فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 2431

وبين له سبحانه وتعالى المقصد من الوحي، فقال: كما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا؛ لتنذر أهل (مكة) ومن حولها من سائر الناس، وتنذر عذاب يوم الجمع، وهو يوم القيامة، لا شك في مجيئه، الناس فيه فريقان: فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم فريق في النار المستعرة، وهم الذين كفروا بالله، وخالفوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .

وقال سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: وأنذر -أيها الرسول- الناس الذين أرسلتك إليهم عذاب الله يوم القيامة، وعند ذلك يقول الذين ظلموا أنفسهم بالكفر: ربنا أمهلنا إلى وقت قريب نؤمن بك ونصدق رسلك، فيقال لهم توبيخًا: ألم تقسموا في حياتكم أنه لا زوال لكم عن الحياة الدنيا إلى الآخرة، فلم تصدقوا بهذا البعث؟ قال تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44] .

ثانيًا: أغراض الإنذار:

1.الدعوة إلى توحيد الله عز وجل:

لقد جاءت الرسالة؛ لإقرار التوحيد في حياة الناس جميعًا، قال الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: قل -أيها الرسول- لقومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يحل بكم؛ بسبب كفركم به، ليس هناك إله مستحق للعبادة إلا الله وحده، فهو المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهار الذي قهر كل شيء وغلبه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65] .

يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذرٌ لست كما تزعمون، وما من إلهٍ إلا الله الواحد القهار، أي: هو وحده قد قهر كل شيءٍ وغلبه، رب السموات والأرض وما بينهما، أي: هو مالكٌ جميع ذلك، ومتصرفٌ فيه، العزيز الغفار، أي: غفار مع عظمته وعزته 34.

2.الهداية:

أنزل الله عز وجل القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ليهتدي الناس به، ويعرفوا الحق ويؤمنوا به ويؤثروه، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] .

3.التنبيه من الغفلة:

لقد بين الله للرسول صلى الله عليه وسلم الغرض من إنزال القرآن عليه، فقال: أنزلنا عليك -أيها الرسول- القرآن؛ لتحذر به قومًا لم ينذر آباؤهم من قبلك، وهم العرب، فهؤلاء القوم ساهون عن الإيمان والاستقامة على العمل الصالح، وكل أمة ينقطع عنها الإنذار تقع في الغفلة، قال تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) } [يس: 6] .

فالغفلة أشد ما يفسد القلوب، فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته، معطل عن الالتقاط والتأثر والاستجابة، تمر به دلائل الهدى أو يمر بها دون أن يحس بها أو يدركها، ودون أن ينبض أو يستقبل، ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة التي كان فيها القوم، الذين مضت الأجيال دون أن ينذرهم منذر، أو ينبههم منبه 35.

4.التذكر:

بين سبحانه وتعالى رحمته برسوله وبالمستجيبين لدعوته فقال: ما كنت -أيها الرسول- بجانب جبل الطور حين نادينا موسى، ولم تشهد شيئًا من ذلك فتعلمه، ولكنا أرسلناك رحمة من ربك؛ لتنذر قومًا لم يأتهم من قبلك من نذير؛ لعلهم يتذكرون الخير الذي جئت به فيفعلوه، والشر الذي نهيت عنه فيجتنبوه، قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] .

قال ابن عاشور رحمه الله: «والتذكر: هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم، وهي تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة؛ إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمةً من قتل النفوس، وارتزاقٍ بالغارات وبالمقامرة، واختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم» 36.

5.الإقلاع عن المخالفة:

قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50] .

والفرار إلى الله مستعارٌ للإقلاع عما هم فيه من الإشراك وجحود البعث «أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه، ظاهرًا وباطنًا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب.

وسمى الله الرجوع إليه فرارًا؛ لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن، والسرور والسعادة والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلى الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه يكون الفرار إليه» 37.

6.إقامة الحجة على الناس:

أخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل رسلًا إلى خلقه مبشرين بثوابه، ومنذرين بعقابه؛ لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل، فعمهم سبحانه بالدعوة على ألسنة رسله حجةً منه وعدلًا، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] .

فإرسال الرسل لقطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم، واستحقوا غضب الله وعقابه 38.

الحديث في هذا الموضع عن المنذِرين في القرآن، ويكون من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الله عز وجل:

الله سبحانه وتعالى هو المنذر لعباده، وهذا من رأفته ورحمته بهم؛ لئلا يتعرضوا لعقابه إذا أعرضوا، كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .

وجميع المنذرين بعد ذلك تبع لهذا الأصل، فإذا أنذر الرسل وورثتهم فبأمره، وإذا أنذر القرآن فهو وحيه سبحانه وتعالى.

ومن استجاب لإنذاره سبحانه وتعالى وانتفع به نجا من عقابه في الدنيا والآخرة، ومن أعرض فله العذاب في الدنيا والآخرة.

ثانيًا: القرآن:

أنزل الله كتابه؛ ليكون بشيرًا بالثواب العاجل والآجل لمن آمن به وعمل بمقتضاه، ونذيرًا بالعقاب العاجل والآجل لمن كفر به، قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت: 3 - 4] .

شبه القرآن بالبشير فيما اشتمل عليه من الآيات المبشرة للمؤمنين الصالحين، وبالنذير فيما فيه من الوعيد للكافرين وأهل المعاصي 39.

وقال تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] .

أي: لينذر هذا القرآن المبين كل حيٍ على وجه الأرض 40.

وقال تعالى: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 2] .

أي: لينذر بهذا القرآن الكريم عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاؤه على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضًا من نعمه أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم 41.

وقال تعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12] . أي: مشتملٌ على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين 42.

ثالثًا: الرسل عليهم السلام:

من رحمة الله بعباده أنه ما من أمة إلا وأرسل فيها رسولًا؛ ليقيم عليهم الحجة، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] .

أي: وما من أمةٍ خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل 43.

والحكمة في الإنذار أن لا يبقى الضلال رائجًا، وأن يتخول الله عباده بالدعوة إلى الحق، سواء عملوا بها، أو لم يعلموا، فإنها لا تخلو من أثرٍ صالحٍ فيهم، وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرسل الذين كانوا في الأمم السامية القاطنة في بلاد العرب وما جاورها؛ لأن القرآن حين نزوله ابتدأ بخطاب العرب ولهم علمٌ بهؤلاء الأقوام، فقد علموا أخبارهم، وشهدوا آثارهم، فكان الاعتبار بهم أوقع، ولو ذكرت لهم رسل أممٍ لا يعرفونهم لكان إخبارهم عنهم مجرد حكايةٍ، ولم يكن فيه استدلال واعتبار 44.

و أيضًا من حكمة إرسال الرسل إقامة حجته على عباده؛ حتى لا يكون لهم عذر.

روى مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحدٌ أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحدٌ أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحدٌ أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل) 45.

وقد كثر في القرآن ذكر المقصد من الرسل بأنه الإنذار والتبشير، ومن ذلك:

قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل في الأمم السابقة مرسلين فأنذروهم بالعذاب فكفروا، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ} [الصافات: 72] .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون من رسل الله الذين يخوفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء 191 - 194] .

وقد بين سبحانه المقصد من إرسال الرسل، وهو لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] .

رابعًا: أهل العلم:

قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .

قال ابن القيم رحمه الله: ندب تعالى المؤمنين إلى التفقه في الدين وهو تعلمه، وإنذار قومهم إذا رجعوا إليهم وهو التعليم.

وقد اختلف في الآية:

فقيل: المعنى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم، بل ينبغي أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة، ثم ترجع تعلم القاعدين، فيكون النفير على هذا نفير تعلم.

وقالت طائفة أخرى: المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم، بل ينبغي أن تنفر طائفة للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين، فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما أنزل من الدين والحلال والحرام، وعلى هذا فيكون قوله: {لِيَتَفَقَّهُوا} {وَلِيُنْذِرُوا} للفرقة التي نفرت منها طائفة، وهذا قول الأكثرين، وعلى هذا فالنفير نفير جهاد على أصله.

وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدين وتعلمه وتعليمه، فإن ذلك يعدل الجهاد، بل ربما يكون أفضل منه 46.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «وإذ كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة، وتكوين جماعاتٍ قائمةٍ بعلم الدين، وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاةً أو جندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعملٍ لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه، وتكثير أتباعه، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده؛ لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعةٍ صالحةٍ من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان؛ ولذلك لم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المدن التي فتحوها، ووكلوا أمر الدولة إليهم» 47.

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «أي: ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» 48.

ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم به، فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره الذي ينمى له.

وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علمًا ومنحه فهمًا.

وفي هذه الآية أيضًا: دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي: «أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور» 49.

خامسًا: المنذرون من الجن:

قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] .

أي: نصحًا منهم لهم وإقامة لحجة الله عليهم، وقيضهم الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن 50.

قال ابن كثير رحمه الله: «وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذرٌ، وليس فيهم رسلٌ، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولًا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] .

وقال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] .

وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] .

فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته.

فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] .

فالمراد هنا مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس 51.

قال سيد قطب رحمه الله في اهتمام الجن بإنذار قومهم: «فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه، والإنذار به، وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام» 52.

الحديث في هذا الموضع يكون عن المُنْذَرين ومواقفهم من المُنْذِرين:

1.الكافرون المعاندون:

أخبرنا سبحانه وتعالى في القرآن عن مواقف الكفار المعاندين من الإنذار، والتي منها:

أخبر سبحانه أنه ما أرسل في قرية من رسول يدعو الى توحيد الله وإفراده بالعبادة إلا قال رءوسهم وقادتهم في الشر من أهلها: إنا بالذي جئتم به -أيها الرسل- جاحدون.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ?23?قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى? مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?24?) [الزخرف: 23 - 24] .

وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [سبأ: 34] .

«هذه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما مني به من قومه قريشٍ، من الكفر والافتخار بالأموال والأولاد، وأن ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفين مع أنبيائهم، فلا يهمنك أمرهم، ونص على المترفين؛ لأنهم أول المكذبين للرسل، لما شغلوا به من زخرفة الدنيا، وما غلب على عقولهم منها، فقلوبهم أبدًا مشغولةٌ منهمكةٌ» 53.

قال سيد قطب رحمه الله: «فهي قصة معادة، وموقف مكرور، على مدار الدهور، وهو الترف يغلظ القلوب، ويفقدها الحساسية، ويفسد الفطرة ويغشيها، فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى، وتصر على الباطل، ولا تتفتح للنور» .

والمترفون تخدعهم القيم الزائفة، والنعيم الزائل، ويغرهم ما هم فيه من ثراء وقوة، فيحسبونه مانعهم من عذاب الله، ويخالون أنه آية الرضا عنهم، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء، والقرآن يضع لهم ميزان القيم كما هي عند الله، ويبين لهم أن بسط الرزق وقبضه ليست له علاقة بالقيم الثابتة الأصيلة، ولا يدل على رضا ولا غضب من الله ولا يمنع بذاته عذابًا، ولا يدفع إلى عذاب، قد يغدق الله على أهل الشر استدراجًا لهم؛ ليزدادوا سوءًا وبطرًا وإفسادًا، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة -وفق حكمته وتقديره- بهذا الرصيد الأثيم! وقد يحرمهم فيزدادون شرًا وفسوقًا وجريمة، وجزعًا وضيقًا ويأسًا من رحمة الله، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال.

فقد يغدق الله على أهل الخير؛ ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان، والفعل الجميل، ويذخروا بهذا كله رصيدًا من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم، وبما يعلمه من الخير في قلوبهم، وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجاءهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان 54.

أخبر سبحانه وتعالى أن موقف الأقوام الذين أرسل فيهم المنذرون التكذيب، قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) [القمر: 23] .

وقال عن قوم لوط عليه السلام: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) [القمر: 33] .

وقال عن قوم نوح عليه السلام (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 105] .

وقال عن قوم عاد: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء:123] .

وأخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن من سنة الله مقابلة الدعوة بالتكذيب، قال تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ? وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) [فاطر: 4] .

أخبر سبحانه وتعالى عن عجب الأقوام السابقة من إرسال رسول منهم، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: 63] .

وقال على لسان هود عليه السلام: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ? وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?69?) [الأعراف: 69] .

أي: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجلٍ منكم رحمةً بكم، ولطفًا وإحسانًا إليكم؛ لينذركم، ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به، ولعلكم ترحمون 55.

وبين سبحانه وتعالى في مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك، قال في عجب قوم نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى? رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) [يونس: 2] .

وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) [ق: 2] .

وقال عن الأمم السابقة: (ذَ?لِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ? وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ? وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [التغابن: 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت