وبعد أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، جعلهم الله تعالى مضرب المثل، وعبرةً لمن خلفهم من اليهود.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال في قوله تعالى {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: 15] يعني: بني قينقاع 33.
رابعًا: علاقة قصة غزوة بني قينقاع بموضوع سورة آل عمران:
تدور آيات سورة آل عمران حول ثلاث موضوعات هامة هي:
-تحديد معنى الدين ومعنى الإسلام.
-وصف حال المسلمين مع ربهم وموقفهم من تعاليم الدين وتكاليفه.
-التحذير المستمر من الثقة بغير المسلمين، وتوضيح ما ينجر للمسلمين من الأخطار والمتاعب إذا والوهم ووثقوا بهم في شؤونهم 34.
وقد جاءت الآيات في بني قينقاع تندرج تحت الموضوع الثالث، وهو تحذير المسلمين من اليهود والكافرين، وأنهم مهما بلغت قوتهم وازداد عددهم، لكن قدرة الله تعالى أكبر منهم، فهو يعدهم سبحانه بأنهم سيغلبون، وستكون جهنم مهادهم ومصيرهم، ويدلل سبحانه على تحقق ما وعد به من خلال الواقع الملموس وما حاق بكفار قريش رغم كثرة عددهم وعدتهم في مقابلة قلة عدد المسلمين وعتادهم، كي يكون ذلك آية وعبرة لليهود والكافرين، وأن النصر بيد الله سبحانه وتعالي يكتبه لمن يشاء، وقد وعد به المؤمنين قال تعالي {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
ثم تستمر السورة في التحذير من غير المسلمين ومن موالاتهم وبخاصة اليهود والنصارى، وأن من يخالف أمر الله فإنه منهم، وقد جعل الحق سبحانه وتعالى موالاة اليهود والنصارى علامة من علامات النفاق، حينما أخبر أن المنافقين وهم من في قلوبهم مرض يتوددون إلى اليهود والنصارى ويتقربون منهم، شكًّا منهم في وعد الله، مع أن وعده سبحانه لا يتخلف، ونافذ ولو بعد حين، وهذه عقيدة المؤمنين.
خامسًا: نتائج الغزوة:
كان من أهم نتائج الغزوة:
1.هزيمة اليهود ونزولهم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجلاء من المدينة.
2.نقض اليهود العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم.
3.كشف الحقد الدفين الذي انطوت عليه طبائع اليهود ضد المسلمين.
4.تكشف أمر المنافقين بالدفاع عن اليهود، كما حدث من عبد الله بن أبي بن سلول في دفاعه عن اليهود ومؤازرتهم.
5.براءة المؤمنين من حلف اليهود: وهو ما ظهر من الموقف الإيماني للصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
6.إجلاؤهم من المدينة: حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت أن يجليهم، فخرجوا بعد ثلاث، ومضى بهم عبادة حتى بلغوا جبل ذباب 35.
7.الغنائم: عرف عن يهود بني قينقاع الثراء والغنى، وظهر ذلك مما غنمه المسلمون منهم، فقد كانوا صاغةً، ولديهم آلة للصياغة، ووجد المسلمون لديهم سلاحًا كثيرًا، خص النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ببعض منه، قال الواقدي: كان محمد بن مسلمة هو الذي أجلاهم وقبض أموالهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسي، قوس تدعى الكتوم كسرت بأحد، وقوس تدعى الروحاء، وقوس تدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم، درعًا يقال لها السغدية 36 وأخرى فضة، وثلاثة أسياف، سيف قلعي، وسيف يقال له بتار وسيف آخر - لم يسم - وثلاثة أرماح، ووجدوا في حصونهم سلاحًا كثيرًا وآلة للصياغة وكانوا صاغةً 37.
يهود بني النضير هم الطائفة الثانية من اليهود الذين سكنوا المدينة، وهم داخلون في العهد الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود بطوائفهم الثلاث، وقد أثبتت الحقائق التاريخية أنهم لم يرعوا هذا العهد، بل كانوا يتحينون الفرص لنقضه، حتى إذا سنحت لهم الفرصة بادروا إلى النكوث والعودة فيه.
فهم أهل خيانة وغدر، ودلت أفعالهم الدنيئة من انتهاكهم لحرمات المسلمين، وإثارتهم للفتن والقلاقل أنهم لا يرجون أمانًا، ولا يطلبون سلامًا.
وبالرغم مما حاق بأسلافهم من بني قينقاع، إلا أنهم لا يعتبرون، قد أعمى بصائرهم وأبصارهم حقدهم وبغضهم للإسلام والمسلمين.
أولًا: زمان ومكان الغزوة:
فأما الزمان: فقد تعددت الروايات في زمنها 38، مما أدى إلى اختلاف أهل التفسير والسير والتاريخ في تحديد وقتها إلى أربعة أقوال:
الأول: أنها كانت بعد بدر بستة أشهر وقبل أحد، روي ذلك عن عروة والزهري وابن إسحاق والبخاري والبيهقي وغيرهم 39.
قال البخاري رحمه الله: قال الزهري عن عروة: «كانت على رأس ستة أشهرٍ من وقعة بدر قبل أحد» 40.
الثاني: أنها كانت في ربيع الأول بعد أحد من السنة الرابعة للهجرة، وهذا رأي ابن إسحاق والمحققين من المؤرخين، قال ابن كثير رحمه الله: «ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد، والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق 41 وغيره من أئمة المغازي 42، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير، وثبت في الصحيح 43 أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدًا، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالًا، وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله أعلم» 44.
الثالث: أن غزوة بني قينقاع وبني النضير كانتا في زمن واحد، وهذا رأي الحاكم، قال مغلطاي: قال الحاكم: غزوة بني قينقاع وبني النضير واحدة فربما اشتبهتا على من لا يتأمل.
وقد رد الحافظ ابن حجر على هذا القول بعد أن ذكر أن يهود بني قينقاع أول من نقض العهد فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم بني النضير، فقال رحمه الله: وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق.45
الرابع: التوقف، وهو ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، فلم يجزم برأي قاطع، وعلق التسليم برأي ابن إسحاق بثبوت تعلق الغزوة بقصة القتيلين العامريين.
قال رحمه الله معلقًا على رواية الزهري: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلى الله عليه وسلم وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق 46.
والذي تطمئن إليه النفس ما ذهب إليه ابن إسحاق وابن كثير وابن القيم وغيرهم، من أن غزوة بني النضير كانت بعد أحد، لأن إباحة شرب الخمر في أحد، وتحريمه في غزوة بني النضير يؤيد ذلك، ولأن الثقات من أهل المغازي كابن كثير وابن القيم عندما رتبوا الغزوات حسب الزمن وضعوا غزوة بني النضير بعد غزوة أحد، والله أعلم.
وأكد ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله ورد على أصحاب الرأي الأول بقوله: وزعم محمد بن شهاب الزهري، أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد والتي بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بني قينقاع. ثم قال: والصحيح الذي عليه أهل السير: أنها بعد غزوة أحد، وللنبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود أربع غزوات: أولها: غزوة قينقاع بعد بدر، والثانية: غزوة بني النضير بعد أحد، والثالثة: غزوة بني قريظة، بعد الخندق، والرابعة: خيبر، بعد الحديبية 47. وإلى هذا القول ذهب ابن العربي 48.
وأما المكان: فوقعت الغزوة في ديار يهود بني النضير، وكان موقعها العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة المنورة عند وادي مذينيب -وهو فرع لبطحان- على مسافة ميل أو ميلين منها في أواخر منطقة قربان حاليًّا، وتبعد عن المسجد النبوي مسافة 4 كم تقريبًا، ولم يبق من آثارهم غير بعض أطلال حصن كعب ابن الأشرف 49.
ثانيًا: أسباب الغزوة:
هناك عدة أسباب حملت النبي صلى الله عليه وسلم على غزو بني النضير وإجلائهم، ومن أهمها:
الأول: نقض بني النضير عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي يحتم عليهم ألا يؤووا عدوًا للمسلمين، ولم يكتفوا بهذا النقض، بل أرشدوا الأعداء إلى مواطن الضعف في المدينة.
وقد حصل ذلك في غزوة السويق حيث نذر أبو سفيان بن حرب حين عاد بقافلته إلى مكة، ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو المدينة، فلما خرج في مائتي راكب قاصدًا المدينة قام سيد بني النضير سلام بن مشكم بالوقوف معه وضيافته وأبطن له خبر الناس، ولم تكن مخابرات المدينة غافلة عن ذلك 50.
قال موسى بن عقبة: «كانت بنو النضير قد دسوا إلى قريش وحثوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة» 51.
الثاني: محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج في نفر من أصحابه إلى ديار بني النضير يستعينهم في دية القتيلين العامريين 52.
وكان سببه ما رواه محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري 53، فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمن رجلٌ يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وانصرف عنهم، فأنزل الله عز وجل فيهم {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] 54.
ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:
لم يجن اليهود من وراء نقضهم العهد إلا لعنة الله تعالى لهم وطردهم من رحمته، فصارت قلوبهم قاسية تجانبها الرحمة، ويبعد عنها الوفاء.
قال تعالى في وصفهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] .
ورجح الطبري أن هذه الآية نزلت في يهود بني النضير، قال رحمه الله: «والصواب من القول أن الله عنى بهذه الآية يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامريين، فأطلعه الله على ما قد هموا به» 55.
وهذا يدل على خبث نواياهم، وسوء طبائعهم، ولأهمية هذه الغزوة فقد خصها الله تعالي بسورة كاملة في القرآن، سماها سورة الحشر.
روى الطبري بسنده إلى يزيد بن رومان قال: نزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم وما عمل به فيهم 56.
وسمى حبر الأمة عبد الله بن عباس سورة الحشر بسورة بني النضير، فعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير 57.
قال الداوودي: كأن ابن عباس كره تسميتها سورة الحشر لئلا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة، أو لكونه مجملًا فكره النسبة إلى غير معلوم 58.
وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدرٍ، قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير 59.
وقد تناولت السورة أهم جوانب الغزوة، ففيها إشارة إلى أن الوضع المادي الذي كان عليه بنو النضير من المال والسلاح والحصون كان يوحي إليهم بأنهم في عز ومنعة، فلا يستطيع أحد أن يطاولهم، فضلًا عن أن ينتصر عليهم، كما أن هذا الوضع نفسه يوحي إلى المسلمين بأن الاستيلاء عليهم يحتاج إلى تضحيات جسام، إن لم يكن في حكم المتعذر بالمرة، لكن الله عز وجل وهو القادر على كل شيء، ألقى في قلوبهم الخوف والهلع والجزع، لما خالفوا أمر الله ورسوله، وأعد المسلمون لهم عدتهم.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) } [الحشر: 2 - 4] .
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عنادهم وعدم نزولهم على رأيه، وطال حصارهم عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطة بارعة ليلقي الخوف في قلوبهم وينزلوا على أمره، فأمر بحرق نخيلهم، وقضى بذلك على أسباب تعلقهم بأموالهم وزروعهم، وضعفت حماستهم للقتال، وجزعوا وتصايحوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يفعله، فما بال قطع النخيل وتخريبها؟
روى الطبري بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير) 60.
وفي روايةٍ قال: (حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] ) 61.
ثم بين الله عز وجل مال الفيء وصفته وحكمه، وهو ما أخذ من الكفار من مال من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وجعل الله عز وجل أمر الفيء خاصًّا للنبي صلى الله عليه وسلم فرده على المسلمين في وجوه البر ومصالحهم روى الثعلبي بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله) 62.
قال تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: 6] .
قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم، وتركوا رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمسها بينهم، كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يبين أنها فيء إذا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليه مسافة، فجعل الله تعالى أموال بني النضير لرسوله خاصة، يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة 63.
ثم أخبر الله عز وجل أن حكم فيء بني النضير لا يقتصر على هذه الواقعة، ولكنه عام في كل ما يفتح بهذه الطريقة، ثم بين وجوه صرفها.
قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] .
ثم كشف الله عز وجل عن العلاقة التي تجمع بين المنافقين واليهود، وذلك من خلال تضامنهم، ووحدة هدفهم في القضاء على الإسلام والمسلمين، وهو ما وقع من المنافقين ووعدهم اليهود بمآزرتهم، ثم خلفهم لهذا الوعد، قال الطبري رحمه الله: ذكر أن الذين نافقوا عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك ابنا نوفل، وسويد، وداعس، بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة 64.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [الحشر: 11 - 12] .
وفصل الفخر الرازي معنى الأخوة المذكورة وذكر أنها تحتمل وجوها:
أحدها: الأخوة في الكفر، لأن اليهود والمنافقين كانوا مشتركين في عموم الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام.
ثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة.
ثالثها: الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة في عداوة محمد عليه الصلاة والسلام 65، والواقع أن التعبير القرآني يجمع كل ذلك 66.
وبين كتاب الله السر في فشل يهود بني النضير وحلفائهم من المنافقين، وهو أنهم يخشون المخلوق أكثر من الخالق لأنهم لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته، ثم أطلع المسلمين على سياسة اليهود القتالية، وأنهم من جبنهم وهلعهم لا يجرؤون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة، فهم يقاتلون إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين، وما يدور من تحالفات بين اليهود والمنافقين إنما هو تحالف مصالح وأغراض إن اتفقت حينًا اختلفت أخرى.
قال تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 13 - 14] .
وقد ضرب الله لهم المثل بما حل بيهود بني قينقاع وحاق بهم للاعتبار والعظة.
قال تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: 15] .
وشبه الله تعالى موقف المنافقين مع اليهود ووعودهم بنصرتهم، وأنهم لما جد بهم الحصار وأيقنوا بالقتال تخلوا عنهم وأسلموهم للتهلكة، مثلهم بالشيطان، حينما طلب من الإنسان أن يكفر فلما كفر تبرأ منه.
قال تعالي: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 16 - 17] .
رابعًا: علاقة قصة غزوة بني النضير بموضوع سورة الحشر:
تقص آيات سورة الحشر واقعة يهود بني النضير، وقد ورد فيها أغلب آيات السورة، حتى أطلق عليها سورة بني النضير كما تقدم، وقد ذكرت الآيات أهم أركان الغزوة بما ينفع المسلمين في تعاملهم مع أعدائهم من اليهود، وهي: