فهرس الكتاب

الصفحة 2089 من 2431

ومن المعلوم أن الخير والشر قريبان من الإنسان، فلذا حث الله تعالى الإنسان على المبادرة إلى الخيرات، من فعل الطاعات، وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، ولذلك قدمت المغفرة على الجنة هنا في قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) أي: ما يؤدي إليهما من أداء جميع الواجبات، وترك جميع المنهيات.

وقوله: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) المراد به: جنس السماء والأرض، أو أنه تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض.

(أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) وفيها أعظم رجاء وأقوى أمل؛ إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن، ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر 48، وذلك الذي أهلهم الله له هو من فضله ومَنِّهِ عليهم، وإحسانه إليهم.

ويجدر بالبحث في هذا المقام أن يذكر أن آية أخرى وردت في كتاب الله تعالى في هذا الصدد لكن بلفظ المسارعة لا المسابقة، وهي قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?133?) [آل عمران:133] .

والناظر في الآيتين الكريمتين يجد بينهما تباينًا وافتراقًا في التعبير والأسلوب لأسرار وحكم بلاغية عظيمة يقف البحث على بعضها فيما يلي:

والسر في ذلك يتضح من خلال النظر في سياق كل منهما، فآية «آل عمران» سبقت بعدة أوامر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) واتقوا الله واتقوا الناروأطيعوا الله والرسول ثم جاء بعدها معطوفًا عليها قوله: (وَسَارِعُوا) ، فنظم هذا الأمر هو الآخر في سلك المأمورات السابقة، فكان من المناسب أن يعطف عليها بالواو، بينما قطعت سورة «الحديد» عن الإضافة لاختلاف موضوع الآية عن سابقتها؛ فإن الآية السابقة تحذر من الاغترار بالدنيا وزخرفها، وهذه تأمر بالمسابقة في أمور الآخرة، فافترقا في الموضوع فحذف العاطف لذلك 49، والله أعلم.

وذكر الفرق بين مدلول كل من الفعلين فيما سبق، لكن لماذا خصت سورة «آل عمران» بالمسارعة، وسورة «الحديد» بالمسابقة؟

والجواب: يتضح لنا أيضًا من خلال النظر في سياق الآيتين الكريمتين من وجهين:

الأول: نجد أن آية سورة «آل عمران» تتحدث عن المتقين المسارعين، بينما تتحدث آية سورة «الحديد» عن المؤمنين المسابقين، ومعلوم أن الصنفين ليسا على درجة واحدة، فالمتقون أعلى وأسمى درجة من المؤمنين؛ لأنهم جمعوا بين الإيمان والتقوى، فكان المناسب أن يأتي التعبير بالمسارعة في «آل عمران» لمكانة المتقين، وبالمسابقة في «الحديد» لمكانة المؤمنين 50.

الثاني: خصت سورة «آل عمران» بالمسارعة لكونها تحدثت عن بدر كنموذج عملي للمسارعة إلى المغفرة والجنة من خلال طلب الجهاد والشهادة، كما حذرت من تضييع حق الله وعدم الاستعداد لليوم الآخر، فجاء النهي عن أكل الربا، بينما خصت «الحديد» بالمسابقة لكونها تحدثت عن صفة الصديقين والشهداء، وبينت لنا حقيقة الدنيا وحذرت منها.

وبعدها جاء قوله (سَابِقُوا) حتى لا يركن الإنسان إلى الدنيا مهما كان أمرها، صغر أو كبر، ليصرف الكَمْلَةُ من العباد هَمَّهُم عنها لسفولها وحقارتها بالنسبة إلى الآخرة، حيث الكمال والبقاء، ليرغبوا غاية الرغبة فيها، ويشتاقوا كلَّ الاشتياق إليها 51، والله أعلم.

والسر في ذلك: أنه لما تضمنت آية «آل عمران» ما يدل على المبالغة والتعظيم من وصف من أعدت له الجنة، ووسمهم بالمتقين، وهم الذين وفوا بالإيمان وتوابعه وغير ذلك مما لم تتضمنه آية الحديد ناسب ذلك كله جعل العرض نفس السماوات والأرض من غير إفصاح بالمضاف المقدر الذى لا بد منه عند بيان المعنى على ما تقدم، ولما لم يقصد في آية «الحديد» ذلك أفصح فيها بما يعطى معنى «مثل» ، وهي كاف التشبيه، وإنما خصت آية «آل عمران» بما يدل على المبالغة والتعظيم دون آية الحديد لاشتمالها على الحض على الجهاد، وعظيم فضله، وذكر قصة بدر وأحد، ولما لم يكن في آية الحديد شيء من ذلك ناسب ذكر الكاف فيها 52، والله أعلم.

والسر في ذلك: موافقة كل آية للمقام الذي جاءت بالحديث عنه، فالمقام في «آل عمران» مقام تفصيل أمر الجهاد والشهادة، وحديثٌ عن أعلى مقامات المتقين وصفاتهم، وفيها حثٌّ على التجرد عن النفس والمال، وجميع الحظوظ الدنيوية أصلًا ورأسًا، بينما في سورة الحديد كان الحديث عن هذه المعاني مجملًا، وكان الحث على التجرد عن الدنيا فحسب، فجاء لفظ (السماء) مفردًا بما يناسب كلًّا من التفصيل والإجمال والموضوع 53، والله أعلم.

أرى أن السر في ذلك أنه لما خصت سورة «آل عمران» بالوصف البليغ للجنات، ودل ذلك الوصف على عظمها، وعلو مكانتها، وعظم شأن المسارعين إليها، وأن مسارعتهم إليها مسارعة ذاتية نابعة من بين جوانحهم رغبة منهم فيما عند ربهم سبحانه ناسب ذلك كله أن يبين سبحانه أن هذه الجنات إنما أعدت وخصت بقوم مخصوصين، علت مكانتهم لمَّا سمت نفوسهم، وهم المتقون الجامعون بين الإيمان والتقوى، ولما خلت سورة «الحديد» من ذلك ختمت بهذا الختام العام (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ?) ، والله أعلم.

لعل حكمة ذلك أن موضوع آية الحديد استدعى ذلك التعقيب، فالمسابقون فيها هم مؤمنون آمنوا بالله ورسله، وسباقهم ما زال في بداياته، وهم بحاجة إلى مزيد من الترغيب والحث والتشجيع، حتى يستمروا في السباق، ويزيدوا من سرعتهم فيه، فأخبرتهم الآية أن هذا السباق فضل من الله، تفضل به عليهم، وهو سبحانه ذو الفضل العظيم، يتفضل به على من يشاء من عباده.

ولم تذكر آية آل عمران هذا التعقيب؛ لأن المسارعين فيها إلى الجنة هم المتقون، وهم ليسوا بحاجة إلى حضٍّ وتشجيع؛ لأنهم ارتقوا إلى درجة أعلى، استشرفوا فيها الجنة التي يسارعون إليها، فقصدوها بالسير إليها، وضاعفوا سرعتهم نحوها 54.

وأخيرًا ألحظ على الآيتين معًا أمورًا:

أولها: أن كلتيهما عدي فعلها بحرف الجر «إلى» ، ففي «آل عمران» (سارعو الى) وفي «الحديد» (سَابِقُوا إِلَى?) والسر البلاغي في ذلك يرجع إلى أن: حرف «إلى» يفيد انتهاء الغاية الزمانية وتارة المكانية 55، وورد التعبير به هنا؛ لأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة والمسابقة وغايتهما، وهما غاية ما يتطلع إليه كل مؤمن، من الفوز بمغفرة الله ورضوانه وجنته، ففيه الإشارة إلى انتهاء الغاية معنى ورتبة ومكانًا 56.

ثانيها: أن المغفرة فيهما جاءت منكرة، ومضافة إلى الرب، فقال تعالى (مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) وذلك للدلالة على التعظيم؛ حيث (عظم سبحانه بذلك شأن هذه المغفرة التي ينبغي طلبها بإسراع ومبادرة، بأن جاء بها منكرة، ووصفها بأنها كائنة منه سبحانه، فهو الذي خلق الخلق بقدرته، ورباهم برعايته) 57.

ثالثها: اختصاص العرض بالذكر في الآيتين دون الطول مع أنه أدل على الاتساع، وذلك ليكون أبلغ في الدلالة على عظم الجنة واتساع طولها؛ لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها؛ لأن العرض في العادة أقل من الطول، وذلك كقوله تعالى في صفة فرش الجنة (مُتَّكِئِينَ عَلَى? فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن:54] .

فإذا كانت بطانة الفرش من الحرير، فكيف يكون ظاهر البطانة مما تراه الأعين؟ 58.

رابعها: تقديم المغفرة على الجنة في الآيتين في قوله: (مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) وسرُّ هذا التقديم: وجوب المسارعة والمسابقة إلى ما به مغفرة الذنوب والتطهر من أدرانها قبل طلب الجنة أو دخولها، من باب قولهم: «التخلية مقدمة على التحلية» ، وفي ذلك يقول أبو السعود:

(وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية متقدمة على التحلية والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين؛ لإظهار مزيد اللطف بهم) 59.

من أنواع السبق الممدوحة التي ذكرها الله تعالى في كتابه: السبق بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والدخول معه في الدين الجديد، مع نصرته والدفاع عنه، والذب عن حياض شريعته وسنته، ونحو ذلك مما يقتضيه الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما تكفل ببيانه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10] .

المتأمل في سياق الآية الكريمة يجد أنها سيقت بعد آيتين، تحدثت أولاهما عن المهاجرين، ومدحت صنيعهم وهجرتهم إلى الله تعالى في قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ) [الحشر:8] .

وأخراهما تحدثت عن الأنصار وحسن استقبالهم للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وكريم ضيافتهم لإخوانهم المهاجرين مع ما بهم من حاجة وفاقة، ثم جاءت هذه الآية الكريمة، وفيها يخبر تعالى أن الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، وهم: التابعون إلى يوم القيامة (يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة، بقوله:(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) أي: غشًّا وحسدًا وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في قلبه غلٌّ على أحد منهم. فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر.

ولنعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم، وبين الله فيها أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجًا من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية) 60.

ودلت الآية الكريمة على أن من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضًا.

ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغلِّ وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.

كما دلت الآية الكريمة على أن الدعاء يعد من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض 61.

ودلت أيضًا على أنَّ حقًّا على المسلمين أن يذكروا سلفهم بخير، وأن حقًا عليهم محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم 62، والله أعلم.

ذكر الله تعالى هذا النوع من التسابق، وهو «سبق الملائكة الكرام» في آية واحدة من كتابه، هي قوله تعالى: فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) [النازعات:4] .

والمفسرون اختلفوا في بيان المراد بالسابقات هنا اختلافًا كثيرًا، والبحث بدوره يكتفي فقط بما عليه أكثر المفسرين-رحمهم الله تعالى رحمة واسعة-فجلهم على أن المعنيين بهذه الآية هم: الملائكة الكرام، لكنهم اختلفوا أيضًا فيما بينهم على بيان معنى السبق الملائكي على هذا الوجه:

فمن قائل: إنها سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق.

ومن قائل: إنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء،؛ إذ كانت الشياطين تسترق السمع.

ومن قائل: إن الملائكة تقبض الأرواح فتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وبأرواح الكفار إلى النار 63.

وأرى: ترجيح القول بأن المراد بالسابقات الملائكة الكرام؛ لأن السياق في السابق واللاحق يرجح ذلك، كما أرى أنه لا مانع من الجمع بين آراء المفسرين في بيان سبق الملائكة الكرام؛ لأن الله تعالى حينما يأمرهم بأمر من الأمور يبادرون ويسابقون إلى تطبيقه وتنفيذه، فهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6] .

فسواء أمرهم بطاعة من الطاعات، أو بالوحي إلى أحد أنبيائه، أو قبض أرواح أحد من البشرفإنهم لا يتوانون في ذلك أبدًا، ولا شك أن مثل هذا السبق ممدوح دومًا غير مذموم، ومطلوب ومرغوب.

وهم مع ذلك لا يبادرونه بالقول ولا يسبقونه تعالى به، مهابة منه وإجلالًا له، فهم كما وصفهم تعالى في قوله (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء:27] .

يعلق الإمام الرازي على ذلك ويقول: (ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال:(لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) [الأنبياء:27] .

يعني: قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيمًا لجلال الله تعالى وخوفًا من هيبته، وهاهنا وصفهم بالسبق، يعني: إذا جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته، فهذا المراد من قوله (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) [النازعات:4] ) 64، والله أعلم.

ذكر القرآن الكريم نوعًا خامسًا من أنواع السبق ومدحه، ورغب فيه، وأطلقه عن التقييد، فلم يقيده بنوع ما من أنواع الخير، وساقه في معرض المدح والثناء على قوم اتصفوا به من بين المؤمنين، وهذا النوع وإن كان من الممكن أن يندرج تحت النوع الأول (السبق إلى الخيرات) إلا أن القرآن أطلقه عن التقييد، وأفرده بآيات مستقلة؛ فأحببت أن أستن بهذه السنة القرآنية فأفردته في نوع مستقل، وورد الحديث عن هذا النوع في موضعين من كتاب الله تعالى:

الأول: قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?100?) [التوبة: 100] .

يخبر تعالى هنا عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم، وأشادت الآية بهؤلاء السابقين، الذين سبقوا أقوامهم إلى الإيمان بالله تعالى) 65.

وقسمتهم الآية إلى ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: المهاجرون، واختلف في بيان المراد بهم اختلافًا كثيرًا، ولعل من أرجحها: أنهم الذين هاجروا قبل صلح الحديبية؛ لأن المشركين كانوا إلى ذلك الوقت يضطهدون المؤمنين في بلادهم، ويقاتلونهم في دار الهجرة وما حولها، ولا منجاة للمؤمنين من شرهم إلا بالفرار أو الجوار، فالذين هاجروا قبل صلح الحديبية وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم كانوا كلهم من المؤمنين السابقين الصادقين، ليس فيهم منافق 66.

ويؤكد هذا القول رجحانًا أن الله تعالى منع التسوية بين الفريقين في قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ?) [الحديد:10] .

الطائفة الثانية: الأنصار، وهم الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة الأولى سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا سبعة، وفي العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين 67.

والطائفة الثالثة: الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الهجرة والنصرة اتباعًا بإحسان، أو محسنين في الأفعال والأقوال، وخرج به من اتبعوهم في ظاهر الإسلام مسيئين غير محسنين في هذا الاتباع وهم المنافقون، ومن اتبعوهم محسنين في بعض الأعمال ومسيئين في بعض، وهم المذنبون.

وهؤلاء الطبقات الثلاث رضي الله عنهم في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم وهجرتهم وجهادهم، ونصرتهم للدين والشريعة، فقبل منهم طاعاتهم، وغفر سيئاتهم، وتجاوز عن زلاتهم، إذ بهم أعز الإسلام، ونكل بأعدائه من المشركين وأهل الكتاب 68.

ولقد أعجبني قول بعض العلماء حين جعل حكم الآية عامًّا يشمل كل سبق لأي أحد في أي عصر أو مصر، حيث يقول: (وهذه الآية الكريمة تضمنت تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام) 69.

هذا وإن المتأمل للآية الكريمة يلحظ أمورًا منها:

أ. كونه أبلغ في بيان هذا النعيم الموعود به هؤلاء السابقون، ففي سائر القرآن (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) إلا هذا الموضع، قال البقاعي: «ونبه على عموم ريها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف؛ لأنه يخص هذه الطائفة، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان رِيًّا وحُسْنًا 72» .

ب. يذكر ابن عاشور أن «من» حذفت لوجود ما يغني مما يفيد التوكيد، فيقول: (وقد خالفت هذه الآية عند معظم القراء أخواتها فلم تذكر فيها «من» مع «تحتها» في غالب المصاحف، وفي رواية جمهور القراء، فتكون خالية من التأكيد؛ إذ ليس لحرف «من» معنى مع أسماء الظروف إلا التأكيد، ويكون خلو الجملة من التأكيد لحصول ما يغني عنه من إفادة التقوي بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، ومن فعل «أعد» المؤذن بكمال العناية فلا يكون المعد إلا أكمل نوعه) 73. والذي يفهم من كلامه أن «من» حذفت لوجود ما يغني عنها من تقديم المسند إليه (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) على الخبر الفعلي (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) ومعلوم أن تقديم ما حقه التأخير لون بلاغي مشهور، فضلًا عما يفيده الفعل «أعد» من كمال العناية بهؤلاء السابقين، وعظم شأن المعد لهم، والله أعلم.

والموطن الثاني: قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12 ) ) [الواقعة:10 - 12] .

والآيات في هذا الموضع تتحدث عن صنف من الأصناف الثلاثة التي ذكرتهم السورة الكريمة، وهم السابقون الذين سبقوا إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله، وهم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، وقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوانٍ، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات، وأيما كان فهولاء حازوا قصب السبق من الطاعات والقربات من رب الأرض والسماوات، فمن سابق إلى هذه الدنيا، وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) 76.

هذا وإنه لِيُلْحَظُ على هذه الآيات الكريمة أمورٌ:

أولها: تأخر ذكر هذا القسم الثالث من الأزواج الثلاثة في سورة «الواقعة» ، ولعل تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل؛ ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم وما أعده الله تعالى لهم في الآخرة، على أن إيرادهم بعنوان السبق مطلقًا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع الوجوه 77، أو أخرهم لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم 78.

ثانيها: تكرار لفظ «السابقون» في قوله (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) وهذا التكرار للدلالة على أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة، بحيث لا يجد المتكلم خبرًا يخبر به عنهم أدل على مرتبتهم من اسم «السابقون» فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإخبار بما سواه، مع ما في اشتقاق لقبهم من «السبق» من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت