فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 2431

وقيل: في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها؛ لأنه إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلبًا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، وقيل في معنى الآية: إنكم إن كرهتموهن ورغبتم في فراقهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرًا كثيرًا؛ وذلك بأن تخلص من هذا الزوج الكاره لها وتتزوج غيره خيرًا منه 44.

2.الإكراه في البيوع.

أصل القرآن الكريم لحرمة أكل المال وبين الاستثناء في تداول وتبادل المال في ذلك، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] .

يقول العلامة ابن عاشور 45 في تفسيره للآية: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة أكل الأموال في التجارة، و {عَنْ} فيه للمجاوزة، {تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي: صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول، وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئٍ يعني مسلمًا إلا بطيبٍ من نفسه) 46.

من الملاحظ أن الله عز وجل لم يذكر صيغة التراضي في القرآن الكريم سوى أربع مرات، ثلاثة في الأحوال الشخصية وواحدة في المعاملات، والتراضي: «هو الرضا من الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف، وهو أساس العقود بصفة عامة، وأساس المبادلات المالية بصفة خاصة، فلا بيع ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا» 47.

ويعطينا ذلك دلالة كافية وواضحة على أهمية تحقق شرط التراضي في المعاملات الشخصية والمالية، بحيث يتحقق التراضي من المتعاقدين؛ وذلك لما يترتب عليه من آثار ونتائج، والتراضي هو الحالة المقابلة للإكراه فلا يمكن في حالة البيوع والتداول والتجارة أن يكون أحد الأطراف المتعاقدة مكرهًا، بل إن التراضي بينهم شرط أساسي لصحة عقد البيع والتجارة.

1.كما بين السياق القرآني أنواع الإكراه ووضحته فيما سبق، فإن السياق القرآني بين الأسباب والأمور التي تدفع بالمكره؛ ليأخذ حكم الإكراه في المسألة الحاصلة، وكذلك بين السياق القرآني الأسباب التي تبين سبب إكراه المكره للمكره، وسبب كونه أكرهه على فعل المكره عليه وجعله مكرهًا عليه:

أولًا: الفتنة في الدين:

من المعلوم أنه لا فتنة، ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه، ولقد حذرنا الحق سبحانه وتعالى من هذه الفتنة، وحرضنا لتجنبها، ولأن الفتنة في الدين لها صور وأشكال متعددة، فقد عالجها القرآن الكريم من خلال عرض السياق القرآني لمسألة الفتنة في الدين بالإكراه باختلاف نوع المكرَهين أو المكرِهين، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي:

1.الفتنة في الدين بالإكراه في حق المؤمنين.

وفيه حالتان:

الحالة الأولى: إكراه الله عز وجل للمؤمنين في فريضة الجهاد، وتكريهه لهم الكفر والفسوق والعصيان:

لقد ابتلى الله سبحانه أهل الإيمان بأحكام وتكليفات، وإن كانت أنفسهم غير راضية عن أدائها والصب على مشاقها، ولكنها تحمل الخير لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت