فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 2431

ووصفت الحور العين في قوله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) } [الصافات: 48 - 49] .

أي: غاضات الأعين عن غير أزواجهن، وقصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلًا، وإنهن أحسن بياضًا من بيض النعام، والعرب تشبه النساء ببيض النعام. يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام. وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي. ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكن من البرد والحر 169.

وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) } [الرحمن: 56 - 58] .

وقال تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) } [الرحمن: 72] .

أي: «وهؤلاء الخيّرات الحسان واسعات العيون مع صفاء البياض حول السواد، محبوسات في الحجال، فلسن بطوّافات في الطرقات، والعرب يمدحون النساء الملازمات للبيوت للدلالة على شدة الصيانة» 170.

ونساء الجنة مطهّرات من كل شيء، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة، وكلما جاءها زوجها وجدها بكرًا لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) } [الواقعة: 35 - 37] .

ويصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم نساء الجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) 171.

وهذا قليل من كثير في صفات الحور العين لأنها كثيرة ومتنوعة، حيث خلقهن الله تعالى وأنشأنهن إنشاءً وجعلهن أبكارًا وجمالهن كاللؤلؤ المكنون المخفي المصان، قاصرات الطرف لا يتجاوز عن أزواجهن، مطهرات من كل أذى وحيض ونفاس، وبول وغائط، وبصاق ومخاط، ولو أطلت واحدة منهن على الدنيا لأضاءت ما بينهما.

2.زوجات المؤمنين في الدنيا.

أخبر الله تعالى أن زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة وصالحة.

قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الرعد: 23] .

أي: «يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحسانًا، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) } [الطور: 21] 172.

وقال تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) } [الزخرف: 70] .

أي: يكرمون إكرامًا على سبيل المبالغة، والحبرة: المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل 173.

ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] .

أي: «ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدي مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسىي كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق» 174.

وتلك نساء أهل الجنة خلقهن الله تعالى لعباده المؤمنين، منهن من كانت زوجاتهم في الحياة الدنيا، ومنهن الحور العين، وكلهن من النعيم الذي يتنعم به أهل الجنة في الآخرة.

عاشرًا: خدم أهل الجنة.

ذكر الله تعالى أن في الجنة خدما ولدانًا أو غلمانًا خلقهم الله تعالى لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بآنية الشراب، كما قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) } [الواقعة: 17 - 18] .

أي: «يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون، على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد» 175.

وهم في غاية الجمال كأنهم اللؤلؤ المكنون كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) } [الطور: 24] .

ونحو هذه الآية قوله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) } [الإنسان: 19] .

قال الإمام الرازي رحمه الله: شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كان صفًّا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أنه تعالى قال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين، أو أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، أو أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على البعض فيكون مخالفًا للمجتمع منه 176.

الحادي عشر: سوق أهل الجنة.

جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا) 177.

والمراد بالسوق: «مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي: أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل والنهار، وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها» 178.

وهذا يعني أن في الجنة سوقًا يلتقي فيه المؤمنون مع بعضهم البعض ويتحدث بعضهم لبعض؛ ويتذاكرون ما كان في الدار الدنيا، ويتجدد هذا اللقاء كل جمعة، وهذا من نعيم الجنة الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين.

ومن جملة أحاديثهم ما جاء ذكره في قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور: 25 - 28] .

لم يتحدث القرآن الكريم عن صفة أهل الجنة في أعمارهم وأشكالهم وطولهم، وتكفلت السنة النبوية بذكر ذلك من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في صفة أهل الجنة، منها: ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء) 179.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا) 180.

وأما عن أعمارهم فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل أهل الجنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مردًا مكحلين، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة) 181.

وجُرْد: جمع أجرد وهو الذي لا شعر على جسده، مُرْد: جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه، وقد يراد به الحسن بناء على الغالب، كُحْل: أي مكحول، وهو عين في أجفانها سواد خلقة 182.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم) 183.

وأما أخلاق أهل الجنة فتتمثل في محبة بعضهم بعضًا كما وصفهم الله تعالى في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] .

وقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) } [الحجر: 47] .

أي: «وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغلّ وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه» 184.

والمتأمل في الأدلة الماضية يرى أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صور مختلفة، فمنهم من يكون على صورة القمر ليلة البدر، ومنهم من يكون على أشد كوكب دري إضاءة في السماء، وفي هذا دليل على تفاوت درجاتهم على قدر أعمالهم في الحياة الدنيا، وأزواجهم الحور العين، وقلوبهم مجتمعة على قلب واحد، منزوع منها الحقد والعداوة، وصورهم على صورة آدم عليه السلام ستون ذراعًا في السماء، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة، وهم جرد مرد كحل، لا تبلى ثيابهم، ولا يموتون.

أخبر الله تعالى في آياته الكريمة برؤية أهل الجنة له في الآخرة، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة: 22 - 23] .

أي: فوجوه المؤمنين المخلصين حين تقوم القيامة مضيئة مشرقة، تشاهد عليها نضرة النعيم، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، أي: تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب 185.

وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] .

أي: للذين أحسنوا عبادة الله في الدنيا من خلقه، فأطاعوه فيما أمر ونهى، أو أن للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا المثوبة الحسنى أي: التي تزيد في الحسن على إحسانهم، وهي مضاعفتها بعشرة أمثالها أو أكثر، وجاء هذا المعنى في قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] .

أي: ولهم زيادة على هذه الحسنى فوق ما يستحقون على أعمالهم بعد مضاعفتها 186.

وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف 187.

لذلك قال ابن القيم رحمه الله: «فلما نقلت رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار في الآخرة عنهم ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا؛ علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين ومجتمعين» 188.

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) ، ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] 189.

ودلالة الآيات المتقدمة أن الرؤية خاصة بالمؤمنين دون غيرهم من الكفار والمنافقين لذلك قال تعالى في شأن الكافرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين: 15] .

وثبت جواز رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، منها ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) ، قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك .. ) 190.

وفي الحديث: دلالة على رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة.

ويتضح مما تقدم: أن أفضل ما يعطاه أهل الجنة يوم القيامة رؤية الله تعالى وهو أعلى نعيم أهل الجنة، وأنها الزيادة التي وعد الله تبارك وتعالى بها المؤمنين من أهل الجنة وبشرهم بها، وهي واقعة لهم دون الكافرين كما ثبت بالكتاب والسنة.

إن دخول الجنة فوز عظيم لا يمكن أن ينال بالأعمال الصالحة فقط، وإنما ينال برحمة الله تعالى على عباده المؤمنين وفضله، لا من حيث الواجب لأنه لا واجب على الله تعالى، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدخله عمله الجنة) فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمة) 191.

ولا يتعارض هذا مع الأخذ بالأسباب لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) } [الزخرف: 72] .

وقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) } [الأحقاف: 14] .

لذلك لا بد لدخول الجنة من أعمال صالحة.

وتتفاوت درجات الجنة بحسب الأعمال، ويتنافس العباد في ذلك على قدر سعيهم وهمتهم للوصول إلى جنات الخلد، وتحدث القرآن الكريم عن ذلك في آيات كثيرة، وهذا ما سوف نوضحه من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الإيمان والعمل الصالح:

إن دوام الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من ذلك وبشره بها كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) } [البقرة: 82] .

أي: «وأما الذين صدقوا الله ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال فأدّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي فأولئك جديرون بدخول الجنة جزاء وفاقًا على إخباتهم لربهم وإنابتهم إليه وإخلاصهم له في السرّ والعلن، وفي هذا دليل على أن دخول الجنة منوط بالإيمان الصحيح والعمل الصالح معًا» 192.

كما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم) 193.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } [يونس: 9] .

أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء إلى أمره، {يَهْدِيهِمْ} ، يرشدهم ربهم بإيمانهم به إلى الجنة 194.

وقوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} ، فيه وجوه منها: الأول: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابًا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد: 12] .

والثاني: إنّ المؤمنين يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة، والثالث: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم 195.

قال الإمام الرازي: فإن قيل: كيف يقال: إن العبد يحكم بكونه من أهل الجنة بمجرد الإيمان، والله سبحانه وتعالى شرط لذلك العمل الصالح بظاهر قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 122] .

وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124] .

وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح الإخلاص في الايمان، وقيل الثبات عليه إلى الموت، وكلاهما شرط في كون الإيمان سببًا لدخول الجنة 196.

ويتضح مما تقدم: أن الإيمان والعمل الصالح من أسباب دخول الجنة، فبعض الآيات الكريمة تربط بين الإيمان والعمل الصالح وبين دخول الجنة، فكانت لهم جنات النعيم.

ثانيًا: طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم:

إن من موجبات دخول الجنة طاعة الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] .

«وطاعة الله: هي ما شرعه من الدين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول: هي اتباع ما جاء به من الدين عن ربه، فطاعته هي بعينها طاعة الله، كما قال في هذه السورة: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .

فهو إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله بما فيه منافع لنا في الدنيا والآخرة، وإنما ذكرها مع طاعة الله للإشارة إلى أن الإنسان لا يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، وأنه لا بد له من هداية الدين؛ إذ لم يكن العقل وحده في عصر من العصور كافيًا لهداية أمة ولا مرقِّيًا لها بدون معونة الدين، فاتباع الرسل والعمل بهديهم هو أساس كل مدنية، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي، فالآداب والفضائل التي هي أسس المدنيات تستند كلها إلى الدين، ولا يكفي فيها بناؤها على العلم والعقل» 197.

وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء: 69] .

أي: «من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} » 198.

وعلى ذلك يترتب على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم دخول الجنة والخلود فيها، كما يترتب على معصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم دخول النار والعذاب المهين، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } [النساء: 14] .

ثالثًا: التقوى:

إن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة من الله تعالى لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) } [يس: 45] .

فالمتقين هم أحق الناس بالجنة، قال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) } [القلم: 34] .

أي: «إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا» 199.

وقال تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) } [مريم: 63] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت