أولًا: المعنى اللغوي:
اختلف في جذر الصلاة، فمن علماء اللغة من رجح كون الكلمة منحدرة من الجذر «ص ل ي» وهي بمعنى الصلي بالنار، يقال: صليت العود بالنار إذا لينته؛ لأن المصلي يلين بالخشوع 1، ومنهم من رجح انحدارها من الجذر «ص ل و» لأن جمعها الصلوات، والتثنية منها صلوان 2، وكلا الجذرين اشتركا في إدراج المعنى العام للصلاة، والصلاة من الله تعالى: الرحمة والثناء، وتأتي من المخلوقات بمعنى الاستغفار والدعاء 3.
قال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم. يقال: قد صلي واصطلى إذا لزم، والصلاة لزوم ما فرض الله تعالى، والصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسمٌ يوضع موضع المصدر، أقول: صليت صلاةً ولا أقول: تصليةً، وهي العبادة المخصوصة، ولأن أصلها الدعاء فسميت ببعض أجزائها، وقيل: أصلها في اللغة التعظيم، وسميت الصلاة المخصوصة صلاةً لما فيها من تعظيم الرب تعالى 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفت الصلاة بأنها: «عبارة عن أركان مخصوصة، وأذكار معلومة، بشرائط محصورة في أوقات مقدرة، وقد عرفها أهل الفقه أيضًا بأنها: «أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة» 5.
والمتأمل في التعريفين اللغوي والاصطلاحي يجد تناغمًا بينهما؛ فالصلاة المفروضة تجتمع فيها أغلب المعاني اللغوية، فهي دعاء واستغفار وتعظيم لله تعالى، وتقتضي التزامًا ونظامًا، وأثرها في تليين القلب وتقويم السلوك واضح وثابت في النصوص الشرعية.
وردت مادة «صلو» في القرآن الكريم (99) مرة 6.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) } [القيامة:31]
الفعل المضارع ... 6 ... {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران:39]
الفعل الأمر ... 3 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) } [الأحزاب:56]
المصدر ... 83 ... {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]
اسم الفاعل ... 3 ... {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) } [المدثر:43]
اسم مكان ... 1 ... {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]
وجاءت الصلاة في القرآن على أربعة وجوه 7:
أحدها: بمعناها اللغوي وهو الدعاء والاستغفار: ومنه قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] . يعني: ادع واستغفر لهم.
الثاني: بمعنى المغفرة والرحمة: ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157] .
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب:43] .
والثالث: الصلاة بمعناها الشرعي: ومنه قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء:78] . وهي الغالب في الاستعمال القرآني.
الرابع: موضع الصلاة: ومنه قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج:40] . يعني: بيوت الصلاة ومواضعها.
الدعاء:
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة «د ع و» التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى 8.
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الدعاء والصلاة:
المفردتان متقاربتان في المعنى، فالصلاة أصلها دعاء وابتهال إلى الله ليغفر الذنوب، وفريضة الصلاة تتضمن الدعاء في تفاصيلها ولا تقوم دونه.
العبادة:
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه، وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه 9.
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» 10.
وقال الراغب: «العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى» 11.
الصلة بين العبادة والصلاة:
العبادة أعم من الصلاة، فالصلاة نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
كل المخلوقات في هذا الكون عباد لله عز وجل، وإن اختلفت طرائق عباداتهم.
قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) } [النور:41] .
وقد ذكر بعض العلماء أن الصلاة بمفهومها الاصطلاحي المعروف هي لبني آدم، أما التسبيح الذي هو التنزيه والتعظيم فلسائر الخلق 12.
وذكر الثعلبي تأويلين آخرين للآية بعيدًا عن تصنيف الصلاة للبشر والتسبيح لمن سواهم، أحدهما: أن كل مصل ومسبح قد علم الله صلاته وتسبيحه، والثاني: أن كل مسبح ومصل منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه الله، وقد علم كل منهم صلاة الله من تسبيحه، وعلى هذا فالصلاة والتسبيح غير مقصورين على أحد 13.
وقد نقل الماوردي قولًا آخر، وهو احتمال أن يكون المقصود في الآية الطير على وجه الخصوص وأن ضرب أجنحتها صلاة وأن أصواتها تسبيح، وأنه قد تكون للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود 14.
قال الشوكاني: «وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك، أن صدور هذا التسبيح هو عن علم علمها الله ذلك وألهمها إليه، لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه وعظيم شأنه، كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة له» 15.
وقال المراغي: «إن كل مصل ومسبح يعلم ما يجب عليه من الصلاة والتسبيح اللذين كلف بهما، وليس بالبعيد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، انظر إلى النحل كيف تبنى بيوتها السداسية الأشكال التي لا يتمكن من بنائها فطاحل المهندسين إلا بدقيق الآلات، وإلى العنكبوت كيف تفعل الحيل اللطيفة لاصطياد الذباب» 16.
وقد ثبت سجود جميع المخلوقات لله تعالى، قال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج:18] .
وقد ذهب علماء التفسير إلى أن جميع مخلوقات الله من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، تسجد لله تبارك وتعالى، وقوله: {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} [الحج:18] .
إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مسخرة له عز وجل 17.
ومذهب أهل السنة أن لله علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية كما قال عز وجل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .
فيجب على المرء الإيمان بذلك وأن يكل علمه إلى الله تعالى 18.
وفي الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن) 19.
وقد وصف سيد قطب تناغم المخلوقات في كل الكون واجتماعها على العبادة والتسبيح وهي متجهة جميعًا إلى الله تعالى، ثم قال: «والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة!» 20.
فالحق سبحانه وتعالى حين يعرض قضية التسبيح والخضوع والقهر من المخلوقات جميعًا لله يأتي الكلام عامًا لكل الأجناس بدون استثناء، إلا عندما يكون الكلام عن الناس فيوصف بالعبادة بعض الناس فقط! والأجدر أن يكون الإنسان هو المدرك الأكبر لفضل الله وعظمته فهو المميز بنعمة العقل دون غيره 21.
الصلاة هي أحب الأعمال إلى الله، وقد ورد في فضلها نصوص كثيرة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: (أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني) 22.
ولعل من أسباب أهمية الصلاة ما تتضمنه من مقاصد شرعية عظيمة، ومن تلك المقاصد ما يأتي 23:
1.تحقيق مبدأ الامتثال والانقياد في نفس المصلي.
وتعويده على الطاعة والتعبد والانتظام في منهج التكليف والاستخلاف، وتجديد العهد بالله تعالى في كل صلاة، وهذا المبدأ هو أساس معنى الإسلام، فالإسلام قائم على الاستسلام لله والخضوع له وحده لا شريك له والانقياد له بالطاعة، والإنسان بطبيعته بحاجة إلى أن ينقاد إلى إله يلجأ إليه ويتذلل له، والله تعالى هو الإله الحق المستحق للعبادة وهو المتفضل علينا بسائر النعم، وفي فرض الصلاة تمرين للنفس على النظام والالتزام.
قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] .
أي: هي مفروضة علينا حسب الأوقات التي حددها الشارع الحكيم 24، ولا يخفى ما في التزام النظام من استقرار نفسي و رقي سلوكي.
2.إصلاح النفس وتهذيبها، وتخليصها من الفواحش والمنكرات والهواجس والأوهام.
وهذه هي نتيجة الإخلاص والالتزام والخشوع في أداء الصلاة، فإن أقامها المؤمن باطمئنان وسكينة وتذكرٍ للرب العظيم الذي يقف بين يديه فسينتفع بثمراتها لا محالة.
قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] .
والمعنى أن الصلوات الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب، كما جاء عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول: ذلك يبقي من درنه، قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا) 25.
وذكر القرطبي في تفسيره أن ما يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي 26.
وذكر ابن عاشور أن أقوال الصلاة وأفعالها تعمل كمذكرات بالله تعالى وتكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله 27.
قال ابن تيمية: «نفس فعل الطاعات يتضمن ترك المعاصي ونفس ترك المعاصي يتضمن فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة تضمنت شيئين أحدهما نهيها عن الذنوب والثاني تضمنها ذكر الله» 28.
3.انشراح الصدر وطمأنة القلب وإراحة البال.
وهذه ثمرة عظيمة من ثمرات الصلاة، فالإنسان المؤدي للصلاة في أوقاتها ويراعي شروطها وأركانها يستنير قلبه وتنفرج أساريره ويطمئن قلبه، ويتعطش لها إذا ما أجبرته الظروف للتأخر عنها، فتتكدر نفسه ولا يهدأ إلا بها، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال لبلال رضي الله عنه: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) 29.
كما شرعت الطهارة والصلاة للغضبان والمصاب والمكروب وغيرهم، فقد قال المولى تبارك وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد:28] .
أي: تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين بتذكر الله في القلب وذكره على اللسان، وهذا ما يتحصل للمؤمن حين يصلي 30، فالأساس في الصلاة هو الذكر، {فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] .
وقد استخدم القرآن الكريم الأداة «ألا» للتنبيه على أهمية ذكر الله والإغراء على ذلك الذكر الجالب للطمأنينة 31.
وقد ذكر الشعراوي في تفسيره للآية: «أن الاطمئنان مستوعب لكل القلوب؛ فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه؛ وما أن يذكر الله حتى يجد الاطمئنان ويتثبت قلبه» 32.
وفي السجود له سبحانه قرب وأنس، قال تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) } [العلق:19] .
وهذا القرب الحاصل في الصلاة قد لا يحصل في غيرها، فالسجود استكانة واطمئنان والتجاء يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لرغباتهم 33.
4.تحقيق الآثار الاجتماعية والإنسانية وتنميتها؛ كالأخوة والمساواة والتضامن.
ونفي الفرقة والتمييز المبني على اختلاف الجنس أو اللون أو الغنى أو الجاه أو المحسوبية أو ما شابه ذلك؛ فكل الناس موقوفون أما الخالق الكريم، يرجون رحمته ويخشون عذابه، وتجمعهم للصلاة فرصة عظيمة للتآلف والتضامن، فيتبادلون السلام والسؤال عن بعضهم بعضًا، كما يتشاورون في أمورهم الاجتماعية والحياتية، وقيام المسلم للصلاة بين يدي خالقه يساهم في توفير الإشباع الذاتي لحاجة الانتماء الاجتماعي؛ من خلال إحساسه بالانتماء إلى العقيدة الدينية ومشاركته ملايين المسلمين في أداء الفريضة، وهذا مما يساعد في زوال أمراض الشعور بالنقص، والتي قد تتولد لدى الفرد نتيجة مهنة بسيطة أو طبقة متدنية، وهذا يساهم في رفع الشعور بالمساواة لدى الفرد، فيشعر الفقير أنه كالغني، والقوي أنه كالضعيف، وتزال الحواجز الدنيوية البغيضة التي تفرق بين أبناء الأمة، الأمر الذي يزيد من تقبل الأدنى لذاته ورضاه عن واقعه، كما يشعر المصلي بأنه واحد من ملايين من البشر قد اتجهوا نحو مكان واحد لعبادة رب واحد وأداء عمل واحد هو الصلاة، وهذا الشعور يقوي عنده الإحساس بالقوة والعزة.
والصلاة لها آثار إيجابية على المسلم، فهي الجالبة لتوفيق الله عز وجل في أمور الدراسة والعمل والزواج وكل ما يهم الإنسان، وهي المتسببة الأولى في رضا الوالدين، وصحبة الصلاة والمسجد خير صحبة، فهم حفظة القرآن والمتخلقون بالخلق الحميد، الذين يدلون على فعل الخير، ليسوا كصحبة السوء الذين يدفعون بأصحابهم إلى فعل القبائح والبعد عن الخير والفلاح.
اقترنت الصلاة ببعض أعمال البر، ومن تلك الأعمال: الزكاة.
إن أغلب آيات الأمر بالزكاة جاءت بعد الأمر بالصلاة في نفس الآية.
قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43] .
وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة:18] .
وقد أرجع بعض العلماء هذا الارتباط إلى أهمية هاتين الفريضتين، فهما من أعظم الفرائض التي حث الإسلام على أدائها، حيث إن الصلاة هي الركن الثاني في الإسلام بعد الشهادتين، والزكاة هي الركن الثالث، كما أن الصلاة حق الله والزكاة حق العباد وحق الله، والصلاة هي العبادة البدنية والمعنوية، والزكاة عبادة مالية ومعنوية 34.
ولعل الصلاة والزكاة تشتركان في مفهوم التحرر من العبودية؛ فالصلاة تحرر من العبودية للمخلوقات والمصالح إلى عبودية الله رب الأرباب، والزكاة تحرر من عبودية المال والشهوات، هذه العبودية التي تستذل النفوس، وتنكس الرؤوس، فيتحرر الإنسان بها من الحرص الذي يذل أعناق الرجال 35.
واقترنت الصلاة بالصبر في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45] .
وقوله عز وجل: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) } [الحج:35] .
وقوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) } [الرعد:22] .
وهذا الاقتران يدلل على أهمية الأمرين، ويلاحظ في الآيات التي قرنت الصلاة بالصبر ذكر الصبر قبل الصلاة ولعل ذلك ترتيب منطقي؛ فالصلاة تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، فحسن أن يأتي ذكر الصبر قبلها، والله أعلم.
قال الأصفهاني: «والصلاة أرفع منزلة من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة، ولهذا قال عز وجل: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45] . وخصها برد الضمير إليها دون الصبر» 36.
لكن بعض العلماء أرجع السبب في رد الضمير إلى الصلاة كون الصلاة أعم من الصبر، فهي تتضمن الصبر والخشوع والتذلل وغير ذلك من لوازم الصلاة 37.
الصلاة عمود الدين، وثاني أركان الإسلام، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة، وقد تنوعت الأساليب القرآنية في الحث على إقامتها والالتزام بها، وخاطب الله تعالى عباده بأسلوب الأمر تارة، وبأسلوب الثناء تارة، وبأسلوب الذم للتاركين تارة، كما سيأتي:
أولًا: أسلوب الأمر:
جاء الخطاب القرآني الداعي إلي إقامة الصلاة بصيغة الأمر مرات كثيرة، من ذلك استخدام فعل الأمر في قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43] .
وقوله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) } [البقرة:110] .
وقوله: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب:33] .
وكذلك أتى الأمر بالصلاة بصيغة الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين 38.
قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] .
وكذلك أتى الأمر عن طريق أسلوب المضارع المقرون بلام الأمر، تأمل قول الله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء:102] .
والأمر بكافة صيغه الواردة يقتضي وجوب المأمور به، والمبادرة بفعله فورًا، ومن الأدلة على أن الأمر يقتضي الوجوب قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .
ووجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة، أي زيغ، أو يصيبهم عذاب أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك، وقد قال الله عز وجل في شأن الصلاة على وجه الخصوص: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [مريم:59] .
والغي لمن أضاع الصلاة دلالة على وجوبها، ومن الأدلة على أن الأمر للفور قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148] .
والمأمورات الشرعية خير، والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة إلا إذا جاء دليل يصرفها عن ذلك 39.
ثانيًا: أسلوب الثناء على المقيمين لها والآمرين بها: