ولسيد قطب فلسفة أخرى في دلالة هذا الإسناد نطالعها في تفسيره القيم: في ظلال القرآن، حيث يقول: «وليس في هذا حجرٌ على العقل البشري أن يعمل، ولكنّ فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل في حدوده، وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه. والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري، وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق» 42.
ويرى صاحب النكت في القرآن الكريم أن إخفاء أمر الروح عن العباد، وجعلها من أمر الله؛ لما في ذلك من مصلحة لهم، فيقول: «وقيل: في قوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: من الأمر الذي يعلمه ربي، ومما يسأل عنه أن يقال: لم لم يجابوا عن الروح؟! والجواب: لما في ذلك من المصلحة؛ ليوكلوا إلى علم ما في عقولهم من الدلالة، مع ما في ذلك من الرياضة. وقيل: إنهم وجدوا في كتابهم: أنه إن أجابهم عن الروح فليس بنبي» 43.
وقال ابن القيم في هذه الدلالة: «فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وإرادته وقدرته وحياته صفات له غير مخلوقة، وكذلك وجهه ويده سبحانه. والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه: كالبيت، والناقة، والعبد، والرسول، والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميز به المضاف عن غيره، كبيت الله، وإن كانت البيوت كلها ملكًا له، وكذلك ناقة الله، والنوق كلها ملكه وخلقه، لكن هذه إضافة إلى إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه، بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته حيث تقتضي خلقه وإيجاده، فالإضافة العامة تقتضي الإيجاد والخاصة تقتضي الاختيار، والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه، كما قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] » 44.
خامسًا: وفي إسناد الروح إليه تعالى في قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] [ص: 72] ، دلالة على تكريم بني آدم وتفضيلهم على غيرهم، والإحسان إليهم، ومن قال بذلك الواحدي والسمعاني: «وأضاف روح آدم إليه إكرامًا وتشريفًا، وهي إضافة الملك» 45، «وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا» 46.
ويسير النيسابوري في هذا الاتجاه ببيان أن دلالة الإضافة للتشريف والتكريم فيقول: «ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: روحي للتشريف والتكريم، مثل: ناقة الله، وبيت الله» 47.
ويتجه ابن عاشور الاتجاه نفسه في تفسيره التحرير والتنوير بقوله: «وإضافة الروح إلى الله إضافة تشريف؛ لأنه روح مبعوث من لدن الله تعالى بدون وساطة التطورات الحيوانية للتكوين النسلي، وجعلها وابنها آية، هو من أسباب تشريفهما والتنويه بهما» 48.
وجاء هذا الرأي في روح البيان عندما قال: «يشير بتشريف هذه الإضافة إلى اختصاص الروح بأعلى المراتب من الملكوت الأعلى، وكمال قربه إلى الله، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه تشرف بهذا التشريف وخص به من سائر المخلوقات» 49.
وقال بهذه الدلالة صاحب التفسير المظهري: «أضاف الروح إلى نفسه؛ تشريفًا لآدم أو تشريفًا للروح» 50.
وهذا ما قال به عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن، حيث يقول: «تجد أن الروح التي تلبس الكائن الحي -من إنسان أو حيوان- هي روح، وهى من أمر الله، ولكننا إذ ننظر في قوله تعالى في خلق آدم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [ص: 72] ، وقوله سبحانه: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، نجد مزيدًا من الإحسان والتكريم للإنسان، بإضافة روحه إلى الله سبحانه وتعالى» 51.
وجاء في التفسير الوسيط أن دلالة ذلك تشريف للإنسان وخيريته على إبليس الذي رفض السجود إليه، فقال في معرض تفسيره للآية، ومقارنته بين أصل الإنسان وأصل إبليس: «كذلك هو خير منه روحًا، لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] ، بإضافة روحه إلى الله تعالى؛ تشريفًا لا تبعيضًا، ونشرت فيه من الروح المنسوب إليّ نسبة تشريف وملك وإيجاد، فأرواح العباد منسوبة إلى الله نسبة ملك وإيجاد، وليست جزءًا من روحه تعالى، فهو منزه عن التجزئة والتبعيض» 52.
سادسًا: وذهب فريق ممن تحدث عن دلالة إضافة الروح لرب العزة والجلالة إلى المكانة السامية والعالية للروح، من هؤلاء: الإمام الطبري في تفسيره: «يقول تعالى ذكره: فإذا سوّيت خلقه، وعدّلت صورته، ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك: ونفخت فيه من قدرتي» 53.
ويرى الإمام الرازي في تفسيره أن ذلك يدل على قدرته سبحانه وتعالى عندما قال: «ميّز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح، فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء، وتعديل المزاج والأشباح، فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء، ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله: {مِنْ رُوحِي} ، دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد. ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي» 54. ومنهم ابن عادل في كتابه اللباب: «فأضاف الروح إلى نفسه، وذلك يدل على أنه جوهر شريف علويّ قدسيّ» 55.
ويعقد ابن الجوزي مقارنة بين هذه الإضافة وبين الحديث الشريف حول خلق آدم عليه السلام فيقول: «أما قوله: (خلق الله آدم على صورته) 56، فللناس فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب جمهور السّلف، وهو السّكوت عن تفسير هذا وأمثاله. والثّاني: أن الهاء راجعة إلى آدم، فيكون المعنى: أنه خلقه على تلك الحال، ولم ينقله من نطفة إلى علقة، وهذا مذهب أبي سليمان الخطابيّ. والثّالث: أنّها ترجع إلى الله سبحانه، فهي مضافة إضافة ملك لا إضافة ذات، كما أضاف الرّوح التي نفخت في آدم إليه، فقال: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .
وهذا مذهب ابن عقيل، قال: وإنّما خص آدم بإضافة الصّورة إليه لخصيصة فيه» 57.
ويؤيد أبو السعود الدلالة التي تميز الإنسان، وأن ذلك تشريف وتكريم له، فيقول: « {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ؛ أضافه إليه تعالى تشريفًا له وإيذانًا بأنّه خلقٌ عجيبٌ وصنعٌ بديعٌ، وأنّ له شأنًا له مناسبةٌ إلى حضرة الرّبوبية، وأنّ أقصى ما تنتهي إليه العقول البشرية من معرفته هذا القدر الذي يعبر عنه تارةً بالإضافة إليه تعالى وأخرى بالنسبة إلى أمره تعالى، كما في قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} » 58.
وقال الماوردي: « {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] فيه أربعة أوجه:
أحدها: من قدرته، قاله أبو روق.
الثاني: من ذريته، قاله قتادة.
الثالث: من أمره أن يكون فكان، قاله الضحاك.
الرابع: روحًا من روحه، أي: من خلق، وأضافه إلى نفسه لأنه من فعله وعبر عنه بالنفخ؛ لأن الروح من جنس الريح» 59.
ويقول ابن عاشور في الآية: «ثم أعقب بقوله: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} ، فجيء بفعل الإلقاء، وبكون الروح من أمره، وبصلة من يشاء من عباده، فآذن بأن ذلك بمحض اختياره وعلمه، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] » 60.
وللمفسرين في قوله تعالى: {مِنْ أَمْرِهِ} أقوال: فقالوا: «مجيئه بمعنى الباء، قال: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} [غافر: 15] .
وقال: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] أي: أمره ابتداء الغاية» 61.
وذكر أبو حيان قوله: «أي: بأمره، ويظهر أن {مِنْ} : لابتداء الغاية، وقال ابن عباس: من أمره: من قضائه» 62.
وفي التفسير الحديث، وفي معرض تعليقه على إضافة الروح لله تعالى، يقول: «وتعليقًا على ذلك نقول: إن القرآن استعمل تعبير: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [ص: 72] ، في صدد خلق آدم في سورة ص، وتعبير: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، في صدد خلق الإنسان في سورة السجدة، هذا أولًا. وثانيًا: إن القرآن ذكر في سورة مريم: أن روح الله تمثّل لمريم بشرًا ليهب لها غلامًا، ولم يذكر أسلوب الهبة. وروح الله في سورة مريم يعني على ما تلهمه العبارة بكل قوة، بل وصراحة، ملك الله، وبين هذا وبين {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] .
و {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] فرق واضح» 63.
وقال الشيخ طنطاوي في تفسيره: «وهذه الخاصية هي التي تجعل من هذا الإنسان، إنسانًا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى التي تشاركه في هذه الحياة» 64.
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل في صدد حديثه عن إضافة الروح لله تعالى: «أما قوله في حق آدم: {مِنْ رُوحِي} ، فهو إضافة خلق إلى خالقه، وملك إلى مالكه؛ لأن الأرواح كلها بيد الله تعالى لا أنها جزء منه، تعالى الله عن ذلك، وإضافته إليه إضافة تشريف: إمّا لآدم عليه السلام كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، أو لأنّها جوهر لطيف شريف علوي.
وأما النفخ فالمراد به -والله أعلم- خلقها وإيجادها، وقال بعضهم: كيفيّة النفخ لا يعلمها إلا الله تعالى، ونسبة إضافة الرّوح في آيات مريم كلها نسبة إضافة ملك وخلق وتشريف، كما قدمناه في آدم عليه السلام؛ لأن نفخ جبريل كان بأمر الله، وسمي المسيح عليه السلام روح الله إمّا تشريفًا له، أو لأنّه كان بأمره وخلقه من غير واسطة لأب» 65
ويرى بعضهم أن دلالة ذلك خصوصية لآدم وعيسى عليهما السلام: «وأما الخبر الذي مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه معنى الخصوص، فهو قوله عز وجل: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .
وقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 59 - 60] .
فكان مخرج الخبر لآدم عليه السلام مخرج الخصوص، ومعناه معنى الخصوص، وكذلك كان مخرج الخبر لعيسى عليه السلام مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص» 66.
ويفصّل الشيخ العثيمين في هذه الإضافة قائلًا: «والمضاف إلى الله عز وجل إما صفة، وإما عين قائمة بنفسها، وإما وصف في عين قائمة بنفسها ... أن يكون عين قائمة بنفسها ولكنها في عين أخرى، مثل: روح الله، كما قال الله عز وجل: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] .
وقال في آدم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .
فهنا ليس المراد روح الله عز وجل نفسه، بل المراد من الأرواح التي خلقها، لكن أضافها إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا» 67. وجاء في تسلية أهل المصائب: «ولا خلاف بين المسلمين، أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها» 68.
ونطالع في فتح البيان في مقاصد القرآن ما قاله حول إضافة الروح لله تعالى: « {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] .
أي: جعله حيًا حساسًا بعد أن كان جمادًا، وبالإضافة للتشريف والتكريم، وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في آدم لا في ذريته» 69.
وقد فصّل أصحاب الاختصاص كثيرًا في دلالات إضافة الروح لله تعالى، وأكثرهم اتفق على أن ذلك يدل على المكانة التي جعلها الله تعالى للروح، وتشريفًا وتكريمًا للجنس البشري الذي خلقه الله تعالى بيديه، وسواه وأحسن خلقه، ثم نفخ فيه ليمنحه الحياة التي قدّرها له.
أولًا: حقيقة الروح:
عند الحديث عن حقيقة الروح، وبما أننا نتحدث عنها من خلال القرآن الكريم، فالأجدر بنا أن نستخلص هذه الحقيقة من كتاب الله تعالى، ومن خلال آياته الكريمة. والآية الكريمة التي تحدثت عن حقيقة الروح مجردة، هي آية الإسراء: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] .
وبدايةً لابدّ من معرفة ما هي الروح التي وقع السؤال عنها، ثمّ نشرع في ما هي حقيقتها، وفقًا لما جاء في أقوال أهل الاختصاص، واختلف المفسّرون في الروح التي وقعت محلًا للسؤال مذاهب متفرقة، يأتي تفصيلها لاحقًا إن شاء الله تعالى وبرجوعنا إلى كتب السلف التي تحدثت عن الروح وعن حقيقتها، نجد تفسير هذه الحقيقة عند السيوطي، بعد أن أورد حديث سبب نزول الآية: « ... فاختلف الناس في الروح على فرقتين: فرقة أمسكت عن الكلام فيها؛ لأنها سر من أسرار الله تعالى لم يؤت علمه البشر، وهذه الطريقة هي المختارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الروح، قال: الروح من أمر ربي لا تتأولوا هذه المسألة فلا تزيدوا عليها، قولوا كما قال الله تعالى وعلّم نبيه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
وأخرج ابن جرير بسند مرسل أن الآية لما نزلت قالت اليهود هكذا نجده عندنا. قلت: فمسألة أبهمها الله تعالى في القرآن والتوراة، وكتم عن خلقه علمها، من أين للمتعمقين الاطلاع على حقيقة أمرها؟!» 70.
وفي تفسير المراغي: «وللعلماء في حقيقة الروح أقوال كثيرة، أولاها بالاعتبار قولان:
الأول: إن الروح جسم نوراني، حي، متحرك من العالم العلوي، مخالف بطبعه لهذا الجسم المحسوس، سار فيه سريان الماء في الورد، والدّهن في الزيتون، والنار في الفحم، لا يقبل التبدل والتفرق والتمزق، يفيد الجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحًا لقبول الفيض وعدم حدوث ما يمنع السريان، وإلا حدث الموت. واختاره الرازي وابن القيم في كتاب الرّوح.
الثاني: إنه ليس بجسم ولا جسماني، متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وإلى هذا ذهب حجة الإسلام الغزالي وأبو القاسم الراغب الأصفهاني، ثم أكد عدم علم أحد بها؛ لقوله: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] » 71.
وقال ابن عادل الحنبلي وهو يتحدث عن حقيقة الروح: «فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟ أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدن مولدةٌ من امتزاج الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنّه موجودٌ مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام ولهذه الأعراض أشياء تحدث عن امتزاج الأخلاط والعناصر، وأمّا الروح فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ بسيطٌ مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: كن فيكون، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه» 72.
وفي حقيقة الروح قالوا: «وأما حقيقة الروح فهي لطيفة ربانية، وعنصر من عناصر العالم العلوى تتصل بمدد رباني إلى العالم السفلى» 73.
وفي فيض الباري: «أن القرآن لم يتعرض في الجواب إلى حقيقة الروح ومادته، بل ذكر العلة الصّورية فقط، ويريد أن الروح محركٌ للبدن وانتهاء شعورها أمر الرب، فهذا علتها الصورية فقط، أما حقيقتها فلا يعلمها إلا هو» 74.
وقال ابن حجر: «قال ابن بطال: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدليل هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق؛ ليعرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه؛ حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه» 75.
وقال ابن عاشور: «واختلف المفسرون في الروح المسئول عنه المذكور هنا، ما هو من هذه الثلاثة؟ فالجمهور قالوا: المسئول عنه هو الروح بالمعنى الأول، الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني، قالوا: لأنه الأمر المشكل الذي لم تتضح حقيقته، وأما الروح بالمعنيين الآخرين فيشبه أن يكون السؤال عنه سؤالًا عن معنى مصطلح قرآني. وقد ثبت أن اليهود سألوا عن الروح بالمعنى الأول؛ لأنه هو الوارد في أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة؛ لقوله في الإصحاح الأول: «وروح الله يرف على وجه المياه» . وليس الروح بالمعنيين الآخرين بوارد في كتبهم» 76.
وفي إعانة الطالبين: «واختلف في حقيقة الروح، فقال أكثر أهل السنة والجماعة: الأولى أن نمسك المقال عنها، ونكف عن البحث فيها، وأنها مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه» 77. وإليه أشار ابن رسلان في زبده بقوله 78:
والروح ما أخبر عنها المجتبى
فنمسك المقال عنها أدبا
وفي لوامع الأنوار البهية: «وقد تنازع الناس في حقيقة الروح، واختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا مع القطع باتصالها بالبدن، وإنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وقد تخبط فيها الفلاسفة ومن وافقهم تخبط الذي به مس من الشيطان؛ لكونهم رأوها من غير جنس البدن وعالمه وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون الصفات الثابتة لها من الصعود والنزول والاتصال والانفصال حقًّا» 79.
وهكذا يتضح لنا أن حقيقة الروح -وبحسب معظم المفسرين- أنها مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع على ذلك أحدًا من خلقه، ويجب علينا ألا نخوض فيها بأكثر من تفويض العلم فيها لرب العباد.
ثانيًا: صفات الروح:
ونتناول هنا الصفات التي اتصفت بها الروح بناءً على النصوص الشرعية التي تحدثت عن ذلك، فمن النصوص الثابتة القوية في وصف الروح الإنسانية، ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم والمسند وسنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) 80.
وقال صاحب التحفة المهدية، معددًا الصفات التي اتصفت بها روح الإنسان: «فإن روح ابن آدم تسمع، وتبصر، وتتكلم، وتنزل، وتصعد، كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله» 81.
وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: «ومذهب أهل السنة والجماعة: أنّ الروح والعقل من الأعيان، وليسا بعرضين كما ظنّته المعتزلة وغيرهم، وأنهما يقبلان الزيادة من الصفات الحسنة والقبيحة، كما تقبل العين الناظر غشاوة ورمدًا، والشمس انكسافًا؛ ولهذا وصف الروح بالأمّارة بالسّوء مرة، وبالمطمئنّة أخرى» 82.
وقال ابن القيم في كتاب الروح: «وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بالدخول، والخروج، والقبض، والتوفي والرجوع، وصعودها إلى السماء، وفتح أبوابها لها وغلقها عنها، فقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93] .
وقال تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] .
وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد، وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8] .
فأخبر أنه سوّى النفس، كما أخبر أنه سوّى البدن في قوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] .
فهو سبحانه سوّى نفس الإنسان كما سوّى بدنه، بل سوّى بدنه كالقالب لنفسه، فتسوية البدن تابع لتسوية النفس، والبدن موضوع لها كالقالب لما هو موضوع له» 83. هذا ما قيل في الصفات التي اتصفت بها الروح ونلحظ أنها جميعًا مما أثبتته النصوص الشرعية.
من خلال تتبع الآيات نجد أنها وصفت بعض الأشياء بالروح، ومن ذلك:
أولًا: جبريل عليه السلام:
قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] . والروح الأمين الذي نزل بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، هو جبريل عليه السلام.
وقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم: 17] ، أرسل إليها جبريل عليه السلام.