أولًا: المعنى اللغوي:
الخفاء والستر: وهو من كتمت الشيء: أكتمه كتما وكتمانا، ومنه سر كاتم، أي: مكتوم، واستكتمته سري: سألته أن يكتمه، ورجل كتمة، إذا كان يكتم سره، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] . أي: يستره ويخفيه 1.
قال ابن فارس: «كتم: الكاف والتاء والميم أصل صحيح يدل على إخفاء وستر، ومن ذلك كتمت الحديث كتما وكتمانا، قال تعالى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] » 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الكتمان هو: إخفاء الشيء وستره وترك إظهاره قصدًا، مع مساس الحاجة إليه، وتحقق الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيءٍ آخر في موضعه 3.
والكتمان يستعمل في المعاني، وهو أصل في ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] .
فالشهادة معنى من المعاني، كما يستعمل في الأعيان، كقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 228] .
لأن ما يكتمن في أرحامهن هو الجنين وهو من الأعيان 4.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
يلاحظ أن الكتمان لغة هو: الخفاء والستر، وقد استعمل القرآن الكريم هذا المعنى اللغوي للكتمان، وعلى ذلك وردت أقوال المفسرين في بيان هذه اللفظة، فلا فرق بين معنى الكتمان لغة مع معناه في الاصطلاح.
وردت مادة (كتم) في القرآن الكريم (21) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) } [البقرة:140]
الفعل المضارع ... 20 ... {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر:28]
وجاء الكتمان في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ستر الحديث، يقال: كتمته كتمًا وكتمانًا، وكتمه تكتيمًا، واكتتمه: أخفاه 6.
الإخفاء:
الإخفاء لغة:
الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد 7.
والإخفاء اصطلاحًا هو:
الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها 8.
الصلة بين الكتمان والإخفاء:
إن الكتمان هو: إخفاء المعاني والسكوت عن بيانها، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 159] ، أي: يسكتون عن ذكره، والإخفاء يكون في الأعيان وفي المعاني، والشاهد أنك تقول: أخفيت الدرهم في الثوب ولا تقول: كتمت ذلك، وتقول: كتمت المعنى وأخفيته، فالإخفاء أعم من الكتمان 9.
السر:
السر لغة هو:
ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته: كتمته، كما يطلق على: ما يظهر؛ لأنه من الأضداد، يقال: سررته: أعلنته، والوجهان جميعا في تفسير قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54] .
الأول: كتموها، والثاني: أظهروها بدليل قوله تعالى: {فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27] ؛ ولأن دار الآخرة ليست دار تجلد وتصبر 10.
السر اصطلاحًا هو:
اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها 11.
الصلة بين الكتمان والسر:
إن السر أعم من الكتمان؛ لأن الكتمان يختص بالمعاني غالبا كالإسرار والإخبار؛ ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] ، فقد نهى الله تعالى النساء عن كتمان ما في الأرحام، والسر يختص بالجثث والأعيان؛ لأن الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء، ثم استعمل في غيرها تجوزا 12.
الإكنان:
الإكنان لغة:
الستر والتغطية والإخفاء 13، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] .
وقوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] ؛ أي: أخفيتم، والأكنان: جمع كن، وهي: الأسراب والأماكن في الجبال، والأغطية، وكل ما يحفظ ويستر من المطر والريح وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] أي: أغطية 14.
الإكنان لغة:
وقاء كل شيء وستره، والكن: البيت أيضا، والجمع أكنان وأكنة، ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] ، وأكن الشيء: ستره، ومنه قوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] ؛ أي أخفيتم 15، واكتنت المرأة: غطت وجهها وسترته حياء من الناس، والكنانة: جعبة السهام تتخذ من جلود لا خشب فيها أو من خشب لا جلود فيها 16.
الإكنان اصطلاحًا هو:
الستر والتغطية، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للإكنان عن المعنى اللغوي له 17.
الصلة بين الإكنان والكتمان:
إن الكتمان يختص بالمعاني كالأسرار والأخبار؛ لأن الكتمان أصل فيهما كما سبق، والإكنان يختص بالجثث والأعيان؛ لأن الأصل في الإكنان تغطية الشيء بغطاء 18.
الجهر:
الجهر لغة:
جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي: رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر العلانية وفي الحديث: (وكان عمر رجلًا مجهرًا) 19 أي: صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر هو ما ظهر.
والجهر أيضًا: رفع الصوت يقال جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها 20.
الجهر اصطلاحًا:
هو «رفع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن جاوره» 21.
الصلة بين الجهر والكتمان:
أن الجهر خلاف الكتمان، وهو إظهار المعنى للنفس ورفع الصوت به 22.
إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيستوي في علمه المكتوم والعلن، ويظهر موضوع الكتمان وعلم الله تعالى في القرآن الكريم من خلال النقاط الآتية:
أولًا: سعة علم الله لكل شيء:
إن علم الله واسع وكامل وشامل، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو بكل شيء عليم، والآيات الدالة على سعة علم الله بكل شيء كثيرة في كتاب الله العزيز ومنها:
قوله تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] .
وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] .
وقوله تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) } [طه: 98] .
والواسع من صفات الله تعالى وهو: الذى وسع رزقه جميع خلقه، ووسعت رحمته كل شئ، وهو الكثير العطاء، والذى يسع لما يسأل، والمحيط بكل شيءٍ، وفيه إشارة إلى علم الله تعالى بجميع الكائنات الشاملة لأعمالهم ليرقبوه في خاصتهم وظاهرهم وباطنهم 23.
ومما يدل على سعة علم الله تعالى بالكتمان الآيات التي تدل على أن الله بكل شيء عليم:
فقد بين الله تعالى أنه بكل شيء عليم، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] .
وقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) } [الأنعام: 101] .
وقوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97] .
وقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) } [الأنبياء:81] .
وقوله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) } [الحجرات: 16] .
وقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) } [الحديد: 3] .
دلت الآيات أن الله بكل شيء عليم كما أفاده لفظ (كل) المفيد للعموم، و {عَلِيمٌ} مبالغٌ في العلم بكل ما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان مخلوقا أو غير مخلوق، ومن جملته ما صدر عن العباد من قول وفعل عمدًا أو خطأ، أزلا وأبدا، فلا يخفى عليه خافية مما كان وما سيكون من الذوات والصفات والأحوال، فهو سبحانه الموصوف بهذه الصفات العظيمة المستحق للعبادة الذي يعلم حال العباد وما ينفعهم وما يضرهم 24.
وكذلك الآيات التي تدل على أن الله عالم بالغيب والشهادة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) } [الحشر:22] .
وقوله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) } [المؤمنون:92] .
وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } [الرعد:9] .
وقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } [التوبة:105] .
ويترتب على أن الله بكل شيء عليم، وأنه يستوي في علمه السر والجهر: أن تظهر صفة المراقبة لله تعالى في السر والعلن، وذلك أن العبد إذا استشعر عظمة علم الله وسعته، وشموله لكل ما خلق الله سبحانه، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من العلم الذي ينفعه في دينه ودنياه وآخرته تنفيذا لقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] 25.
ومما يدل على سعة علم الله الآيات الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء:
إن علم الله محيط بكل شيء والإحاطة بالشيء علما هي: أن تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله تعالى، وعبر بالإحاطة عن الاطلاع التام والقدرة والسلطان، وقد أوضح هذا المعنى في آيات في كتابه العزيز منها:
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108] .
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [النساء: 126] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] .
وقوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود: 92] .
وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) } [الإسراء:60] .
وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) } [فصلت: 54] .
وقوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .
وهذه الآيات وأمثالها تدل على أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، والتعبير بالإحاطة إثبات لعظمة الله وسعة ملكه، ومقدار سلطانه، الذي يشمل كل شيء، وينفذ إلى كل شيء! ومن كان هذا شأنه، وتلك صفته، فإن من السفه والضلال أن يولي الإنسان وجهه إلى غيره، أو يعبد معبودا سواه، وإسناد الإحاطة إلى اسم الله تعالى مجاز عقلي، لأن المحيط هو علم الله تعالى فإسناد الإحاطة إلى صاحب العلم مجاز في عدم خفاء شيء من عملهم عن علم الله تعالى، ويلزمه أنه مجازيهم عن عملهم بما يجازي به العليم القدير من اعتدى على حرمه، وتضمن ذلك الوعيد الشديد والتقريع البالغ، وإذ كان تعالى محيطا بجميع الأقوال والأعمال، فكان ينبغي أن تستر القبائح عنه بعدم ارتكابها 26.
ولما كان الكتمان مما يكون في الغيب فقد اختص الله تعالى بالغيب المطلق الذي لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى فقد استقل سبحانه وتفرد بمعرفته، وهذا الغيب يقول تعالى عنه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27] .
ومن هذا الغيب المطلق قضية القيامة، قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) } [النمل: 65] .
فالقيامة لا يعلم وقتها إلا الله سبحانه، إلا أنه جعل لها مقدمات وعلامات تدل عليها وتنبئ بقربها 27.
وقد سمى الله تعالى نفسه العليم: وهو بصيغة المبالغة على وزن فعيل، ورد في القرآن الكريم اثنتين وخمسين ومائة مرة، ومنها: قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] .
وقوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) } [البقرة: 95] .
ومن أسماء الله تعالى العالم على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن خمس عشرة مرة، منها:
قوله تعالى: {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام: 73] .
وقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } [الرعد: 9] .
ومن أسماء الله تعالى العلام على وزن (فعال) ، وهو صيغة مبالغة، يدل على سعة العلم وعظمته، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات، منها:
قوله تعالى: {قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] .
وقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] 28.
وعلم الله تعالى أزلي، وهو صفة من صفاته الذاتية سبحانه، يقتضي علمه بالظواهر والسرائر، وإحاطته بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه، وأن العبد إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله لكل ما خلق الله جل وعلا، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في دينه ودنياه وآخرته.
ثانيًا: إحاطة علم الله بما يكتمه العباد:
وردت آيات في كتاب الله العزيز تبين إحاطة علم الله تعالى بما يكتمه العباد من الخير والشر، وغيرها من الأعمال منها:
قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) } [البقرة:33] .
وقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167] .
وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) } [المائدة: 61] .
وقوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) } [المائدة: 99] .
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) } [الأنبياء: 110] .
وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) } [النور: 29] .
فقد حذر الله تعالى في الآيات السابقة العباد جميعا المؤمنين و العصاة والمنافقين والكفار الذين يخفون معاصيهم وكفرهم ونفاقهم عن الناس بأنه سبحانه وتعالى مطلع على ما يصدر منهم من خير وشر وكل أعمالهم فلا تخفى عليه خافية.
فالكتمان والسر والجهر، والاختفاء والظهور عند الله تعالى سواء؛ لأنه يسمع السر، كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر، ويعلم ما يجهر به خلقه من القول، ويعلم ما يكتمونه، وأن هذا الكتمان لن ينفعهم بشيء، وأنه سوف يفضحهم لا محالة في ذلك.
قال تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) } [الأنعام: 28] .
وأخبر سبحانه أنه سيحاسبهم على ذلك، كما في قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } [البقرة: 284] .
وحينها يسرون الندامة على ما كتموه، كما في قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [سبأ: 33] 29.
وقد وردت آيات تبين أن الله تعالى محيط بما يكتمه العباد بألفاظ أخرى وهي بمعنى الكتمان منها:
1.بلفظ السر.
قوله تعالى: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ(10) [الرعد: 10] 30.
والمعنى: أن من هو بالليل في غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما، وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن «المستخفي والسارب» هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع الناس، قال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات علم الله فيهم جميعا سواء 31.
وقوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ? أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [هود: 5] .
وقوله تعالى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7] .
وقوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) [النمل: 25] .
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ? وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16] .
وقوله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ?13?أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ?14?) [الملك: 13 - 14] .
وفي هذه الآيات تهديد للكافرين والعصاة بأنه سبحانه يعلم جميع الأشياء الواقعة منهم، وهو بالمرصاد في الجزاء عليها، وفيها تهديد للمنافقين بكشف أسرارهم وإظهار خفاياهم؛ لأن النفاق يقوم على كتمان الكفر وإظهار الإيمان والطاعة 32.
ونبه الله تعالى على أنه مطلع على الضمائر والسرائر، فقال تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ? إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الملك: 13] .
أي: سواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به، يعلم بما يخطر في القلوب وما تكنه الضمائر، لا يخفى عليه منه خافية، فاحذروا من المعاصي سرا كما تحترزون عنها جهرا، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى، وقدم السر على الجهر لأنه مقدم عليه عادة، فما من أمر إلا وهو يبدأ أولا في النفس ثم يجهر به، وللتحذير من التكتم والسر الذي قد يظن عدم العلم به، والآية خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، وتشمل ما كان يسر به الكفار من الكلام في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تهديد ووعيد لمن يسر خلاف ما يعلن مما لا يرضي الله تعالى 33.
2.بلفظ الإخفاء.