] .

فألهمه الله أن الفرار من هذا الموقف هو الخير 103.

هذا ما حدث مع نبي، إذًا فمن يفلت من الوقوع في المعصية مع التبني واستباحة العورات، مع أن أحدهم ليس من محارم الآخر، مما يكون سببًا للوقوع في المعاصي 104.

ثالثًا: زواج النبي من زينب:

قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ? فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ? سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا 37) [الأحزاب: 37 - 38] .

لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش رضي الله عنهما وكان من أغراض هذا الزواج:

فمكثت عنده تقريبًا من سنة أو فوقها 106، لكن حياة الزوجين لم تصفُ لهما، فكان زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله اضطراب حياته معها، والنبي صلى الله عليه وسلم يحسّ ثِقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب، فيواجه القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق 107.

قال سبحانه: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أي: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وتبنّاه 108،أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ الآية، يعاتب الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول لزيد: أبقِ زوجك زينب بنت جحش ولا تعجل بطلاقها، واتق الله يا زيد في أمرها 109. ويدل هذا على أنه ينبغي لمن بدا له طلاق زوجته أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة، وأن المستشار عليه أن يأمر بالإمساك مهما أمكن صلاح الحال فهو خير من الفرقة 110.

وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ والذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله تعالى به إليه أن زينب سيطلّقها زيد، ويتزوجها بعدُ النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خوف لوم الناس وتعييرهم بأن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوُّج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم 111. فقد اختار الله بيت النبوة، بل نبي الرسالة الخاتمة؛ ليتم على يديه وفي بيته الإعلان العملي لإبطال هذه العادة من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع، فالتعليم الفعلي، أبلغ من القولي خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور 112.

وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حِكمًا كثيرة، فالواجب على النبي صلى الله عليه وسلم -وأمته تبع له في ذلك- إذا عُرض له أمران، في أحدهما رعاية جانب الخلق، وفي الآخر رعاية جانب الحق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه، واختيار أمر من أوامره حِكمًا كثيرة، كما قال تعالى في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ.

عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(اتق الله وأمسِك عليك زوجك) . قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه) 114.

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَ?كِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وكان رسول الله تبنّاه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له: زيد بن محمد؛ فأنزل الله: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ? فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ?وقوله: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرغ منها وفارقها ولم تبق له بها حاجة، طلّقها باختياره 116، ولما انتهت عدتها ژ ژژ صرّح الله تعالى بأنه هو الذي زوّجه إياها ولم يُحوجه إلى ولي وشهود وعقد وصداق؛ تشريفًا له ولها، قال أنس: (فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات) 117. وفي رواية كانت تقول: (إن الله أنكحني في السماء) 118.

وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين 119، وفيه دليل على ثبوت الولي في النكاح 120، وفيه دليل على أن أولياء النساء وكلاء الله في تزويجهم؛ لأنهن إماؤه فإذا ولي الإنكاح هو جل وعز لم يكن لوكلائه معه ولاية 121.

لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي: إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه دليل على أن الأمة مساوية للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام، إلا ما قام دليل على تخصيصه به؛ لأنه صرّح بأنه فعل ذلك لنبيه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في مثله 122.

وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لقضاء شهوة، بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، كما يستفاد من القرآن الكريم، ثم بيّن أن زواجه صلى الله عليه وسلم بها مع أنه كان مبيّنًا لشرع، مشتملًا على فائدة كان خاليًا من المفاسد 123، فقال: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا.

هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج ولا ضيق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله وقسم وقدر له من تزويج زينب بعد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء الذين مضوا من أن ينالوا ما أحل الله لهم ووسع عليهم، فلم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه صلى الله عليه وسلم امرأة زيد مولاه ودعيِّه الذي كان قد تبنّاه 124 وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا أي: أمرًا وقضاءً وحكمًا مقضيًّا وكائنًا لا محالة، محددًا وقت وقوعه وكيفية وقوعه، لا يتأخر ولا يتقدم ولا يتغير، فلا حرج على أحد فيما أحل له 125، فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن 126.

فوائد مستفادة من قصة زيد وزينب رضي الله عنهما:

إن هذا الزواج كان امتحانًا قاسيًا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يؤمر به ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة كما نطق القرآن هو تحطيم مبدأ كان معمولًا به ومشهورًا عند العرب، هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب 128، قال تعالى في المحرمات من النساء، وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: 23] .

أي: من ولدتموه لا من تبنيتموه 129، فيُفهم منه أن حليلة دعيِّه الذي تبناه لا تحرم عليه 130؛ لأنه ليس من صلبه، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا 131 بقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) 132.

إن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية، ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته؛ لذلك شاء الله أن يحمّل نبيه صلى الله عليه وسلم مؤنة إزالة آثار التبني، ويواجه المجتمع بهذا العمل الذي لا يستطيع أحد غيره أن يواجه المجتمع به 133. ويدل تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيرًا كبيرًا في المجتمعات والسلوك 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت