فهرس الكتاب

الصفحة 1373 من 2431

وأوجز بكلمات جامعات كثيرًا من التطبيقيات للشورى في العهد النبوي والخلافة الراشدة، قال فيه: «شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: (لا ينبغي لنبيٍ يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله) 61، وشاور عليًا، وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن، فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله، وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) 62. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه بعد عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورةٍ؛ إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) 63. وكان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولًا كانوا أو شبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل» 64.

وفي كتب السنة مجموعةٌ كثيرة وفيرة من الأحاديث في الحث على الشورى، وبيان أثرها وحكمتها، ولكنها أقل مرتبةً مما أوردته آنفًا من الأحاديث الشريفة، فلا حاجة للاستكثار منها، وحسبنا هذه الأحاديث المقبولة في الاحتجاج 65.

ثانيًا: المذهب الثاني: الندب والاستحباب:

ويرى أصحابه أن الشورى ليست واجبة على ولي الأمر أو الحاكم ورئيس الدولة، وإنما هي مندوبة ومرغب فيها؛ تطييبًا للخواطر والنفوس، وتأليفًا للقلوب، فلا يأثم بتركها.

وهذا المذهب نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله، وروي مثله عن بعض العلماء من السلف: قتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والحسن البصري، ومحمد ابن إسحاق رحمهم الله 66.

أدلة المذهب:

استدل هذا الفريق بالآيات الكريمة التي استند إليها القائلون بالوجوب، ولكنهم حملوها على الندب والاستحباب، كما استدلوا بأدلة أخرى كالإباحة وعدم وجود الدليل الموجب، وهذه جملة أدلتهم:

قول الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: إن هذا الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمة، وهو عامٌ للرسول وغيره، ولكنه كان تطييبًا لنفوس أصحابه ورفعًا لأقدارهم، وروي مثله عن قتادة، والربيع، ومقاتل، وابن إسحاق 67.

قال الفخر الرازي رحمه الله: «ظاهر الأمر للوجوب، فقوله: {وَشَاوِرْهُمْ} يقتضي الوجوب. وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال: هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (البكر تستأمر في نفسها) 68. ولو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك؛ تطييبًا لنفسها، فكذا هاهنا» 69.

ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: «إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله؛ فإن الله لم يجعل هذا لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 70.

وأشار أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي رحمه الله إلى أقوال العلماء في الآية ودلالتها، فقال: «اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه فيه:

فقالت طائفة: أمر الله أن يشاورهم في مكائد الحروب وعند لقاء العدو؛ تطييبًا لنفوسهم، وتألفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم، ويستعين بهم، وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحيه، روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق.

وقال آخرون: إنما أمر بمشورتهم فيما لم يأته فيه وحي؛ ليبين لهم صواب الرأي، روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: «ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل» ، قال الحسن البصري: «وما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم» 71.

«وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه مع غناه عنهم بتدبيره تعالى له وسياسته إياه؛ ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل، قال سفيان الثوري: وقد سن رسول الله الاستشارة في غير موضع، استشار أبا بكر وعمر في أسارى بدر، واستشار أصحابه في يوم الحديبية» 72.

والخلاصة أن الآية الكريمة فيها دلالة على الوجوب؛ لأنها بصيغة الأمر، والأمر يدل على الوجوب، ولكن القرينة صرفته عن الوجوب إلى الندب؛ لأن استشارة النبي عليه السلام لأصحابه كانت إكرامًا لهم، وتطييبًا لنفوسهم، والأحاديث التي وردت فيها لم تكن بصيغة تدل بوضعها على الوجوب والإلزام، والحكمة من مشاورة النبي للصحابة هي أن يستن بها من بعده من الحكام، وكل ذلك يصرف الأمر في الآية الكريمة عن الوجوب إلى الندب والاستحباب في رأي هذا الفريق من العلماء -رحمهم الله تعالى-.

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 38 - 39] .

فإن هذا وصفٌ خبريٌ لحال طائفة مخصوصة لا يدل على الوجوب، فأكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمودٌ عند الله تعالى 73.

ونقل الإمام البيهقي عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} «قال: قال الحسن البصري: إن كان النبي عن مشاورتهم لغنيًا، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، ثم قال: وإذا نزل بالحاكم أمرٌ يحتمل وجوهًا، أو مشكلٌ انبغى له أن يشاور من جمع العلم والأمانة» 74.

ومن الأدلة على أنها مندوبة وليست واجبة: أن الأصل هو الإباحة وعدم الوجوب إلا بدليل، وما ذكر من النصوص لا يدل على الوجوب، فبقيت المسألة على الأصل وهو الندب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الشورى في مواضع منها: صلح الحديبية، وقتال بني قريظة، وغزوة تبوك، وكذلك الخلفاء الراشدون تركوا الشورى في بعض المسائل، فأبو بكر رضي الله عنه لم يشاور في إنفاذ جيش أسامة، ولم يشاور في حروب الردة، وقتال مانعي الزكاة، وكذلك في مواقف لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يشاور فيها 75.

ثالثًا: المناقشة والترجيح:

والناظر في أدلة الفريقين يجد أدلة الفريق الأول قويةً تنهض في الدلالة على الوجوب، وقد تأيدت وجوه الدلالة فيها بالقواعد الأصولية والمقررات العقلية والفطرية ومقاصد الشريعة، وهي سالمة من الاعتراضات المؤثرة.

بينما أدلة المذهب الثاني لا تنهض للحجية في هذه المسألة؛ لأمور كثيرة منها:

أن ما ذكروه من قرائن لا تصلح لصرف الأدلة عن الوجوب، فتطييب النفوس بالشورى، يقتضي الوجوب لا الندب، فكيف تطيب نفوسهم إذا علموا أن ذلك ليس واجبًا، وأن رأيهم لا يجب الأخذ به في مجال الاختصاص؟ كما سيأتي في مسألة الإلزام بنتيجة الشورى أو عدم الإلزام.

كما أن تنوع أدلة القرآن الكريم ومناهجه في بيان الواجب، وعدم اقتصارها على صيغة الطلب المباشر -كما تقدم- ترد على القول بالندب، وعلى تأويلهم للنصوص الواردة في الشورى.

وأما الوقائع التي ذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام ترك فيها الشورى، كما تركها أيضًا الخلفاء في مواضع أخرى، فهي كلها مما لا يدخل في نطاق الشورى لوجود النص الموحى به فيها، فكان ذلك خارجًا عن نطاق الشورى ومجالها.

كما أن دليل الإباحة الأصلية هنا لا يفيدهم فيما ذهبوا إليه؛ لأن الأدلة النصية أخرجته عن الإباحة والبراءة الأصلية أو الندب إلى الطلب الدال على الوجوب للأدلة والوجوه المذكورة.

ولعل بعضهم يقيس سلطات الخليفة أي: رئيس الدولة على سلطة النبي صلى الله عليه وسلم، فيجعل الشورى ليست واجبة على النبي لأنه غنيٌ عنها بالوحي، ثم يقيس عليها سلطة الخليفة، فلا تكون الشورى واجبة عليه، أو يقول: إن الخليفة يشترط فيه العلم والاجتهاد في الأحكام الشرعية؛ ولذلك لا يجب عليه تقليد غيره، فكذلك لا تجب عليه الشورى، وهذا القياس كله قياسٌ مع وجود فوارق كثيرة، فلا يصلح الاستدلال به.

وبذلك تبقى أدلة الوجوب قويةً سالمة عن الاعتراض، بينما أدلة الندب والاستحباب عليها اعتراضات قوية مؤثرة، والله أعلم 76.

ثانيًا: هل الشورى ملزمة أو مخيرة؟

وبعد أن انتهى البحث إلى أن الشورى دعامة من دعائم النظام الإسلامي، وواجب من واجبات ولي الأمر أو رئيس الدولة، فإنه ينبغي معرفة موجب الشورى والالتزام بالنتيجة التي تنتهي إليها المشاورة، هل هي ملزمة لرئيس الدولة، فيجب عليه الأخذ بها، والعمل بمقتضاها، والتقيد بما اتفق عليه أهل الشورى أو غالبيتهم، ويقال عندئذ: إنها ملزمة أم أنها غير ملزمة له، فيكون بالخيار بين أن يأخذ بها أو أن يتركها ويأخذ بما يراه، ويقال عندئذ: إنها معلمة غير ملزمة؟

ومن الجدير بالذكر هنا أنه ينبغي التفريق بين هذه المسألة في الإلزام وسابقتها في الوجوب، فهما قضيتان مختلفتان، فلا يجوز أن نسحب حكم إحداهما على الأخرى، كأن نقول: إن الشورى واجبة فتكون ملزمة؛ وذلك لأنها قد تكون واجبة الإجراء ليستطلع الآراء ويختار ما يراه أصلح، أو لا يرى فيها ما هو كذلك، فيأخذ برأيه ويعرض عن غيره؛ ولذلك لا يسوغ الخلط بينهما، وتجدر الإشارة هنا والتأكيد على أن الإلزام والالتزام يقتضي الوجوب، أما الوجوب فلا يقتضي الإلزام 77.

ولذلك نعرض أقوال العلماء في هذه المسألة، وهي لا تخرج عن قولين يمثلان مذهبين يقول أحدهما بالتخيير وعدم الإلزام، ويقول الثاني بالإلزام؛ وذلك في فقرتين، يتلوهما فقرة ثالثة لتحرير محل الخلاف والتعقيب فيها على الرأيين للتوفيق بينهما، وبالله التوفيق.

أولًا: المذهب الأول: عدم الإلزام بنتيجة الشورى:

ذهب فريق من العلماء إلى أن الشورى معلمة وليست ملزمة لولي الأمر أو رئيس الدولة الذي يطلب الرأي، ويستشير في الواقعة؛ فقد يأخذ برأي أهل الشورى إذا اتفقوا، وقد يخالفهم الرأي، فلا يجب عليه أن يأخذ برأيهم، ومن باب أولى إذا اختلفوا في الرأي ولم يتفقوا، فقد يأخذ هنا برأي بعضهم دون رأي الآخرين، وقد يترك آراء الجميع، ويأخذ برأي مخالف متى كانت الشروط متوفرة فيه، وأهمها العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل، والعدالة الجامعة لشروطها، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح، وغيرها من الشروط 78.

وكأن المسألة مفروضةٌ في هذه الحال؛ إذ كانت القاعدة العامة والأصل المستمر في الولاية تتفق مع هذا التقييد.

وهذا القول يفهم من كلام الإمام أبي جعفر الطبري، ومما نقله عن قتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والحسن البصري، ومحمد بن إسحاق، وهو أيضًا قول بعض المفسرين، وهو رأي الذين قالوا بعدم وجوب الشورى على الحاكم أو رئيس الدولة كما تقدم 79. وقال به فريق من العلماء المعاصرين والباحثين 80.

أدلة المذهب:

استدل أصحاب هذا المذهب بجملة أدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، ومن وقائع السيرة، وأعمال الخلفاء الراشدين، وبأدلة من المعقول.

فمن القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

فقد أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يشاور أصحابه، فإذا صح عزمه على شيء فليتوكل على الله في إنفاذه لا على الشورى، وهذا يعني أنها غير ملزمة.

قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} : «فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم؛ فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوًى أو خالفه» 81.

وقال الإمام القرطبي رحمه الله في ذلك: «والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلًا عليه؛ إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية، قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم» 82.

ومن السنة النبوية: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر و عمر رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) 83. ويفهم منه أن النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ برأيهما ولو خالفا في الرأي أغلبية الصحابة، أي: فلا يلتزم برأي أغلبية الصحابة 84.

ومن وقائع السيرة النبوية: أن كثيرًا من وقائع الشورى في العهد النبوي تدل على أنها غير ملزمة في نتيجتها، فقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسرى بدرٍ ومال إلى رأي أبي بكر الصديق، وفي صلح الحديبية لم يأخذ بما رأوا في عقد الصلح، وفي شروطه، وفي بعض القضايا الأخرى، وكذلك في أمور عامة وفي أمور شخصية خاصة، لم يأخذ برأي أغلبيةٍ مثلًا في كثير من هذه المواطن، وإنما أخذ برأي بعضهم دون رأي الآخرين، وفي بعض المواطن أخذ برأي الأكثرية دون غيرها، وفي كل الأحوال أخذ عليه الصلاة والسلام بما رآه هو واطمأنت إليه نفسه 85.

ومن الوقائع في عهد الخلفاء الراشدين، أو من السوابق في ذلك: أن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم لم يتقيدوا بالشورى، ولا برأي الأغلبية 86.

فأبو بكر الصديق لم يأخذ برأي الذين أشاروا بعدم قتال مانعي الزكاة 87، وفي عدم إنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى الحرب في الشام لمواجهة التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على الدين، فقد عارضه جماعة من الصحابة، ولكنه لم يأخذ برأيهم وأنفذ الجيش بقيادة أسامة -رضي الله عنهم جميعًا-88، وعمر بن الخطاب لم يأخذ برأي أهل الشورى أو الذين اعترضوا عليه في قسمة أرض السواد في العراق والشام 89، وفي قضايا أخرى غيرها.

وعثمان بن عفان لم يأخذ بما أشار عليه بعض ولاته في استعمال الشدة مع أصحاب الإشاعات حول سياسته في أواخر عهده.

وعلي بن أبي طالبٍ لم يأخذ بمشورة الصحابة الذين أشاروا عليه بألا يعجل بعزل ولاة الأمصار بعد أن بويع بالخلافة، وذلك حتى يتم له الأمر ويستقر الحكم 90.

ومن الأدلة العقلية: أن رئيس الدولة أو الخليفة هو صاحب السلطة العامة والرياسة العليا في الدولة، فلا يصح أن يلزم برأي غيره ولو كانوا أكثرية؛ لأن الأكثرية لا تدل على صحة الرأي، وليست معيارًا في ذلك، والخليفة تجب له الطاعة، فلا يصح أن نلزمه هو بطاعة أهل الشورى 91.

الخلاصة: فهذه الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذه الأمثلة من أسلوب الخلفاء الراشدين، والأدلة العقلية والمنطقية تبين لنا -وفق مذهبهم- أن رأي أهل الشورى غير ملزم لرئيس الدولة في الإسلام، فإذا كان واجبًا عليه أن يستشير أهل الشورى والرأي في الأمور، فإنه ليس واجبًا عليه أن يستجيب لما أشاروا به عليه، بل له أن ينفذ ما استقر عزمه عليه دون أن يعني ذلك أنه متفرد يستبد في الأمر؛ لأنه كان مقيدًا بأحكام الشريعة، وكان يعطي الأمة الحق في مراقبته وتقويمه، مع شعوره بالمسؤولية أمام الله تعالى وأمام الأمة 92.

ثانيًا: المذهب الثاني: الإلزام بنتيجة الشورى:

ذهب فريق من علماء السلف وجمهور الباحثين المعاصرين إلى أن الشورى ملزمة لولي الأمر أو رئيس الدولة، فيجب عليه أن يأخذ بالنتيجة التي وصل إليها أهل الشورى باتفاقهم أو بأغلبيتهم، بعد تقليب وجوه الرأي، ومناقشة المسألة المعروضة من كل وجوهها، فإن العزم هو الأخذ بما أشار به أهل الشورى الذين يسمون كذلك «أهل الحل والعقد» فإذا عقدوا أمرًا واتفقوا عليه، أو اتفق الأغلبية، كان من الواجب الالتزام بذلك، فهي إذن ملزمة بعامة 93.

أدلة المذهب:

استدل أهل هذا الرأي بأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، ومن الوقائع في السيرة النبوية، ومن عمل الخلفاء الراشدين، ومن العقل ومقاصد تشريع الشورى، وبعض هذه الأدلة النصية هي نفسها التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، ولكن اختلفوا في وجه دلالتها والاستنباط منها، وكيفية العمل بها.

فمن القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويستقيم على أمر الله ويتوكل على الله 94.

والمشاورة لها وقت معلوم، وهو وقت الدراسة والفحص، فإذا تمت المشاورة وجب الأخذ بالعزيمة في الأمر والإقدام على العمل 95.

قال الإمام أبو بكر الرازي الجصاص: «وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة، وأنه لم يكن فيها نصٌ قبلها» 96.

وقال ابن عطية الأندلسي: «والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه، وأنفذه متوكلًا على الله؛ إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية» 97.

فإذا تبين السداد فيما يجب أن يسلكه فعزم على تنفيذه، سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأيًا آخر لاح له سداده، فليبادر ولا يتأخر وليتوكل على الله 98.

ومن السنة النبوية: ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم في قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] . فقال:(مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم) 99.

وهذا تفسيرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم للآية الكريمة يدل على وجوب الانتهاء إلى الرأي بعد الشورى.

وهو من أعلى أنواع التفسير وأجدره بالقبول؛ فإن السنة شارحة للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن 100.

ومن الوقائع والسوابق في السيرة النبوية: ما تقدم في تطبيقات الشورى في العهد النبوي، وفي الغزوات بخاصة. ففيها دلالة على أن الشورى ملزمة، وينبغي على رئيس الدولة أن يلتزم بنتيجتها، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المشاورة واجبةً قبل العمل، وكثيرًا ما كان يرى الرأي قبل الحرب، ويشير بعض أصحابه إلى رأي آخر، كما حدث في المنزل الذي اختاره للقتال في غزوة بدر، فنبهه بعض الصحابة إلى غيره، فعدل عنه بعد أن اقتنع.

وقرر في غزوة أحدٍ أن يبقى في المدينة، ورأى ذلك الرأي شيوخ المدينة، ولكن شبابها -وخصوصًا الذين لم يحضروا بدرًا- رأوا غير ذلك، وكانوا الكثرة، فنزل عند رأيهم، وإن كان رأيه غير رأيهم؛ لأنه يشير على نظام الشورى، ويربي الأمة عليه، ويبتدئ هو بفرض الخطأ في رأيه، ولا يفرض الصواب دائمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت