فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 2431

الأمثال

أولًا: المعنى اللغوي:

(مثل) : الميم والثاء واللام: أصلٌ صحيحٌ يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره وشبيهه، والمثل: الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا، فيجعل مثله، ويطلق على الصفة والعبرة والآية والأنموذج الذي يحتذى به 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الراغب الأصفهاني المثل بقوله: «والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره» 2.

ونلاحظ مما سبق أن هناك ارتباطًا بين المعنى اللغوي والاصطلاحي في كون المثل يضرب في المشابهة في القول، ولكنه يتضمن معانٍ أخرى كالصفة والعبرة والآية.

وردت مادة (مثل) في القرآن (167) مرة 3.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) } [مريم:17]

اسم التفضيل ... 2 ... {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) } [طه:104]

صفة مشبهة ... 75 ... {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة:275]

اسم بمعنى الصفة ... 88 ... {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران:59]

اسم على وزن فعلات ... 1 ... {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [الرعد:6]

وجاءت الأمثال في القرآن على أربعة أوجه 4:

أحدها: السنن، ومنه قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:214] . يعني سنن الذين خلوا من قبلكم.

الثاني: العبرة، ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) } [الزخرف:56] . يعني: عبرة لمن بعدهم.

الثالث: الصفة والشبه، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح:29] . يعني: صفتهم.

الرابع: العقوبة، ومنه قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [الرعد:6] . يعني: العقوبات.

المثل:

المِثْل لغة:

فالمَثَل والمِثْل يدلان على معنى واحد، وهو كون شيء نظيرًا للشيء، وفي القاموس: «المثل -بالكسر والتحريك- الشبه» 5.

المثل اصطلاحًا:

عرفه الإمام السيوطي بقوله: «المساوي من كل وجه» 6.

الصلة بين المَثَل المِثْل:

المثل في دلالته اللغوية الأصلية يعني (المشابهة) بين شيء وشيء، ولكن لفظ (المثل) أوسع من لفظ (التشبيه) يقول الراغب الأصبهاني: «المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني، أي معنىً كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة» 7، يعني أنه أعم من (المثل) .

الشبيه:

الشبيه لغة:

قال ابن منظور: «الشبه والشبه والشبيه: المثل، والجمع أشباه، وأشبه الشيء الشيء: ماثله» 8.

الشبيه اصطلاحًا:

قال محمد الغزي الشافعي: «هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته» 9.

الصلة بين المثل والشبيه:

المثل أعم من الشبيه؛ لأن المثل ما تكافأ في الذات، أما الشبيه لا يستعمل إلا في المتجانسين، فالشبيه يأخذ بعض صفات الذات، أما المثل فيأخذ كل الصفات 10.

النظير:

النظير لغة:

المماثل والشبيه، يقال: فلان نظير فلان إذا كان مثله، وشبيهه (نظير) الشيء مثله 11.

النظير اصطلاحًا:

ما قابل نظيره في جنس أفعاله وهو متمكن منها 12.

الصلة بين المثل والنظير:

المثل ما تكافأ في الذات على ما ذكرنا، والنظير ما قابل نظيره في جنس أفعاله وهو متمكن منها؛ كالنحوي نظير النحوي وإن لم يكن له مثل كلامه في النحو أو كتبه فيه، ولا يقال: النحوي مثل النحوي؛ لأن التماثل يكون حقيقة في أخص الأوصاف، وهو الذات 13.

يعتمد المثل القرآني في بنيته الأسلوبية على لفظ (المثل) مفردًا أو مجموعًا، وهذا هو الشائع في صياغته.

وقد يقدر تقديرًا، ويدل عليه حرف العطف، كقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] .

وقد يفهم من السياق، كقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58] .

وقد توسع الزركشي في تقسيماته للمثل القرآني، فعد كل تشبيه في القرآن كقوله: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} [الواقعة: 23] ، من قبيل الأمثال، فعنده (الأمثال الصريحة) المعتمدة على لفظ (المثل) ، و (الأمثال الكامنة) التي تفهم من السياق من غير تصريح بلفظ (المثل) .

والأمثال الواردة في القران الكريم على أنواع، هي: الأمثال الحسية، والأمثال المعنوية، والأمثال الافتراضية العقلية.

وتفصيلها فيما يأتي:

أولًا: الأمثال الحسية:

ضرب الله تعالى في القرآن الكريم الكثير من الأمثال الحسية التي تقرب المراد للعقل وتصوره بصورة المحسوس، يقول البيضاوي: «فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه، وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس؛ ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم؛ لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة» 14.

وقال أبو السعود: «فإن التمثيل ليس إلا إبراز المعنى المقصود في معرض الأمر المشهور، وتحلية المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس؛ لاستمالة الوهم، واستنزاله عن معارضته للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية؛ كي يتابعه فيما يقتضيه، ويشايعه إلى ما لا يرتضيه؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، والكلمات النبوية، وذاعت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء ... ، فالتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازه لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف» 15.

والمقصود أن في القرآن الكريم آيات كثيرة جاء التمثيل فيها بالأشياء الحسية؛ لإبراز المعاني المعقولة الخفية، وجعلها كالمشاهد المحسوس، ومن ذلك:

ما ضربه الله مثلًا لحال المنفق رياء، حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب، قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] .

ففي هذا الآية ضرب الله مثلًا للمنفق رياءً بالصفوان، وهو شيء حسي، فالصفوان: اسم جنس جمعي، واحده: صفوانة، وهو الحجر الكبير الأملس ... ، و (الوابل) : المطر الشديد، و (الصلد) : هو الشيء الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه.

والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء، لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره، وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبًا للظهور مثل حجر أملس لا ينبت شيئًا، ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج، فنزل المطر الشديد، فأزال ما عليه من تراب، فانكشفت حقيقته، وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس صلد، لا يصلح لإنبات أي شيء عليه 16.

ومن ذلك: ما ضربه الله مثلًا لحال الدنيا بالماء الذي ينزل من السماء -وهو شيء حسي-، فيختلط به نبات الأرض، فيصبح هشيمًا تذروه الرياح، فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] .

يصور الله تعالى زوال الدنيا ونعيمها، وعدم خلودها كي لا يغتر بها المغترون والمتمسكون بها، بالماء الذي ينزل من السماء فيختلط بنبات الأرض فتنسفه الرياح وتطيره، وهذا مثل على أن الدنيا زائلة، مثلما يزول النبات والمطر وغيرهما من مخلوقات الله في الأرض، مما لا يدع مجالًا للاغترار بشيء يزول بعد حين.

ويشبه هذا المثل قوله تعالى في مثل آخر: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد: 20] .

ما ضربه الله مثلًا لحال المؤمنين وتشبههم بالزرع -وهو شيء حسي- الذي يعجب الزراع؛ ليغيظ بهم الكفار، فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] .

فهذا المثل المضروب لهم، يهدف إلى الثناء عليهم ومدحهم، فكان التركيز فيه على صفاتهم الحسية والمعنوية، من صفات العبادة، والسجود البارزة في قسمات الوجه والنواصي، وصفات الخير المجسدة في سلوكهم وأفعالهم، ثم جاء مثلهم في الإنجيل معتمدًا على تشبيههم بالزرع النامي الملتف؛ لإبراز التفافهم حول الرسول صلى الله عليه وسلم، ومؤازرتهم له حتى قوي الإسلام، واشتد عوده، وتكاثرت الأمة، ونمت في كيانٍ موحد، كالزرع الذي أخرج شطأه فنمت أعواده الصغيرة على جانبيه، فتكاثرت وتآزرت حتى قوي الزرع، واستوى قائمًا شديدًا، وصورة هذا الزرع في مراحل نموه تشبه صورة المؤمنين، ومراحل نموهم من الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة حتى قوي وجوده واشتد متحديًا العواصف والرياح، وهذا الوجود يعجب الزراع الذين أسهموا في نموه وحراسته، ويغيظ الكفار الذين لا يريدون للإسلام هذا الوجود القوي 17.

وبعد بناء صورة هذا المثل، واستعراض عناصره، واستحضار صورة الممثل له في الذهن، جاء التعقيب بقوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] .

فكأن هذا التعقيب بيانٌ للغرض من التمثيل، وهذه هي الطريقة الأسلوبية المتبعة في الأمثال القرآنية، فبعد تصوير المثل بشكل تفصيلي، يعود التعبير من جديد إلى الممثل له ويتابع الكلام عنه.

ما ضربه الله من مثل حسي لحال اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة ثم لم يعملوا بها، كشبه الحمار الذي يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5] .

فضرب الله لهؤلاء مثلًا بحال حمار يحمل أسفارًا لا حظ له منها إلا الحمل دون علم ولا فهم؛ ذلك أن علماء اليهود أدخلوا في التوراة ما صيرها مخلوطًا بأخطاء وضلالات، ومتبعًا فيه هوى نفوسهم، وما لا يعدو نفعهم الدنيوي، ولم يتخلقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدعاء إلى تزكية النفس، وقد كتموا ما في كتبهم من العهد باتباع النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضلال، فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات التي قبلها، وبذلك كانت هي كالتتمة لما قبلها. قال في الكشاف عن بعضهم: «افتخر اليهود بأنهم أهل كتاب، والعرب لا كتاب لهم، فأبطل الله ذلك بشبههم بالحمار يحمل أسفارًا 18.

«وهذا التمثيل مقصود منه تشنيع حالهم، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف؛ ولذلك ذيل بذم حالهم: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} [الجمعة: 5] .

و (بئس) فعل ذم، أي: ساء حال الذين كذبوا بكتاب الله، فهم قد ضموا إلى جهلهم بمعاني التوراة تكذيبًا بآيات الله، وهي القرآن» 19.

ثانيًا: الأمثال المعنوية:

الأمثال المعنوية هي الأمثال التي تتعلق بالأمور المعنوية، أو الغيبية، ومن أمثلتها:

قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .

يمثل الله ضيق الصدر -وهو أمر معنوي- الذي يصيب الكفار حينما يدعون إلى الإسلام بضيق الصدر الذي يحصل للمتسلق إلى الأعلى في الجبال؛ إذ تتناقص كمية الأكسجين اللازمة والكافية للتنفس، فضيق صدر المتسلق يكاد يخنقه، كذلك الكافر الذي تحجزه أهواؤه وبدعه وكفره عن انشراح صدره.

ومن الأمثال المعنوية قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .

فالمثل في هذه الآية معنوي، وفيه تمثيل حال من أسلم وتخلص من الشرك بحال من كان ميتًا فأحيي، وتمثيل حال من هو باقٍ في الشرك بحال ميت باقٍ في قبره، ولقد جاء التشبيه بديعًا؛ إذ جعل حال المسلم بعد أن صار إلى الإسلام بحال من كان عديم الخير عديم الإفادة كالميت، فإن الشرك يحول دون التمييز بين الحق والباطل، ويصرف صاحبه عن السعي إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف؟ فإذا هداه الله إلى الإسلام تغير حاله، فصار يميز بين الحق والباطل، ويعلم الصالح من الفاسد، فصار كالحي، وصار يسعى إلى ما فيه الصلاح، ويتنكب عن سبيل الفساد، فصار في نور يمشي به في الناس، وقد تبين بهذا التمثيل تفضيل أهل استقامة العقول على أضدادهم 20.

ومن الأمثال المعنوية أيضًا: قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] .

فالشرك بالله أمر معنوي، والمشرك عندما يقترف شركه يسقط من المرتبة العالية التي وضعها الله للمؤمنين، فيعيش هذا المشرك في اضطراب وقلق وعدم طمأنينة، فيمثل الله لهذه الحالة بمن يخر من السماء فتخطفه الطير، وهو تصوير لحالة التمزق النفسي الذي يعتري المشرك، الذي هو أشبه بحال من يقع من السماء، فتخطفه الطير، أو تهوي الريح به في مكان سحيق، وهي كناية عن أن المؤمن يرفعه إيمانه إلى المكانة العالية في الجنة، بدل قعر جهنم السحيق المعد للكافرين.

والمقصود أن القرآن قد يستخدم بعض العناصر غير الحسية التي لا توجد في بيئة الإنسان المخاطب أو الممثلات المعنوية المعروفة لدى الناس، لكنها لا تدرك بالحواس الخمس، وإنما بالشعور والوجدان، وهي في القرآن قليلة جدًا، ومنها ضرب المثل بالشيطان أو بصفاته، وقد تقرر في عقل كل إنسان بشاعة الشيطان ومظهره وصفاته؛ لذا فضرب المثل به، وإن كان لا يدرك بالحواس إلا أنه مما يمكن تخيل بشاعته، وهذا هو المراد، كما قال الله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16] .

وكقوله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 64 - 65] .

وكقوله تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ} [النساء: 77] .

ثالثًا: الأمثال الافتراضية:

ضرب الله العديد من الأمثلة الافتراضية -التقديرية- التي لم تقع، وإنما هي أمثلة افتراضية؛ لقصد التوضيح والتقريب، والغرض منها تقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس؛ ليحصل بها التذكر والاتعاظ.

ومن هذه الأمثال الافتراضية:

1.ما ضربه الله مثلًا للمشرك والموحد.

قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ? الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 29] .

حيث ضرب الله هذا المثل الافتراضي؛ لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده، فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء، يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوأ حال، وشبه من يوحد الله بمملوك لرجل واحد 21.

و (الشكس) : السيئ الخلق، يقال: شركاء متشاكسون، أي: متشاجرون لشكاسة خلقهم، و (سلمًا) أي: خالصًا لا يملكه إلا شخص واحد ولا يخدم إلا إياه، وهذه الآية تمثل حالة الكافر والمؤمن، فهناك مشبه ومشبه به، أما المشبه به فهو عبارة عن عبد مملوك له شركاء سيئو الخلق، متنازعون فيه، فواحد يأمره، وآخر ينهاه، وكل يريد أن يتفرد بخدمته، في مقابل عبد مملوك لرجل يطيعه ويخدمه، ولا يشرك في خدمته شخصًا آخر، فهذان المملوكان لا يستويان.

وأما المشبه فحال الكافر هو حال المملوك الذي فيه شركاء متشاكسون، فهو يعبد آلهة مختلفة لكلٍ أمره ونهيه وخدمته، ولا يمكن الجمع بين الآراء والأهواء المختلفة بخلاف المؤمن، فإنه يأتمر بأمر الخالق الحكيم القادر الكريم.

وهذا المثل وإن كان مثلًا واضحًا مفهومًا لعامة الناس، ولكن له معنى لا يقف عليه إلا أهل التدبر في القرآن، فهو سبحانه بصدد البرهنة على توحيده الذي أشار إليه في قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ? فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ?22?) [الأنبياء: 22] .

وقال سبحانه: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ?39?) [يوسف: 39] .

والمراد من المثل: تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصًا مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيرًا، وفي عنتٍ كبير من الجمع بين أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان فإنه معذب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضى واحدًا في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدًا في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك 22.

وجعل الممثل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل، ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات؛ ولأن ما يراد من الرجال من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبي؛ ولأن الرجل أشد شعورًا بما هو فيه من الدعة أو الكد، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان 23.

ويتضح من هذا حال المشرك في تقسم عقله بين آلهة كثيرين، فهو في حيرة وشك من رضا بعضهم عنه، وغضب بعض، وفي تردد عبادته إن أرضى بها أحد آلهته لعله يغضب بها ضده، فرغباتهم مختلفة، وبعض القبائل أولى ببعض الأصنام من بعض، ويقابله تمثيل حال المسلم الموحد يقوم بما كلفه ربه، عارفًا بمرضاته، مؤملًا رضاه وجزاءه، مستقر البال بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد، قد عرف مراد مولاه، وعلم ما أوجبه عليه، ففهمه واحد، وقلبه مجتمع، وكذلك الحال في كل متبع حق ومتبع باطل، فإن الحق هو الموافق لما في الوجود والواقع والباطل، مخالف لما في الواقع فمتبع الحق لا يعترضه ما يشوش عليه باله، ولا ما يثقل عليه أعماله، ومتبع الباطل يتعثر به في مزالق الخطى، ويتخبط في أعماله بين تناقص وخطأ 24.

وهذا يعد من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه، وقيامه بمصالحه، ما يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين 25.

2.ما ضربه الله مثلًا له سبحانه ولمن يعبد من دونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت