فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 2431

ويخلص من هذا إلى أن حقيقة الاضطرار تكمن في خوف المضطر على نفسه من الهلاك، فمن ألجأته الضرورة إلى أكل المحرم، فأكل فلا إثم ولا حرج عليه، كما يجب على المضطر تناول المحرم بمقدار ما يسد به رمقه ويبقيه على قيد الحياة، فيأمن معه الموت لقوله جل جلاله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] .

«فإن ترك المضطر تناول المحرم حتى مات، فقد وقع في المعصية؛ لأنه ألقى نفسه إلى الهلاك، وهذا منهيٌ عنه؛ ولأنه كان قادرًا على إحياء نفسه بما أباحه الله تعالى له، فلزمه ذلك، كما لو كانه معه طعامٌ حلال» 30.

1.للاضطرار صور كثيرة جدًا، لا يمكن حصرها، وقد ذكر القرآن بعض الصور.

ومن تلك الصور التي ذكرها القرآن الكريم:

أولًا: أكل وشرب المحرمات:

الأصل في الأطعمة التي ذكر الاضطرار فيها هو التحريم، ولا تكسر قاعدة التحريم إلا عند الاضطرار، فيباح للمضطر أن يأكل لحم الخنزير وغيره مما لا يحل من الحيوانات من باب المحافظة على الحياة، والصيانة للنفس الإنسانية من الهلاك والموت.

هذا بالإضافة إلى إباحة تناول شرب المحرم كالخمر في حالة الاضطرار.

قال سيد سابق: «كما أجازوا (أي الفقهاء) تناول الخمر في حال الاضطرار، ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق، ولم يجد ما يسيغها سوى الخمر، أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة من الخمر، أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت» 31.

أما بالنسبة لمسألة التدواي بالخمر وهل يباح للعلاج، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة بين مانع ومجيز. أما من منع فقد استدل بأن الناس كانوا في الجاهلية يتناولون الخمر للعلاج، فلما جاء الإسلام نهاهم عن ذلك وحرمه.

ويؤيد هذا ما ورد عن وائل الحضرمي أن طار بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: (إنه ليس بدواءٍ، ولكنه داءٌ) 32.

كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داءٍ دواءً فتداووا ولا تداووا بحرامٍ) 33.

ورجح سيد سابق هذا الرأي 34.

أما من أجاز التداوي بالخمر، فقد أجازها في حالة الاضطرار حيث لم يجد المضطر سواها، فعدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام هو شرطٌ للتداوي بالخمر، كما أنه يشترط عدم قصد المتداوي بها اللذة والنشوة، وألا يتجاوز المقدار المحدد له من قبل الطبيب المسلم الثقة، فهذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات للحفاظ على النفس من الهلاك 35.

وأما بالنسبة للأدوية المحرمة كالمخدرات مثلًا، فإن الأصل في تعاطيها عن طريق الأكل أو الشرب أو الحقن هو التحريم؛ وذلك لما تحتوي عليه المخدرات من الأضرار الجسيمة، وتعطيل الأعمال، كما أنها باب من أبواب الصد عن ذكر الله تعالى، والقعود عن أداء الطاعات.

ولذلك يقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .

وأما التداوي بهذه المخدرات، فإنها تستعمل في مجال الطب لأمرين، وهما:

الأول: استعمال المخدر في العمليات الجراحية، وقد يكون التخدير جزئيًا أو كليًا للمريض، وهذا النوع جائز؛ لأن فيه تفويتًا على المريض للإحساس بالألم الشديد الذي يصيبه أثناء العملية الجراحية، فإباحته من باب الضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت