والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطرة السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدّون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقًا فاضلة، يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدون الكذب والغدر والجبن أخلاقًا سيئة، ترفضها العقول السليمة وتذم صاحبها، والشريعة جاءت داعية إلى المعروف من الأخلاق، والسلوكيات الصالحة، وتنهى عن المنكر منها، فدعا الحق عباده إلى المبادرة إلى رحمته وجنته التي أعدها للمتقين من عباده، وأول صفاتهم تحليهم بالأخلاق الفاضلة، من الإنفاق في حال اليسر والعسر، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران:133 - 134] .
وقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة:177] .
وكذلك رغّب النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الأخلاق الحميدة، وحذّر من كل خلق ذميم، فالخير الحقيقي في ميزان الرسول هو الخلق الحسن، فعن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه الناس) 76.
والخلق سبيل الارتقاء إلى مدارج الكمال، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من خيركم أحسنكم خلقًا) 77، و أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله) 78.
وأحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحسن المؤمنين خلقًا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله؟ قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) 79.
والمؤمن هو من يلتزم بأوامر الله سبحانه وتعالى ويتحلى بالأخلاق الحميدة، ويبتعد عن نواهيه، ويتجنب الأخلاق الذميمة 80.
فإن صار على ذلك فقد فاز وأفلح يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بذلك في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } [المؤمنون:1] .
وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } [البقرة:189] .
ومن الآيات التي بينت الفوز والفلاح والثواب الذي يناله من يلتزم بالأخلاق الفاضلة، وفي ذلك وقاية له من الخسارة في الدنيا والآخرة: قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة:119] .
تبيّن هذه الآية الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين، الذين التزموا بهذا الخلق الحميد، فيقول الله تعالى يوم القيامة عقب جواب عيسى عليه السلام مشيرًا إلى صدقه في ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ} أي: يوم القيامة {يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} ، ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم، أن ذلك اليوم هو يوم الحق، فالصادق ينتفع فيه بصدقه؛ لأن الصدق خلق حسن، فلا يكون له في الآخرة إلا الأثر الحسن.
والصادقون: الرسل الناطقون بالصدق الداعون إلى ذلك، والأمم المصدّقون لهم، المعتقدون بهم قولًا وعملًا، لهم نعيم دائم، وثواب خالد، وهو الفوز الكبير، رضي الله عنهم بالطاعة، ورضوا عنه بنيل الكرامة والرضوان، وهو فيض زائد على الجنات لا غاية وراءه، ولذلك قال تعالى: {ذَلِكَ} أي: نيل الرضوان {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: النجاة الوافرة، وحقيقة الفوز نيل المراد، وقد عظّم الفوز لعظم شأن المطلوب، الذي تعلق به الفوز، وهو الرضى الذي لا مطلب وراءه أصلًا 81.
ثانيًا: التوبة من المعاصي:
من رحمة الله تعالى بعباده، أن شرع التوبة للعاصي؛ لئلا ييأس من رحمة الله بمجرد المعصية.
قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } [الزمر:53] .
وكيلا يزداد العاصي انحرافًا وطغيانًا، فقد جعل له طريق الرجوع إلى الصواب، وهي مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المريدين.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) } [البقرة:222] .
وقال أيضًا: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور:31] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) 82.
قال الحسن البصري: التوبة النصوح: هي الندم بالقلب، والاستغفار، والترك بالجوارح، والإضمار أن لا يعود؛
ولهذا أوجب الله تعالى التوبة على عباده، دليل ذلك قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور:31] .
والتوبة تكون بالقلب واللسان والجوارح، فبالقلب يكون التضرع، والتذلل، وباللسان الاعتراف بالظلم والاستغفار، فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر له) 8384.
وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) } [القصص:67] .
وقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور:31] .
أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين والمؤمنات بالتوبة، وهي ترك ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وفعل ما وجب فعله، ومن ذلك غض البصر، وحفظ الفرج، والالتزام بالعفة، والستر، والتنزه عن الإثم صغيره وكبيره، فأعلنوا توبتكم، وارجعوا إلى الله بالطاعات، وامتثال أوامر الله عز وجل لتنالوا رضاه، وتتأهلوا للفلاح، الذي هو الفوز بالنجاة من المرهوب، والظفر بالمحبوب المرغوب -الجنة- والسعادة في الدنيا والآخرة 85.
ثالثًا: التواصي بالحق:
من صفات المؤمن التقي الذي يسعى لنيل رضا الله ورضوانه والفوز بجنته، أنه يحرص كل الحرص على التزام الحق في كل حياته وأمورها، ويحرص على دعوة الآخرين للتواصي بالحق، ومن استجاب فقد انطبق عليه قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:3] .
والله سبحانه تعالى يحق الحق بكلماته رغمًا عن المشركين الكارهين؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) } [الأنفال:7 - 8] .
وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) } [الشورى:24] .
هذا هو حال الله، ولما لا نكون ممن يتمسك بالحق، ونحرص على نشره وتطبيقه، وأن نتقي الله في ذلك؛ لأن به الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [آل عمران:102] .
رابعًا: التواصي بالصبر:
الصبر فضيلة من أمهات الفضائل، وهو من أبرز الأخلاق التي عني بها القرآن العظيم، ويعتبر من دلائل صدق الإيمان، ووسيلة ضرورية يستعان بها في هذه الدنيا، وهو الدواء الشافي لنفس المصاب حيث يخفّف حزنها وآلامها، فذلك الصبر ضروري للإنسان لما له من قيمة كبيرة دينية وخلقية، فهو ضرورة لازمة له ليرقى ماديًّا ومعنويًّا، ويسعد فرديًّا واجتماعيًّا، فلا ينتصر دين، ولا تنهض أمة إلا بالصبر، والصبر ضرورة دنيوية كما هو ضرورة دينية، فلا نجاح في الدنيا ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر.
وهو ضرورة لازمة لأهل الإيمان؛ لأنهم أشد الناس تعرضًا للأذى والابتلاء في أموالهم وأنفسهم، وفي كل عزيز لديهم، وكان أولوا العزم من الرسل أشد المرسلين ابتلاءً، فكان صبرهم محل القدوة والأسوة، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) } [الأحقاف:35] .
ولأهميته أمرنا الله به، في قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:46] .
وأخبر الله أنه مع الصابرين في صبرهم في قوله تعالى أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] .
يعينهم الله على المشاق، وما يواجهونه في حياتهم، ويكافئهم على ذلك كما في قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) } [النحل:96] .
وأنواع الصبر ثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المصيبة 86.
والمؤمن الذي يستجيب لأمر الله فيتحلى بخلق الصبر، ويصبر على ما يصيبه فقد أعد الله له الجزاء العظيم، فأولًا يستحق البشرى.
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) } [البقرة:155] .
وقال أيضًا: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } [النحل:126] .
وكذلك يبيّن الله أنه يحب أهل الصبر في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) } [آل عمران:146] .
ويعدهم الله بمضاعفة الأجر، فقال: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:54] .
وبيّن الله أيضًا أن ثوابهم غير محدود، بل هو موكول لفضل الله تعالى الذي لا حدود له ولا قيود.
قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) } [الزمر:10] .
ولهم الفوز والفلاح يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) } [المؤمنون:111] .
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) } [آل عمران:200] .
يحض الله تعالى المؤمنين في هذه الآية على ما يوصلهم إلى الفلاح وهو: الفوز بالسعادة والنجاح، والطريق الموصل إلى ذلك هو: لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس عما نكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم الله بالصبر على جميع ذلك، وأمرهم بالمصابرة أيضًا وهي: لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه 87.
وقيل: « {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} بمعنى واحد للتأكيد، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جريج: اصبروا على طاعة الله في تكاليفه، وصابروا أعداء الله في الجهاد. ورابطوا في الثغور في سبيل الله، وقيل: استعدوا للجهاد» 88، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الأنفال:60] .
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: «خافوه فلا تعصوه، واعملوا بما أنزل، ولا تهملوه، وارضوا بما قسم فلا تكفروه، واستعدوا ليوم الرحيل فلا تنسوه، ثم تأتي النتيجة بعد ذلك {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، أي: لتفلحوا، وتلك نتيجة أكيدة ويقينية، فمن صبر، وصابر، ورابط، واتقى الله نال السعادة في الدنيا، ودار الكرامة في الآخرة، وسعد برضوان من الله ذلك هو الفوز العظيم» 89.
ذكر القرآن الكريم بعضًا من العقوبات التي تلحق بالخاسرين في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: عقوبة الخاسرين في الدنيا:
فعقوبة الخاسرين في الدنيا، حرمانهم من أفضل نعمة أنعمها الله علينا ألا وهي نعمة الإيمان؛ لقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) } [الأنعام:20] .
يقول الماوردي: « {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} فيها تأويلان:
أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة؛ لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج، فإن أسلموا كانت لهم، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون:11] .
والثاني: معناه: غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب» 90.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .
وقوله: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) } [نوح:21] .
فتوضّح هذه الآيات أن سبب حرمانهم من الإيمان، انغماسهم في ملذات الدنيا وشهواتها وذلك بالانشغال في جمع الأموال وإكثارها، والانشغال بالأولاد، والسعي وراء الشهرة والمكانة، مع غيرها من الأسباب الأخرى، ألهاهم ذلك كله عن الإيمان بالله وعبادته وذكره، وبالفساد في الأرض بكل أشكاله، فكان سببًا في خسارتهم، وبإضلالهم وعدم هدايتهم، وعدم نيل مغفرة الله ورحمته، وأن يغفل عن شيء مهم، وهو أن الله عز وجل أوجدنا على سطح الأرض في هذه الحياة الدنيا لهدف وغرض، ألا وهو عبادة الله سبحانه وتعالى.
والدين إذا لم يصل بصاحبه إلى هذا الخضوع والانقياد لله تعالى كان رسومًا وتقاليد لا تجدي شيئًا، بل تزيد النفوس فسادًا، والقلوب ظلامًا، ويكون حينئذٍ مصدر الشحناء والعداوة بين الناس في الدنيا، ومصدر الخسران في الآخرة بالحرمان من النعيم المقيم، والعذاب الأليم، وبالتالي يكون جزاء من يقبل بغير الإسلام دينًا أنه في الآخرة من الخاسرين؛ لأنه أضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله والانقياد له، كما جاء في الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء) 91.
فخسر نفسه بضياع رضوان الله، وخسر النعيم المقيم، ورحمة الله، فألقي في الجحيم 92.
اللهم هب لنا الإخلاص، وأنر به بصائرنا، وامنحنا قبولك ورضاك يا أرحم الراحمين.
ومن العقوبات للخاسرين في الدنيا أيضًا حبوط الأعمال وخسارتها، فلو تساءلنا كيف يخسر الإنسان أعماله؟
كما نعلم أن العمل للآخرة ميدانه هذه الحياة الدنيا، ومدّته لكل إنسان عمره، من حين يبلغ الحلم، إلى أن يدركه الأجل، وهو لهذا جاء إليها، وأعطي الفرصة فيها، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .
فكل إنسان يجازى على حسب عمله في الحياة الدنيا، فإن عمل عملًا حسنًا نال الجزاء الحسن، وإن عمل عملًا سيئًا، نال الجزاء السيء على حسب عمله، كما يقال: إن الجزاء من جنس العمل، عن أبي بكرة أن رجلًا قال: (يا رسول الله أي الناس خير؟ قال:(من طال عمره وحسن عمله) . قال: فأي الناس شر؟ قال: (من طال عمره وساء عمله) 93.
والله يراقب أعمال العباد وينظر إليها، قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) } [يونس:61] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) 94.
إذن لابد للإنسان من الجد والاجتهاد للإكثار من القيام بالأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، حتى يكون مثواه الجنة.