فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 2431

السّحر

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «السّين والحاء والرّاء أصولٌ ثلاثةٌ متباينةٌ: أحدها عضوٌ من الأعضاء، والآخر خدعٌ وشبهه، والثّالث وقتٌ من الأوقات» 1.

والسحر: «الأخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الأمر كما ترى وليس الأصل على ما ترى» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعددت تعاريف السحر لدى العلماء، بسبب كثرة أنواعه المختلفة، قال الشافعي: «والسحر اسم جامع لمعان مختلفة» 3، فكل عالم يعرف نوعًا من أنواع السحر دون غيره، فمنهم من يعرف سحر التخييل فقط، ومنهم من يعرف سحر التفريق فقط، وهكذا.

وقال الطبري: «معنى السحر: تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته» 4.

وعرفه البيضاوي بأنه: «ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس» 5.

ورد الجذر (س ح ر) في القرآن الكريم (63) مرة، وما يخص موضوع (السحر) (60) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف:116]

الفعل المضارع ... 2 ... {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا} [الأعراف:132]

مصدر سماعي ... 28 ... {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} [يونس:81]

اسم الفاعل ... 22 ... {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) } [ص:4]

اسم المفعول ... 6 ... {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) } [الإسراء:47]

صيغة المبالغة ... 1 ... {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) } [الشعراء:37]

وجاء السحر في القرآن على أربعة أوجه 7:

الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب، ومنه قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102] .

الثاني: الكذب، ومنه قوله تعالى: {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116] يعني: بكذب.

الثالث: الجنون، ومنه قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الإسراء:47] يعني: مجنونًا.

الرابع: الصرف، ومنه قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) } [المؤمنون:89] يعني: تصرفون عن الحق.

الخداع:

الخداع لغة:

هو إظهار خلاف ما يخفيه الشخص 8.

الخداع اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، قال ابن القيم: «والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخادع» 9.

الصلة بين الخداع والسحر:

يتفق الخداع مع السحر في قضية إخفاء الحقيقة وإظهار خلافها، لكنه يختلف مع السحر من حيث الحكم والوسيلة، فحكم السحر كفر عند جمهور أهل العلم، بينما حكم الخداع يختلف باختلاف أهدافه، فقد يكون حرامًا وقد يكون حلالًا.

الكهانة:

الكهانة لغة:

كهن له كمنع ونصر وكرم كهانة بالفتح، وتكهن تكهنًا: قضى له بالغيب؛ والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. والعرب تسمي كل من يتعاطى علمًا دقيقًا كاهنًا، ومنهم من كان يسمي المنجم، والطبيب، كاهنًا 10.

الكهانة اصطلاحًا:

ادعاء علم الغيب 11.

وقال ابن تيمية: الإخبار ببعض الغائبات عن الجن 12.

الصلة بين الكهانة والسحر:

من خلال ما سبق يتبين لنا أن هناك فرقًا بين السحر وبين الكهانة من حيث التعريف، ومن حيث الوسيلة، فالكاهن من يدعي علم الغيب متوسلاٍ بالجن أو ببعض ما يزعم أنها استدلالات تعينه على معرفة علم الغيب، بينما الساحر يعتمد اعتمادًا كليًّا على الجن والشياطين فيما يدعيه من علم الغيب 13.

ومن حيث الحكم نجد بأن السحر والكهانة كلٌ منهما محرم شرعًا، وما جاء من أدلة في تحريم السحر، تصلح أيضًافي باب حكم الكهانة.

العرافة:

العراف لغة:

قال الجوهري: «والعراف الكاهن والطبيب» 14.

العراف اصطلاحًا:

قال الخطابي: «هو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها» 15.

وقيل عنه أيضًا: أنه من يدعي علم الغيب، وربما شمل الكاهن والمنجم والرمال 16.

الصلة بين العرافة والسحر:

بينهما تقارب ظاهر بيّنٌ، فالعرافة من حيث ارتباطها بالجن لا تختلف عن السحر، فكلٌ من العرّاف والساحر لا يستغنيان عن الجن والشياطين في أعمالهما الكفرية.

ومن حيث الحكم فالعرافة محرمة كما السحر، وعقوبة العراف القتل مثل الساحر 17.

السحر كلمة تكررت في كل العصور، واستخدمتها كل الأمم، بطرق ووسائل مختلفة، ونسجوا لها القصص والخيالات، ووقف الجميع أمام مسألة السحر، فمن منبهر مصدق معظّم، ومن جاحد مكذب، ومن مصدق لحقيقة السحر، مع اعتقاده بتوقف أثره على مشيئة الله.

وفي هذا المبحث سأناقش مسألة حقيقة السحر، وهل له حقيقة؟ أم أن المسالة لا تعدو أن تكون ضربًا من التمويه والتخييل ليس إلا؟

قال أبو حيان: «واختلف في حقيقة السحر على أقوال:

الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها وتغيير صور الناس مما يشبه المعجزات والكرامات، كالطيران وقطع المسافات في ليلة.

الثاني: أنه خدع ومخاريق وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها ...

الثالث: أنه أمر يأخذ بالعين على جهة الحيلة ...

الرابع: أنه نوع من خدمة الجن، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف أجسامهم وهيئاتها، فلطف ودق وخفي.

الخامس: أنه مركب من أجسام تجمع وتحرق، وتتخذ منها أرمدة ومداد، ويتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل فيما يحتاج إليها من السحر.

السادس: أن أصله طلسمات 18 .. ، تبنى على تأثير خصائص الكواكب ...

قال بعض معاصرينا: هذه الأقوال كلها التي قالوها في حقيقة السحر أنواع من أنواع السحر، وقد ضم إليها أنواع أخر» 19.

الخلاف في هذا المسألة بين جمهور العلماء من جهة، وبين المعتزلة وبعض أهل السنة من جهة أخرى.

فبينما يذهب جماهير العلماء إلى القول بأن للسحر حقيقة، مستدلين بما يلي:

قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102] .

وقال تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] .

وقال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116] .

وقال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) } [الفلق:4] .

فقد ذكر الله تعالى في الآية الأولى نتيجة هذا السحر وهو التفريق بين الزوجين، ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أثر على العلاقة التي تكون بين الزوجين، وهي من أعظم العلاقات.

والآية الثانية بينت أن للسحر حقيقة وأثرًا، إلا أن هذا الأثر متوقف على المشيئة، فلو لم يكن ثم حقيقة وأثر لما كان لذكر المشيئة هنا أي فائدة.

وفي الآية الثالثة يخبر تعالى أنهم أتوا بسحر، وفي هذا دليل على أن للسحر حقيقة.

وفي الآية الأخيرة يأمرنا الله تعالى أن نستعيذ به من شر السحر، ولو لم يكن للسحر حقيقة ولا أثر لما أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به من شره.

يذهب المعتزلة إلى القول بأن السحر لا حقيقة له، وإنما هو من قبيل الخداع والشعوذة والتمويه.

واستدلوا بما يلي:

قال تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف:116] .

وقالوا بأن القضية كانت مجرد تخييل فقط ولا حقيقة لها في الواقع، بدليل قوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66] .

واستدلوا بقوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69] .

وقالوا مادام أنه نفى عنه الفلاح، فهذا يعني أنه ليس على حق، أو لا حقيقة لما معه من السحر.

لكن يقال لهم نفي الفلاح لا يدل على نفي الحقيقة، فنفي الفلاح إنما هو عقوبة وجزاء على هذا الفعل الشنيع.

وقالوا: لو سلمنا بحقيقة السحر لحدث التباس بينه وبين معجزات الأنبياء، فعاد ذلك على المعجزات بالإبطال.

وهذا غير صحيح؛ فإن هناك فرقًا كبيرًا بين معجزات الأنبياء وبين سحر الساحرين.

معجزات الأنبياء سببها النبوة، وأما ما يجري على يد السحرة فسببه الجن والشياطين الذين يستعين بهم الساحر.

كذلك معجزات الأنبياء غير معارضة، ولا يقدر أحد على المجيء بمثلها، بينما سحر السحرة غير سالم من المعارضة.

كذلك معجزات الأنبياء هي تأييد من الله تعالى لهم لهداية البشر، أما السحر فهو إضلال للبشر، وإبعاد لهم عن الله تعالى.

والذي يظهر في هذه المسالة: أن السحر له حقيقة وتأثير، لكن ذلك التأثير متوقف على قدر الله، كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] .

لكن لا يعني هذا أنه لا يوجد من أنواع السحر ما هو تخييل وخفة يد وما شابه ذلك.

قال ابن حجر: «وقال القرطبي السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116] .

مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالًا وعصيًا، ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم» 20.

السحر وتأثيره على الأعيان، وحقيقة ذلك التأثير، ونطاق ذلك التأثير، من المسائل التي تثار في باب الحديث عن السحر.

فهل للسحر تأثير؟

وما حدود ذلك التأثير؟

وهل تأثيره مستقل بذاته أم مرتبط بالمشيئة؟

في هذا المبحث سأجيب على كل تلك التساؤلات.

أما هل للسحر تأثير؟

فنجد الجواب عنه فيما يلي:

قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102] .

فالآية الكريمة تذكر لنا أثرًا من آثار هذا السحر، وهو أنه يؤثر في صرف القلوب المتحابة عن بعضها البعض، فبعد الحب بغض، وبعد القرب والتآلف بعد وتنافر، بل قد يصل الحال بالزوجين إلى الطلاق 21.

ويكون ذلك التأثير من خلال «ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك، أو عقد أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة» 22.

وذكر في الآية التفريق بين الزوجين، ليدلل على أنه ما دام السحر أثر على الزوجين «مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21] » 23، فمن باب أولى أن يؤثر على غيرهما.

قال الشوكاني رحمه الله: «في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سببًا لذلك دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد.

وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر، وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره.

وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب، وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل: ليس للسحر تأثير في نفسه أصلًا، لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] .

والحق أنه لا تنافي بين قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102] وبين قوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] .

فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرًا في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه.

وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة» 24.

وقال القرطبي رحمه الله أيضًامبينًا أن للسحر تأثيرًا في القلوب وتفريقًا بين المتحابين: «ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب، بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام، وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة» 25.

واستدل ابن قيم الجوزية بقوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) } [الفلق:4] على إثبات تأثير السحر 26.

إذن فمسألة تأثير السحر مفروغ منها، وأنها ثابتة وأمر مجمع عليه، وإنما حدث خلاف في حدود ذلك التأثير، وقد بين الشوكاني والقرطبي فيما سبق هذه المسألة بما لا يحتاج إلى مزيد تفصيل.

أيضًا فإننا نجد فيما سبق من كلام الشوكاني رحمه الله إجابة لبقية التساؤلات وهي:

حدود تأثير السحر، وعلاقته بالمشيئة:

فتأثير السحر عام لا يختص بالزوجين فقط، كما أن هذا التأثير خاضع لمشيئة الله تعالى، وليس مستقلًا بذاته، قال تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] .

ومما يدل أيضًا على تأثير السحر قوله تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) } [طه:66 - 68] .

فيذكر الله تعالى هنا أن السحر أثر في العيون، بل وصل الأمر إلى أن خاف موسى عليه السلام، على خلاف في السبب الذي خاف من أجله موسى، أهو خوف طبيعي على نفسه، أم خاف أن يلتبس الأمر على القوم فينصرفوا عن اتباعه 27.

الحق في كل العصور يتعرض لحملات تشويه من قبل أهل الباطل، ومن خلال مطالعتنا لكتاب الله تعالى نجد بأن الكفار قد ألصقوا بالحق كل نقيصة وعيب.

وليتضح هذا الأمر، سأتناول هذه القضية من خلال النقاط الآتية:

أولًا: وصف الكتب المنزلة بالسّحر:

وكما وصف المشركون رسلهم بالسحرة، كذلك فقد وصفوا ما أنزل عليهم من الكتب بالسحر، والغاية هنا هي الغاية هناك، وهي التنفير عن الوحي والرسل، والصد عن سبيل الله، والكذب على الجماهير التي تبحث عن الحق وتطلبه.

وسأذكر هنا نماذج دالة على وصف الكفار للكتب المنزلة بالسحر، فمن ذلك:

قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } [الأنعام:7] .

فيخبر الله تعالى أن الكفار الذين كتب الله عليهم الشقاء في الدنيا، والعذاب والنكال في الآخرة، مهما بذل معهم الرسول من الوسائل والحجج، فسيقابلونها بالتكذيب وينسبونها إلى السحر 28، ولذلك ذكر الله تعالى أن المشركين لو عاينوا تنزيل الكتاب ولمسوه بأيديهم؛ ليتحققوا من أنه ليس بسحر يخدع العيون 29، لما قابلوا ذلك إلا بقولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:7] .

والله يخبر عنهم هنا أنهم سيقولون ذلك جازمين به غير شاكين فيه، فمن يهدي من أضل الله؟!

قال الشوكاني رحمه الله عند تفسير الآية السابقة: «في هذه الجملة بيان شدة صلابتهم في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتابًا مكتوبًا في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة فلمسوه بأيديهم، حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين: حاسة البصر، وحاسة اللمس، لقال الذين كفروا منهم: إن هذا إلا سحر مبين، ولم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا» 30.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } [هود:7] .

يذكر تعالى أن أهل الكفر حينما يسمعون آيات الله تخبرهم بأنهم مبعوثون بعد الموت، فإنهم يسارعون إلى اتهام هذا الوحي المنزل بأنه من قبيل السحر، وليس أي سحر، بل سحر بيّن غاية البيان وواضح غاية الوضوح.

قال الطبري رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [هود:7] : «أي: ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر لسامعه، مبين لسامعه عن حقيقته أنه سحر» 31.

قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) } [سبأ:43] .

وما زال أهل الشرك والتنديد يتخبطون في غيهم وضلالهم، فمرة يتهمون المرسل ومرة يتهمون الرسول، ومرة يتهمون الوحي، وفي هذه الآية الكريمة يتهمون الرسول بأنه صاد عن دين الآباء والأجداد، ثم نراهم مرة أخرى يتهمون الوحي المنزل بأنه إفك افتراه الرسول، وفي آخر المطاف، حينما رأوا بأن الحق يظهر والناس يدخلون في دين الله أفواجًا، نجدهم يتهمون الوحي بأنه سحر واضح بيّن، وربما اقتسموا هذه التهم فيما بينهم، فمنهم من يقول إفك ومنهم من يقول سحر، وهكذا 32.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) } [الزخرف:30] .

حينما أتى الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، لم يكن أمام المشركين والمكذبين إلا طريقان اثنان لا ثالث لهما:

-إما أن يسلموا ويذعنوا للحق.

-وإما أن يكفروا ويجحدوا الحق -مع علمهم أنه حق واضح بين لا مرية فيه-.

لكن هذا الأخير سيوقعهم في حرج، وهو أنهم أمام حق واضح غاية الوضوح، فلا بد من تهمة يلصقونها بالوحي -الحق الذي جاءهم-حتى يبرروا كفرهم وعنادهم، فلم يجدوا أمامهم سوى اتهام الوحي بأنه من قبيل السحر.

قال الطبري رحمه الله: «ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن من عند الله، ورسول من الله أرسله إليهم بالدعاء إليه (ہ ہ ہ) يقول: هذا الذي جاءنا به هذا الرسول سحر يسحرنا به، ليس بوحي من الله (ہ ھ ھ) يقول: قالوا: وإنا به جاحدون، ننكر أن يكون هذا من الله» 33.

فقدحوا -بهذه التهمة الكاذبة- قدحا شنيعا في الوحي الحق؛ حينما جعلوه من قبيل السحر، الذي لا يتعاطاه إلا أخبث الخلق وأرذلهم 34.

وعجيب حال هؤلاء المشركين، نجدهم يتهمون الوحي الذي نزل على الرسول بأنه سحر، ثم نجدهم لا يمانعون أن يتبعوا هذا الوحي نفسه الذي اتهموه بأنه سحر، لكن بشرط أن ينزل على رجل من القريتين عظيم، فيا له من تخبط وتناقض صارخ، قال تعالى عنهم: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف:31] .

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [الأحقاف:7] .

«يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: (ٹ ٹ ٹ) أي: سحر واضح» 35.

فالله تعالى يريد أن يقيم الحجة البالغة على الخلق؛ حتى لا يبقى لمعتذر عذر، لذلك كان الوحي الذي أنزله الله تعالى على رسله في غاية الوضوح والبيان، وكان كله حقًّا لا مرية فيه ولا شك.

لكن من طبع الله على قلوبهم، قابلوا هذا الحق بالصد والاعراض، وألصقوا به التهم الكاذبة؛ ليبرروا كفرهم وعنادهم، فنجدهم هنا يتهمون الوحي المنزل من عند الله بأنه (ٹ ٹ) «يعنون: هذا القرآن خداع يخدعنا، ويأخذ بقلوب من سمعه -منا-فعل السحر (ٹ) ..: يبين لمن تأمله ممن سمعه أنه سحر» 36.

وما ذلك إلا للتملص والهروب من التصديق والإيمان، ولتنفير الناس من الالتفاف حول الأنبياء والرسل والإيمان بما أوحاه الله إليهم من الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت