فهرس الكتاب

الصفحة 1305 من 2431

هذا إخبار عن اصطفاء يوسف عليه السلام للنبوة، ذكر هنا في ذكر مبدأ حلوله بمصر لمناسبة ذكر منة الله عليه بتمكينه في الأرض، وتعليمه تأويل الأحاديث.

والأشد: القوة. وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثين سنة إلى أربعين.

وإنما جعل بلوغ الأشد علة، لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في الجسم والعقل، وهو الجانب الأهم، فجعل «الأشد» كأنه الغاية المقصودة من تطويره، والأشد: سن الفتوة واستجماع القوى.

والحكم والحكمة مترادفان، وهو: علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح واجتناب ضده. وأريد به هنا النبوة، كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان عليهما السلام: (ہ ھ ھ ھھ) والمراد بالعلم علم زائد على النبوة.

وتنكير (ھھ) للنوعية، أو للتعظيم. والمراد: علم تعبير الرؤيا، كما سيأتي في قوله تعالى عنه: (? ? ? ?) 211 [يوسف: 37] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 56] .

ويكنى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرف، لأن صاحب المكان يتصرف في مكانه وبيته، ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر. ويقال: هو مكين بمعنى ممكن، فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: (? ? ? ? ?) [يوسف: 54] .

فهو كناية، أو هو مجاز مرسل مرتب على المعنى الكنائي. والتمكين في الأرض تقوية التصرف في منافع الأرض والاستظهار بأسباب الدنيا، بأن يكون في منعة من العدو، وفي سعة في الرزق وفي حسن حال، قال تعالى: (? ? ? ? ?) [الكهف: 84] .

وقال: (? ? ? ? ژ) [الحج: 41] .

فمعنى مكنه: جعله متمكنًا، ومعنى مكن له: جعله متمكنًا لأجله، أي: رعيًا له، مثل حمده وحمد له 212.

ولما تبينت له براءة يوسف وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضًا صبره وعلو همته، عظمت عنده منزلته، وتيقن حسن خلاله 213.

قال ابن العربي في أحكامه: قوله: (? ? ? ? ?) : أي: متمكن مما أردت، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء؛ أما أمانته فلظهور براءته، وأما مكانته فلثبوت عفته ونزاهته 214.

ولما فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره، قال: (? ? ? ? ?) [يوسف: 55] .

لما في ذلك من مصالح العباد، وطلب يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام في رغبته في أن يقع العدل، وجائز أيضًا للمرء أن يثني على نفسه بالحق، إذا جهل أمره، و (?) : لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره 215.

فدلت الآية على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا 216.

وفي هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك.

قال الماوردي: فإن كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم.

قال الماوردي: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه، كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد.

والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه، كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق.

والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذًا للحكم بين متراضيين، وتوسطًا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز 217.

ومن مقومات الحكم والسياسة التي يمكن أن نستخلصها من قصة نبي الله يوسف عليه السلام ما يلي:

أولًا: طلبه للإمارة حين وجد نفسه كفئًا لها، ولم يكن في عصره من هو مثله. وذلك أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضًا صبره وجلده، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله، فقال: (ٹ ٹ ٹ ٹ) 218 [يوسف: 54] ، فقال يوسف عليه السلام: (? ? ? چ چ چ) [يوسف: 55] .

أي: أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك؛ ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا 219.

ثانيًا: أدار شؤون البلاد في المراحل الحرجة، وذلك بالادخار من الرخاء للشدة والعسر لليسر.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ) [يوسف: 47 - 49] .

وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت (ژ ژ) أي: لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة 220.

وفي هذا دليل على أنه ينبغي للحاكم مراعاة الحالة الاقتصادية للناس والبلاد، والادخار في أيام الرخاء لأيام الشدة.

ثالثًا: تعامله في قضية الصواع بحكمة وذكاء في قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 72] .

إلى قوله تعالى: (گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 76] .

وصواع الملك: إناء كان يشرب به ويكال به، ويقال له: الصاع، ويذكر ويؤنث 221.

وتعد هذه الآية أصل في الجعالة، وذلك أن يوسف عليه السلام أمر عماله أن يخبئوا الصاع في متاع أخيه، وفي ذلك أيضًا دليل على جواز الحيل المشروعة.

رابعًا: عفوه وصفحه في قضيته مع إخوته مع قدرته ومكانته، وتعامله معهم بالحكمة واللين والكياسة. قال تعالى: (ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 92] .

ثالثًا: ذو القرنين:

وهو رجل آتاه الله من القوة والملك ما جعله يجوب أقطار الأرض ويصل إلى مواقع غريبة، وقد اختلف المفسرون في شخصيته، فذهب بعضهم إلى أنه الإسكندر 222.

وقد بلغ ملكه إلى أقصى المغرب وإلى أقصى المشرق وإلى أقصى الشمال، بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وهذا الذي بلغه ملك هذا الرجل هو نهاية المعمور من الأرض، ومن بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، فوجب القطع أن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلفوس اليوناني المقدوني 223.

ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به، إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه؛ لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص، وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حكمية أو خلقية 224.

قال الله تعالى عن ذي القرنين: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ?) [الكهف: 84] .

وقد آتاه الله من كل شيء يحتاج إليه في الوصول إلى أغراضه (?) أي: طريقًا موصلًا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود، من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب (? ?) [الكهف: 85] .

يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق (? ?) وأراد بلوغ السدين (? ?) وأصل السبب الحبل، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود 225.

وسياسة ذي القرنين تتمثل لنا من خلال قصته في سورة الكهف في الآتي:

أولًا: كان مثالًا للحاكم المجتهد والقائم بالعمل بنفسه لما يتطلبه الأمر، في الانتقال من موضع لآخر، بحثًا عن إسعاد الآخرين، وتتبعًا لأحوال الناس، واستثمارًا للقوة التي منحه الله تعالى إياها. وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 85 - 86] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ں) [الكهف: 89 - 90] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 92 - 93] .

ثانيًا: حرص على إنصاف المظلوم من الظالم، ومنع الفساد في الأرض، وذلك ببناء السد ليحجز يأجوج ومأجوج عن الناس، ولا يجعل لهم طريقًا إليهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 94] .

ثالثًا: أراد من قومه أن يكونوا متعاونين معه، وأشركهم في العمل واستعان بهم، فلم يجعلهم شعبًا متواكلًا يعتمد على قوة غيره، وذلك في قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 95] .

رابعًا: اعترافه بنعمة الله عليه، وثناؤه عليه، بقوله: (? ? ? ? ? ?) [الكهف: 95] .

خامسًا: أنه بين معالم سياسته بوضوح في هؤلاء القوم، وذلك في قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 86] .

فكان الرد (? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 87] .

فالله تعالى مَكَّنَه منهم وحَكَّمَه فيهم، وأظفره بهم، وخَيَّرَه: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء مَنَّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه في قوله: (چ چ چ) أي: من استمر على كفره وشركه بربه (چ?) قيل: بالقتل، وقيل: غير ذلك. وقوله: (? ? ? ? ? ? ?) أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا. وفيه إثبات المعاد والجزاء.

وقوله: (?) أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له (ڑ ڑ کک) أي: في الدار الآخرة عند الله عز وجل، (ک ک گ گ گ) قال مجاهد: معروفًا 226.

فبين معالم سياسته في حكمهم أن من يستحق العقوبة يعاقب عقابًا دنيويًا، ولا يغنيه ذلك عن عقاب الآخرة.

رابعًا: ملكة سبأ:

ويظهر السياق القرآني أبرز ملامح السياسة عند ملكة سبأ في ما يلي:

••حكمة بلقيس في التعامل مع كتاب نبي الله سليمان.

••مشورتها مع كبار رجال مملكتها ورفض منطق القوة الغير متكافئة. قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 32]

••محاولتها رشوة نبي الله سليمان عليه السلام بالهدايا، ورفضه لذلك. قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 35 - 36] . حيث علمت أنه لا طاقة لها بمواجهة سليمان عليه السلام وعداوته وقتاله، كما علمت أن الهدايا تقع موقعًا بالغًا في قلوب الناس، فأرسلت إليه بهدايا من نفائس الأموال، من أجل أن يكف عنهم، وانتظرت رأيه في ذلك، فردها سليمان عليه السلام وقال: ما آتاني الله من الملك والحكم والنبوة والمال خيرٌ مما آتاكم، ولم يقبلها هداياها.

••رضوخها لدعوة نبي الله سليمان عليه السلام ودخولها في دينه. قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 44] . وقال سبحانه من قول الهدهد عن ملكة سبأ: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [النمل: 23] .

وسبأ: هم حمير، وهم ملوك اليمن 227.

واسم ملكة سبأ: بلقيس بنت الشيرح، وقيل: شراحيل بن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان. وكان أبو بلقيس الذي يسمى الشيرج، ويلقب بالهدهاد، ملكًا عظيم الشأن، وكان يملك أرض اليمن كلها 228.

(? پ پ پ) من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، (پ ? ?) أي: سرير تجلس عليه، عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ 229.

وكان لها قصر عظيم، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساءً؛ ولهذا قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 24] .

ويمكننا استنباط معالم السياسة الرشيدة في النماذج القرآنية من خلال ما سبق فيما يلي:

••اتصاف الملك بالقوة والعدل والحكمة.

••الحذر من مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة.

••إن العلم والحكمة مطلبان مهمان، بهما يكون قوام الملك والسداد في السياسة ورعاية الأمة.

••كان في قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام تنبيه على أصل الاجتهاد، وعلى فقه القضاء، وهي كذلك أصل في اختلاف الاجتهاد، والعمل بالراجح، وفي مراتب الاجتهاد، وعذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد.

••عدم الاغترار بالملك والسلطان، وذلك في قول الهدهد لسليمان عليه السلام: (? ? ? ? ?) [النمل: 22] . فهو تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله تعالى ممالك وملوكًا تداني ملكه أو تفوقه في بعض أحوال الملك.

••إن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح، ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها.

••ومن مقومات السياسة الرشيدة: التثبت في قبول الأخبار، فيجب على الإمام أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم.

••إرسال الكتب والرسل إلى غير المسلمين وتبيلغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام، وذلك في قوله تعالى: (ک گ گ گ گ) [النمل: 28] . وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وغيرهم.

••جواز طلب الإمارة لمن وجد نفسه كفئًا لها، ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا.

••ينبغي للحاكم مراعاة الحالة الاقتصادية للناس والبلاد، والادخار في أيام الرخاء لأيام الشدة.

••جواز الحيل المشروعة للتوصل إلى الحق.

••العفو والصفح مع القدرة والسلطان.

••اجتهاد الحاكم في تتبع أحوال الناس، والقيام بما يحتاجونه ويطلبونه، ودفع الظلم عنهم.

••الاعتراف بنعمة الله تعالى والثناء عليه، وأن الملك والتمكين بيد الله تعالى.

••مشاورة أهل الحل والعقد فيما يتعلق بأمور الأمة ومصالح العباد.

••إن الرشاوى سبب في فساد الدين والحكم والممالك.

العلاقة السياسية بين الدول لها أهمية كبيرة في الإسلام، حيث أولاها عناية واضحة من خلال نصوص الكتاب والسنة، وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بها في حياته، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده.

وأشير هنا إلى هذه العلاقة على النحو الآتي:

أولًا: الدول الإسلامية:

بالنظر إلى العلاقة السياسية بين الدول الإسلامية نجد أنها تتمثل في بعض آيات الكتاب العزيز، منها:

قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .

وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ} [التوبة: 71] .

هذه الموالاة: هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي 230.

والولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولي الأمر 231.

ومقتضى هذه الولاية بين الدول الإسلامية، التعاون والتناصر على جميع المستويات، وفي شتى المجالات، سواء كان تعاونًا اقتصاديًا أو علميًا أو طبيًا أو غير ذلك.

وقوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72] .

كما أن من مقتضى الولاية بين الدول الإسلامية، التناصر فيما بينهم، والتعاون العسكري والدفاعي عن بلدان المسلمين، فالمسلمون كالجسد الواحد، والجهاد إنما يجب -إذا داهم العدو المسلمين- على أهل تلك البلدة، فإن عجزوا فمن حولهم، وهكذا قال ابن قدامة: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده، تعين عليه) 232.

فالجهاد فرض عين في موضعين:

أحدهما: إذا التقى الزحفان وهو حاضر.

والثاني: إذا نزل الكفار بلد المسلمين، تعين على أهله النفير إليهم.

هذا في أهل الناحية ومن بقربهم، أما البعيد على مسافة القصر، فلا يجب عليه، إلا إذا لم يكن دونهم كفاية من المسلمين. فمفهوم قوله: (أو حضر العدو بلده) أنه لا يلزم البعيد. وهو صحيح، إلا أن تدعو حاجة لحضوره، كعدم كفاية الحاضرين للعدو، فيتعين أيضًا على البعيد 233.

وفي روضة الطالبين: الجهاد الذي هو فرض عين، إذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين، أو أطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا، صار الجهاد فرض عين، وعن ابن أبي هريرة وغيره أنه يبقى فرض كفاية، والصحيح الأول، فيتعين على أهل تلك البلدة الدفع بما أمكنهم 234.

وبهذا يتبين لنا أن علاقة المسلمين بعضهم ببعض تقوم على الولاء والنصرة والمعاونة، ومن صور التعاون المعاصرة التي حرصت عليها الدول الإسلامية: الدفاع المشترك، والتعاون السياسي والحربي، ونحو ذلك.

ثانيًا: الدول غير الإسلامية:

يمكن استتنباط جوانب العلاقة السياسية بين الدول غير الإسلامية من خلال الآيات الآتية:

قال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .

وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس المعاهدات والمواثيق للدولة الإسلامية في علاقاتها سواء مع الدول الإسلامية الأخرى أو الدول غير الإسلامية، والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم عدة عهود:

أولها: عهد الإسلام.

ومنها: عهد المسلمين عندما يلاقون الرسول صلى الله عليه وسلم وهو البيعة، أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، وهو عين العهد الذي ذكره القرآن في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء المؤمنات، كما ورد في الصحيح أنه كان يبايع المؤمنين على مثل ذلك.

ومنها: بيعة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج سنة ثلاث عشرة من البعثة قبل الهجرة، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلًا التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الموسم في العقبة، ومعهم العباس بن عبد المطلب، فبايعوا على أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يمنعون نساءهم وأبناءهم، وعلى أنهم يأوونه إذا هاجر إليهم.

وقد تقدم هذه البيعة بيعتان:

إحداهما: سنة إحدى عشرة من البعثة، بايعه نفر من الخزرج في موسم الحج.

والثانية: سنة اثنتي عشرة من البعثة، بايع اثنا عشر رجلًا من الخزرج في موسم الحج بالعقبة ليبلغوا الإسلام إلى قومهم.

ومن المواثيق: ميثاق بيعة الرضوان في الحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة، وفي كل ذلك واثقوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره 235.

وقال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 9] .

فيه دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون أهل الحرب، ووجوب النفقة للأب الكافر الذمي، وأما الحربي فيجب قتله 236.

وفيه نص صريح على عدم النهي المذكور في خصوص من لم يعادوهم في الدين 237.

وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .

فقال الربيع بن أنس: أول آية نزلت في الإذن بالقتال في المدينة، وقال آخرون: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلح الحديبية إلى المدينة، حين صده المشركون عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامه القابل، ويخلو له مكة ثلاثة أيام، فلما كان في العام القابل، تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت ويقاتلونهم، وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يعني: قريشًا الذين صالحوهم، {وَلَا تَعْتَدُوا} فنبذوا في الحرم بالقتال 238.

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت