فهرس الكتاب

الصفحة 1965 من 2431

اللعن

المعنى اللغوي والاصطلاحي:

أولًا: المعنى اللغوي:

يقول ابن منظور: «اللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء، واللعنة الاسم، والجمع لعانٌ ولعناتٌ، ولعنه يلعنه لعنًا طرده وأبعده» 1.

ويقول الزمخشري: «لعنه أهله: طردوه وأبعدوه، وهو لعين طريد، ولعنت الكلب والذئب: طردتهما، ومن المجاز: أبيت اللعن، وهي تحية الملوك في الجاهلية» 2.

فأصل اللعن في اللغة الإبعاد، ويطلق على التعذيب والشتم والسب، ومنه الملاعنة واللعان وهو المباهلة، والملعنة قارعة الطريق ومنزل الناس، وفي الحديث: (اتقوا الملاعن) 3، يعني: عند الحدث، وتلاعنوا: لعن بعضهم بعضًا، ومنه اشتقاق ملاعنة الرجل امرأته، والحاكم يلاعن بينهما ثم يفرق 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال ابن تيمية: «اللعن: الإبعاد عن الرحمة» 5.

وقال الغزالي: «اللعن: عبارة عن الطرد والإبعاد عن الله تعالى» 6.

وردت مادة (ل ع ن) في القرآن الكريم (41) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 17 ... {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) } [الأحزاب:64]

الفعل المضارع ... 5 ... {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) } [النساء:52]

فعل الأمر ... 1 ... {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) } [الأحزاب:68]

المصدر ... 1 ... {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) } [الأحزاب:68]

اسم مرة ... 14 ... {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) } [هود:18]

اسم فاعل ... 1 ... {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة:159]

اسم المفعول ... 2 ... {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } [الأحزاب:61]

وجاء اللعن في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره 8.

السب والشتم:

السب لغة:

القطع؛ يقال: سبه سبًا بمعنى قطعه، والتساب التقاطع، والسب الشتم، مصدر سبه يسبه سبًا: شتمه 9.

الشتم لغة:

قبيح الكلام، والشتم السب، والشتم تقبيح أمر المشتوم بالقول، وأصله من الشتامة، وهو قبح الوجه، ورجل شتيم أي: قبيح الوجه، وسمي الأسد شتيمًا لقبح منظره 10.

وبذلك فإن السب والشتم مترادفان؛ إلا أن السب أشد من الشتم؛ لأن السب هو الإطناب في الشتم، والإطالة فيه 11.

السب والشتم اصطلاحًا:

«وصف الغير بما فيه نقص وازدراء» 12.

الصلة بين السب واللعن:

من خلال التأمل في المعاني السابقة لكلا اللفظين يتبين أن اللعن أشد من السب والشتم؛ لأن اللعن ليس مجرد تقبيح بالكلام؛ بل هو دعاء على الملعون بالطرد من رحمة الله عز وجل، وكذلك فإن السب يشمل اللعن ويشمل الشتم والتقبيح، فالسب أعم من اللعن.

البعد:

البعد لغة:

البعد والبعاد: اللعن، يقال: أبعده الله: بمعنى نحاه عن الخير ولعنه 13.

البعد اصطلاحًا:

بمعنى الهلاك والعذاب والطرد واللعن 14.

الصلة بين البعد واللعن:

البعد في الأغلب يحمل نفس المعنى الذي يحمله اللعن من الطرد من رحمة الله عز وجل؛ إلا أن البعد يأتي أحيانًا بمعنى: الهلاك، وذلك كما في قوله تعالى: {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] 15.

السحق:

السحق لغة:

البعد، وقد سحق الشيء فهو سحيق أي: بعيد، وسحقه الله أي: أبعده، ومكان سحيق أي: بعيد 16.

السحق اصطلاحًا:

الهلاك والبعد من رحمة الله عز وجل 17.

الصلة بين السحق واللعن:

لا يظهر فرق بين بين السحق واللعن؛ فكلاهما إبعاد عن رحمة الله عز وجل وعن الخير؛ إلا أن اللعن أكثر استعمالًا في القرآن الكريم، وفي كلام الناس أيضًا، وكذلك فإن السحق هو مطلق الإبعاد، أما اللعن فهو خاص بالإبعاد عن رحمة الله عز وجل.

إنه من خلال الوقوف على الآيات التي ورد فيها اللعن في الكتاب العزيز، نجد أن أغلب الآيات في ذلك قد أخبرت بأن اللعن كان من الله عز وجل على من استحقه من خلقه، وفي بعض المواضع أخبرت الآيات بأن اللعن كان من غير الله عز وجل؛ حيث إن بعض الآيات أخبرت عن اللعن الصادر من الملائكة، أو من بعض الأنبياء، أو من الناس، أو من المؤذن بين الجنة والنار، وسنقف في السطور الآتية بإذن الله على بيان من صدر منهم اللعن (اللاعنين) في القرآن الكريم.

أولًا: اللعن من الله تعالى:

لقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن لعنته لبعض خلقه؛ لأنهم قد اقترفوا ما استحقوا به لعنة الله عز وجل عليهم، ومعنى لعنة الله عز وجل لهؤلاء: أنه سبحانه أقصاهم وأبعدهم، وأخزاهم وأهلكهم، وطردهم من رحمته ومن توفيقه وهدايته ومن كل خير 18.

ومن خلال تتبع الآيات التي أخبر سبحانه فيها عن لعنه لبعض خلقه نجد أن الله عز وجل قد لعن من خلقه الآتي:

1.إبليس الرجيم.

حيث أخبر سبحانه عن لعنته لإبليس، وذلك في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز 19، وأخبر سبحانه بأن إبليس استحق اللعن حينما عصى أمر الله عز وجل بالسجود لآدم عليه السلام.

قال تعالى: (?28? فَإِذا سَوَّيتُهُ وَنَفَختُ فيهِ مِن روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدينَ ?29? فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُم أَجمَعونَ ?30? إِلّا إِبليسَ أَبى أَن يَكونَ مَعَ السّاجِدينَ ?31? قالَ يا إِبليسُ ما لَكَ أَلّا تَكونَ مَعَ السّاجِدينَ ?32? قالَ لَم أَكُن لِأَسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصالٍ مِن حَمَإٍ مَسنونٍ?33? قالَ فَاخرُج مِنها فَإِنَّكَ رَجيمٌ ?34? وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعنَةَ إِلى يَومِ الدّينِ) [الحجر: 28 - 35] .

2.كفار اليهود.

وهم أكثر الملعونين نصيبًا من لعنة الله عز وجل لهم في القرآن الكريم؛ حيث أخبر الله عز وجل -في غير موضع من الكتاب العزيز- عن لعنه لطوائف من اليهود؛ وذلك بسبب ذنوبٍ عظام قد اقترفوها في حق الله سبحانه؛ كاستكبارهم عن قبول الحق، وتعاليهم عن الاستجابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع هديه، قال تعالى مخبرًا عمن فعل ذلك من اليهود: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ? بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ(88 ) ) [البقرة: 88] .

لقد استحق أولئك اليهود لعنة الله عليهم إذ رفضوا الحق، وكفروا بكتاب الله عز وجل (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89] .

والآيات التي أخبر الله عز وجل فيها عن لعنته لكفار اليهود كثيرة، وسيأتي ذكر تتمتها إن شاء الله تعالى.

3.الكافرين والمنافقين.

حيث أخبر سبحانه عن لعنته للكافرين والمنافقين في العديد من آيات الذكر الحكيم، من ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161 ) ) [البقرة: 161] .

وقوله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) [الأحزاب: 64] .

وقوله سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ? هِيَ حَسْبُهُمْ ? وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [التوبة: 68] .

4.المؤذين لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

ويدخل في هؤلاء اليهود والنصارى الذين نسبوا لله سبحانه الولد، وافتروا عليه ما لا يليق بجلاله سبحانه، ويدخل فيهم كذلك المشركون الذين افتروا على الله الكذب، ونسبوا له الشريك تعالى الله عن كذبهم علوًا كبيرًا، ويدخل فيهم أيضًا كل من افترى على الله الكذب من مدعي النبوة وغيرهم، وكل من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل 20.

ولقد أخبر الله عز وجل عن لعنته لأولئك المجرمين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) [الأحزاب: 57] .

5.من اقترفوا كبائر الذنوب.

فقد أخبر الله سبحانه عن لعنته لقاتل النفس المؤمنة عمدًا، فقال سبحانه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .

وأخبر سبحانه عن لعنته للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

وكذلك أخبر سبحانه عن لعنته لقاطعي الأرحام، المفسدين في الأرض، فقال سبحانه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22 - 23] .

ثانيًا: اللعن من الملائكة عليهم السلام:

أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن لعنة الملائكة للكافرين، وورد ذلك صريحًا في موضعين من الكتاب العزيز، وفي كلا الموضعين ورد ذكر لعنة الملائكة لأولئك الكافرين مقرونةً بلعنة الله عز وجل ولعنة الناس أجمعين لهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] .

وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 85 - 88] .

وهناك آية أخرى في كتاب الله عز وجل ذكرت لعنة الملائكة لأشد الناس ظلمًا، وهم الذين افتروا على الله الكذب.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 18، 19] .

فالمقصود بالأشهاد هنا -حسب أشهر أقوال المفسرين فيها- ملائكة الرحمن، يشهدون على أولئك المجرمين بأنهم كذبوا وافتروا على الله عز وجل، فاستحقوا بذلك أن تحل عليهم لعنة الله سبحانه {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} .

ولعنة الملائكة لهؤلاء إنما تكون بالدعاء عليهم، فكما أن الملائكة يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم، فإنهم يلعنون الكافرين ويدعون عليهم بسخط الله عز وجل وعذابه والطرد من رحمته 21.

والملاحظ أن الملائكة في الآيات السابقة إنما كانت لعنتهم على أقوام كفار، كفروا بربهم عز وجل، وليس بعد الكفر ذنب، ولعل الحكمة من قرن لعنة الملائكة للكافرين مع لعنة الله عز وجل لهم لبيان شدة قبح صنيعهم، فهم شر الناس؛ لأنهم كفروا بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق من عند الله عز وجل، وجاءتهم الآيات البينات من الله عز وجل، ولكنهم -مع كل ذلك- أصروا على الكفر وماتوا وهم كفار فاستحقوا أن تجتمع عليهم لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين مع لعنة الله عز وجل لهم، نعوذ بالله عز وجل من الكفر والظلم والضلال.

ثالثًا: اللعن من الرسل عليهم السلام:

ليس في كتاب الله عز وجل ذكرٌ صريح للعن الأنبياء والرسل لأحد من أقوامهم؛ إلا آية واحدة ذكر الله عز وجل فيها لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود عليه السلام وعيسى ابن مريم عليه السلام، وتلك الآية هي قول الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على نبيه داود عليه السلام، وعلى لسان عيسى ابن مريم عليه السلام، وذلك بسبب عصيانهم لله سبحانه، واعتدائهم على خلقه، قال العوفي: عن ابن عباس رضي الله عنه: لعنوا في التوراة، والإنجيل، وفي الزبور، وفي الفرقان» 22.

فلعن داود وعيسى عليهما السلام للذين كفروا من بني إسرائيل هو ما أنزله الله عز وجل من لعنتهم في الزبور والإنجيل، فالله سبحانه لعن هؤلاء الكافرين من بني إسرائيل في هذين الكتابين المنزلين منه سبحانه على نبيين من أنبيائه الكرام 23.

والرسل والأنبياء عليهم السلام هم من الأشهاد الذين يشهدون على الخلائق يوم القيامة، ويلعنون الكفار الذين افتروا على الله عز وجل الكذب.

قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .

فقد ذكر المفسرون في معنى الأشهاد أن الأنبياء يدخلون في ضمنهم.

والملاحظ أنه ليس في كتاب الله عز وجل ما يدل على أن الرسل والأنبياء عليهم السلام كانوا يلعنون أقوامهم؛ وإنما بين كتاب الله عز وجل دعوة الرسل والأنبياء لأقوامهم بأحسن طريقة وأتم أسلوب، دعوا أقوامهم بالحكمة والموعظة الحسنة، باللين والرفق والرحمة، وفي هذا درس للدعاة جميعًا بالبعد عن اللعن والسب والشتم في مخاطبتهم لعباد الله عز وجل، فالداعي رسول رحمة وهداية، وليس فظًا لعانًا.

رابعًا: اللعن من الناس أجمعين:

أخبر الله عز وجل بلعنة الناس أجمعين للكافرين، وذلك في موضعين من كتاب الله عز وجل، وفي كلا الموضعين قرنت لعنة الناس للكافرين بلعنة الله عز وجل ولعنة ملائكته لهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] .

وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 85 - 88] .

ففي الآيتين السابقتين أخبر الله عز وجل أن الناس أجمعين يلعنون أولئك الكافرين الذين كفروا بعد إيمانهم وماتوا على الكفر، فاستحقوا لعنة الله ولعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين.

وللمفسرين أقوال في معنى لعنة الناس أجمعين لأولئك الكفار؛ فقال بعضهم: «إنما ذلك يوم القيامة، حيث يلعنهم جميع الناس في أرض الحساب، كقول الله تعالى: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] » ، وقال بعضهم: «إن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس؛ تغليبًا لحكم الأكثر على الأقل» ، وقال بعضهم: «إن المراد بالناس في الآية: المؤمنين منهم» ، وقال بعضهم: «كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه» 24.

قال الشيخ محمد طنطاوي في تفسيره: «والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على هؤلاء القوم صادرة من الله عز وجل -وهى أشد ألوان اللعن-، وصادرة من الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وصادرة من الناس أجمعين، أي أن الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن عرفوه وشهدوا به، وقامت بين أيديهم الأدلة على أنه حق» 25.

خامسًا: اللعن من الأتباع:

أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن حال الكفار يوم القيامة، وكيف يتبرأ بعضهم من بعضٍ، ويلوم بعضهم بعضًا، ويتنازع الأتباع مع من اتبعوهم، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166 - 167] .

في ذلك الموقف العصيب يعترف الكفار بجرمهم، يعترفون باتباعهم للباطل من غير تعقل، ويرمون اللوم على سادتهم وكبرائهم وأئمتهم في الكفر والشرك والضلال، فيجدوا في لعنهم والدعاء عليهم، قال تعالى مخبرًا عن حال هؤلاء: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب:64 - 68] .

وهذه الآيات من سورة الأحزاب هي الموضع الوحيد الذي ذكر فيه لعن الأتباع لمتبوعيهم يوم القيامة، وإنما كان اللعن من الأتباع لمتبوعيهم من باب الاستشفاء والانتقام منهم؛ لما قاموا به من إضلالهم وإغوائهم، وذلك كقول الله تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] 26.

ولا شك أن في لعن هؤلاء الأتباع -يوم القيامة- لمتبوعيهم بيانًا لشدة حسرتهم وندمهم على اتباعهم في الباطل، ويوم القيامة لا ينفع الندم، فلا يجدون أمامهم إلا أن يجتهدوا في لعن من كان سببًا في ضلالهم وغوايتهم، وفي إخبار الله عز وجل عن ذلك تحذير شديد للعباد من اتباع السادة والكبراء في سبل الضلال والشر؛ فقد بين الله عز وجل أن عاقبة ذلك وخيمة، والندم عليه شديد، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .

سادسًا: اللعن من عبدة الأوثان:

إن من أحداث يوم القيامة العظام ما يكون من تخاصم أهل النار وتنازعهم وإلقاء بعضهم اللوم على غيره، {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} [ص: 64] ؛ ولكن ذلك كله لا ينفعهم عند الله عز وجل شيئًا، فلا يجدون إلا أن يتلاعنوا، ويدعو بعضهم على بعض بمضاعفة العذاب من النار.

ومن أهل النار الذين يحدث بينهم تخاصم عظيم وتلاعن: عبدة الأوثان، الذين كانوا في الدنيا يجتمعون على ضلالهم؛ يقيمون الأعياد والطقوس المزعومة، ويأكلون ويشربون حول أوثانهم؛ ولكن حالهم هذا سينقلب يوم القيامة، حينما يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضًا، قال تعالى على لسان نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام مخاطبًا قومه عبدة الأوثان: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت