وقال البقاعي في معنى الآية: أو مثلهم في سماع القرآن الذي فيه المتشابه والوعيد والوعد كأصحاب صيب، أي: مطر عظيم نازل من السماء، ومثّل القرآن بهذا؛ لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه القلوب كما أن الصيّب يحيي الأرض، ثم أخبر عن حاله بقوله: فيه ظلمات؛ لكثافة السحاب واسوداده، ورعد، أي: صوت مرعب يرعد عند سماعه، وبرق، أي: نور مبهت، والظلمات مثل ما لم يفهموه، والرعد ما ينادي عليهم بالفضيحة والتهديد، والبرق ما يلوح لهم معناه، ويداخلهم رأي في استحسانه، ولما تم المثل القرآني استأنف الخبر عن حال الممثّل لهم، فقال: يجعلون أصابعهم، أي: بعضها، ولو قدروا لحشو الكل؛ لشدة خوفهم من الصواعق؛ لأن هولها يكاد أن يصم، ثم علل ذلك بقوله: {حَذَرَ الْمَوْتِ} والحال أنه لا يغنيهم من قدره حذر 85.
فالحركة التي تغمر المشهد كله: من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه، إلى الخطوات المروعة الوجلة، التي تقف عندما يخيم الظلام ترسم حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون، بين لقائهم للمؤمنين، وعودتهم للشياطين، وبين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة، وبين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام، فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ويجسم صورة شعورية، وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس 86.
2.حذر الموت لا يمنع قدر الله.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] .
أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل، حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه الكثرة؛ فرارًا من الموت، فلم ينجهم الفرار، ولا أغنى عنهم من وقوع ما كانوا يحذرون؛ فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله عن آخرهم، ثم تفضل عليهم، فأحياهم 87.
قال ابن عاشور: وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والأظهر أنهم قوم خرجوا خائفين من أعدائهم فتركوا ديارهم جبنًا، وقرينة ذلك عندي قوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} فإنه الجملة حال، وهي محل التعجب، وإنما تكون كثرة العدد محلًّا للتعجب، إذا كان المقصود الخوف من العدو، فإن شأن القوم الكثيرين ألا يتركوا ديارهم خوفًا وهلعًا، والعرب تقول للجيش إذا بلغ الألوف: لا يغلب من قلة، فقيل: هم من بني إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم؛ فرارًا من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلًا لحال أهل الجبن في القتال بحال الذين خرجوا من ديارهم بجامع الجبن 88.
فهذا هو الخوف والحذر الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء، فيخيل إليهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت، وما هو إلا وسيلة تدني إليه، فهو يمكن العدو من الرقاب، ويحفزه إلى الفتك بهم، استهانة بأمرهم 89.
وفي هذه الآية دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصًا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. وفيها: آية عظيمة بإحياء الموتى عيانًا في هذه الدار 90.
خاطب الله المؤمنين، وأمرهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة؛ حتى يتحسسوا ما عندهم ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 71 - 73] .
قال السعدي: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين، وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم، ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل الله.
ولهذا قال: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو جيش، ويقيم غيرهم {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} .
ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: {وَإِنَّ مِنْكُمْ} أي: أيها المؤمنون {لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفًا وخورًا وجبنًا، هذا الصحيح.
وقيل معناه: ليبطئن غيره، أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون، ولكن الأول أولى لوجهين:
أحدهما: قوله {مِنْكُمْ} والخطاب للمؤمنين.
والثاني: قوله في آخر الآية: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} .
فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة، و أيضًا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين:
-صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد.
-وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد» 91.
وفي هذه الآية أمر من الله سبحانه للناس بالجهاد سرايا متفرقة أو مجتمعين على الأمير، فإن خرجت السرايا فلا تخرج إلا بإذن الإمام؛ ليكون متحسسًا إليهم وعضدًا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه 92.
وقوله: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} تفريع عن أخذ الحذر؛ لأنهم إذا أخذوا حذرهم تخيروا أساليب القتال بحسب حال العدو 93.
ومعنى الأمر بالحذر: ألا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى للسرايا أو المهام الجهادية، بل يخرجون سرايا وفصائل، أو يخرجون جميعًا في جيش متكامل؛ لأن الأرض حولهم ملغمة، والعداوات حولهم شتى، والكمين قد يكون كامنًا بينهم من المنافقين واليهود وغيرهم، فأخذ الحذر ليس من العدو الخارجي فحسب، ولكن أيضًا من المعوقين المبطئين المخذلين، الذين سقطت همتهم وغلب عليهم حب المنفعة القريبة، والتلوّن من حال إلى حال، حسب اختلاف الأحوال، فقد كانوا يبطئون أنفسهم وغيرهم، وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف 94.
والمتأمل لهذه الآيات يجد أنها قد حددت قواعد القتال، وأوجبت أن تكون الحرب لغرض شريف، وأول هذه القواعد: التزام الحذر، ومراقبة تحركات العدو، والإعداد اللازم لملاقاته في أي وقت، فقد يباغتنا العدو في أي لحظة، ويستغل بعض الظروف والأزمات، وعندها يكون الاستعداد السابق مفوتًا لأغراضه الدنيئة، وملحقًا به الهزيمة المنكرة 95.
وأمر الله سبحانه بأخذ الحذر من غدر العدو في ميدان القتال، فقال: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102] .
وهذه الآية الكريمة تدل دلالة صريحة قاطعة على وجوب أخذ الحذر، بل وتبين للمسلمين كيفية الحذر مما يدل على أهميته، فالأمر بأخذ الأسلحة، والأمر بأن يكون بعض المسلمين وراء المصلين يحمونهم من العدو، وتقسيم المسلمين إلى طائفتين، طائفة تصلي، وطائفة تحرس، والأمر بأخذ الحذر، وبيان أن الكفار يرغبون أن يترك المسلمون الحذر وأخذ أسبابه حتى يستأصلوا المسلمين مرة واحدة، كل ذلك دليل على وجوب الحيطة والتحرز، وأخذ الحذر من المكروه المتوقع.
وقد روى الواحدي سبب نزول هذه الآية بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الظهر، فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه، قال بعضهم لبعض: كان هذا فرصة لكم، لو أغرتم عليهم، ما علموا بكم حتى تواقعوهم، فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى، هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} وأعلم ما ائتمر به المشركون، وذكر صلاة الخوف 96.
يقول ابن جزي الكلبي: شرعت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، حيث أخبر الله نبيه عمّا جرى من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، ونزل جبريل بصلاة الخوف حذرًا من الكفار. واختلف في صلاة الخوف على عشرة أقوال؛ لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا مضطرين إلى ذكرها؛ لأن تفسيرها لا يتوقف على ذلك، حيث يقسم الإمام المسلمين على طائفتين، فيصلي بالأولى نصف الصلاة، وتقف الأخرى تحرس، ثم يصلي بالثانية نصف الصلاة، وتقف الأولى تحرس، واختلف هل تتم كل طائفة صلاتها وهو مذهب الجمهور، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام: اختلف هل يتمونها في إثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك 97.
وجمع الله تعالى في هذه الآية بين الأمر بالحذر وتهديد الكافرين بالعذاب المهين؛ لأن الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفى عنهم ذلك الإيهام بالإخبار أن الله يهين الكافرين ويخذلهم وينصر المؤمنين عليهم؛ لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله 98.
ولما رخص الله للمؤمنين بوضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالًا في الميل عليهم واستغنامًا منهم لوضع المسلمين أسلحتهم 99.
ويعدّ هذا النص من جملة التربية والتوجيه والتعليم والإعداد للصف المسلم وللجماعة المسلمة، وأول ما يلفت النظر هو الحرص على الصلاة في ساحة المعركة؛ لأن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة، فلا بد من تنظيم هذا السلاح بما يتناسب مع طبيعة المعركة، وهذه التعبئة الروحية، وهذا الحذر الذي يوصى به المؤمنون تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة عن أسلحتهم وأمتعتهم ليميلوا عليهم ميلة واحدة، ومع ذلك فهم يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان والعذاب الأليم، وهذا التقابل بين التحذير والتطمين هو طابع منهج التربية الإلهية للصف المسلم في مواجهة عدوه الماكر اللئيم، بل لعل هذا الاحتياط، وهذه اليقظة، وهذا الحذر يكون إرادة ووسيلة لتحقيق العذاب الأليم الذي أعده الله للكافرين 100.
والحكمة العامة في الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة، أن الكفار يودون من صميم قلوبهم أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم، ولو بانشغالكم في الصلاة؛ فينقضون عليكم، ويميلون عليكم ميلة واحدة بالقتل والنهب، ولكن اللّه يريد لكم النصر والغلبة، فيأمركم بالاستعداد والحذر 101.
وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم؛ لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر، فيتوكلوا على الله سبحانه وتعالى 102.
وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب، ويوصل إلى السلامة ويبلغ دار الكرامة.
مع التنبيه على أن الأخذ بالحذر وأسباب الحيطة واليقظة والتحرز لا يعني عدم الثقة بالله، ولا ينافي التوكل عليه؛ لأن الحذر من الأسباب، ومباشرة الأسباب لا تنافي التوكل، ولكن لا يجوز أبدًا الاطمئنان والركون إليها والتعلق بها؛ لأن الأسباب والمسببات بيد الله وحده، فهو الذي يهيئ السبب، وهو الذي يوفق إليه ويدل عليه، ويجعله مفضيًا إلى نتيجته، ولو شاء لسلبه ما به صار سببًا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بل إن المسلم يباشر الأسباب؛ لأن الله أمر بها ودعا إليها، ولكن يبقى القلب معتمدًا على الله وحده، متلفتًا إليه متعلقًا به كأن صاحبه لم يباشر أي سبب أصلًا، وهذه كانت حالة سيد المتوكلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد باشر الأسباب في هجرته إلى المدينة ودخل مع صاحبه أبي بكر إلى الغار أخذًا بالحيطة والحذر، ولكن اعتماده لم يكن على ما باشره من أسباب، وإنما كان اعتماده على الله وحده، ولهذا لما شعر أبو بكر بالقلق على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر عليه الحزن، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال له صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) 103، فكان نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتماده على معية الله لهما بالنصر والحفظ والتأييد لا على ما باشره من الأسباب.
سابعًا: الحذر من الشيطان:
بين الله عز وجل عداوة الشيطان وحذر منه فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
فهو أول عدو في طريق المؤمنين إلى دار السلام، عداوته قديمة قدم الحياة، منذ بدء الخليقة.
ونهانا ربنا عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرقه التي يدعو إليها من الفواحش والشهوات المحرمة، وترك الواجبات، وفعل المحرمات، وأخبرنا أن الشيطان لنا عدو، وأمرنا أن نتخذه عدوًّا وأنه يدعو أتباعه؛ ليكونوا من أهل النار فقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
ومن أعظم مداخل الشيطان على العباد: إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 90 - 92] .
إنها دعوة للمؤمنين للحذر من الشيطان وكيده والتمسك بطاعة الله ورسوله، «والحذر من هذا الرجس، الذي بين يدى الشيطان يدعوهم إليه، ويغريهم به، وليس للمؤمنين بعد هذا البلاغ بلاغ، فإن تولّوا، ولم يستجيبوا لأمر الله؛ فلهم ما اختاروا، وليس لأحد سلطان عليهم إلا وازع ضمائرهم» 104.
وقد ذكر الواحدي في سبب نزول هذه الآية حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: أتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حشّ -والحش: البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به، فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فأنزل الله عز وجل فيّ -يعني نفسه- شأن الخمر: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] 105.
وأخرج النسائي عن عمر رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا» ، فنزلت الآية التي في البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال عمر: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا» ، فنزلت الآية التي في النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] .
فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] .
فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا» ، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] .
قال عمر رضي الله عنه: «انتهينا انتهينا» 106.
ثم أكد الله تعالى التحريم وشدد في الوعيد فقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] .
تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال الأمر، وكفّ عن المنهي عنه، فإن خالفتم فما على الرسول إلا البلاغ في تحريم ما أمر بتحريمه، وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع 107. وهذا الأمر أعم الأوامر؛ فإنه يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن 108.
وأمر سبحانه بطاعته وبطاعة رسوله، مع أن طاعة رسوله طاعة له سبحانه؛ لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله تعالى 109.
وعطفت جملة: {وَأَطِيعُوا} على جملة: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، وهي كالتذييل؛ لأن طاعة الله ورسوله تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب، وكرر {وَأَطِيعُوا} اهتمامًا بالأمر بالطاعة، وعطف {وَاحْذَرُوا} على {وَأَطِيعُوا} أي: وكونوا على حذر. وحذف مفعول {وَاحْذَرُوا} ؛ لينزل الفعل منزلة اللازم؛ لأن القصد التلبس بالحذر في أمور الدين، أي: الحذر من الوقوع فيما يأباه الله ورسوله، وذلك أبلغ من أن يقال: واحذروهما؛ لأن الفعل اللازم يقرب معناه من معنى أفعال السجايا، ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زنة (فعل) كفرح ونهم 110.
وقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} لفظة استفهام، ومعناه الأمر، أي: انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطب، كأنه قيل: قد تدلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور، أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تنزجروا؟ 111.
فليحذر المسلم من كيد الشيطان ومكره، وليعلم أنه يجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فور وصول الأمر، وليكن لسان المؤمن عند سماعه النهي: انتهينا انتهيا.
ثامنًا: الحذر من المنافقين:
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام، صار أناس يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر؛ ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] .