فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 2431

ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني. فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم. خرجه أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ، قال حدثني أبي، قال حدثنا سفيان بن عيينة. فذكره. وقيل: لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب. والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى، ومن لم يتق فتلك الدار عليه لا له، لأنها تضره ولا تنفعه» 134.

وذلك لأنهم يخافون من مغبة يوم البعث وأهواله ويعدون له ويتخففون من شهوات الدنيا لما يجدونه في أنفسهم من الخوف من هذا اليوم واليقين بوقوعه.

وقال تعالى: « {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى: 17 - 18] .

قال الألوسي: « {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} استعجال إنكار واستهزاء، كانوا يقولون: متى هي ليتها قامت حتى يظهر لنا أهو الذي نحن عليه أم كالذي عليه محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه، {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي خائفون منها مع اعتناء بها فإن الإشفاق عناية مختلطة بخوف، فإذا عدي بمن كما هنا، فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بعلى فمعني العناية أظهر، وعنايتهم بها لتوقع الثواب، وزعم الجلبي أن الآية من الاحتباك والأصل يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها فلا يشفقون منها والذين آمنوا مشفقون منها فلا يستعجلون بها، {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} الأمر المتحقق الكائن لا محالة» 135.

وقال السعدي: « {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه» 136.

2.السعي الحثيث للأخرى.

فإن الإيمان بالبعث من أكبر الدواعي والدوافع للمرء على السعي الحثيث نحو الآخرة بكثرة العمل الصالح والاستعداد لها بالمسارعة في الخيرات.

قال تعالى: « {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون: 57 - 61] .

قال الطبري: « {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} يقول: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله .. وقوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم، يبادرون في الأعمال الصالحة، ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته» 137.

وقال الخازن: «قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، وعن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكن هم الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات) 138، وقوله: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي يبادرون إلى الأعمال الصالحة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} أي إليها، وقال ابن عباس: سبقت لهم من الله السعادة، وقيل: سبقوا الأمم إلى الخيرات» 139.

وقال ابن عاشور: «ومعنى وهم لها سابقون أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير، فالسبق تمثيلٌ للتنافس والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى الغاية، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم، فالسبق مجازٌ لإحراز المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق» 140.

3.محاسبة النفس.

إن من أيقن بالبعث بعد الموت وما يقع له بعده من الحساب والثواب أو العقاب جدير به أن يحاسب نفسه قبل المثول بين يدي ربه للحساب وأن يلوم نفسه على التقصير والتفريط فيكون ذلك دافعا له إلى التوبة من ذنوبه وغدراته وغفلاته، فيحسن عمله ويتقي ربه في كل حركاته وسكناته، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) } [الحشر: 18] .

قال أبو السعود: « {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} أي في كل ما تأتون وما تذرون {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: أي شئ قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه بذلك لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده وتنكيره لتفخيمه وتهويله كأنه قيل لغدٍ لا يعرف كنهه لغاية عظمه وأما تنكير نفسٍ فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن لذلك اليوم الهائل كأنه قيل ولتنظر نفسٌ واحدةٌ ذلك {وَاتَّقُوا اللَّهَ} تكريرٌ للتأكيد أو الأول في أداء الواجبات كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي من المعاصي» 141.

وقال السعدي: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد، وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة» 142.

ثانيا: في الآخرة:

أما في الآخرة فإن ثمار الإيمان باليوم الآخر والبعث بعد الموت أحلى وأفضل وهي كثيرة منها:

1.الحساب اليسير.

فإن من آمن باليوم الآخر وما فيه من بعث الأجساد من أجداثها وأعد له عدته فإن الله ييمن كتابه وييسر حسابه يوم القيامة قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) } [الانشقاق: 6 - 9] .

«قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ} أي يا ابن آدم {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} أي أنك عامل تعمل يوميا ليل ونهار إلى أن تموت وتلقى ربك إنك لا تبرح تعمل لا محالة وتكسب بجوارحك الخير والشر إلى الموت حيث تنتقل إلى الدار الآخرة وتلقى ربك وتلاقيه هذا يشهد له قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح (كلكم يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها) 143 إذا فمن الخير لك أيها الإنسان المكلف أن تعمل خيرًا تلاقي به ربك فيرضى عنك به ويكرمك إنك حقا ملاق ربك بعملك فأنصح لك أن يكون عملك صالحا وانظر إلى الصورة التالية {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} لأنه حوى الخير ولا شر فيه {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ينظر في كتابه ويقرر هل فعلت كذا فيعترف ويتجاوز عنه وينقلب إلى أهله في الجنة وهم الحور العين والنساء المؤمنات والذرية الصالحة يجمعهم الله ببعضهم كرامة لهم» 144.

2.ثقل الموازين.

فإن من آمنوا بالبعث بعد الموت يثقل الله موازينهم يوم القيامة، وينجيهم من العذاب، ويكرمهم بدخول الجنة، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) } [الأعراف: 8] .

قال الشيخ محمد رشيد رضا: «والوزن في ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم، هو الحق الذي تحق به الأمور وتعرف به حقيقة كل أحدٍ وما يستحقه من الثواب والعقاب .. {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قيل: إن الموازين جمع ميزانٍ فهي متعددةٌ لكل امرئٍ ميزانٌ وقيل: لكل عملٍ. والجمهور على أن الميزان واحدٌ وأنه يجمع باعتبار المحاسبين وهم الناس أو على حد قول العرب: سافر فلانٌ على البغال وإن ركب بغلًا واحدًا، وقيل: إن الموازين جمع موزونٍ، والمعنى فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرة حسناته فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب والنعيم في دار الثواب» 145.

وقال القاسمي: «والوزن يومئذٍ الحق أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم، العدل. فمن ثقلت موازينه أي: حسناته في الميزان فأولئك هم المفلحون أي: الناجون من السخط والعذاب» 146.

3.جنات الخلد.

فإن المؤمنين بالبعث بعد الموت هم الفائزون بجنات الخلد يوم القيامة، قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [البقرة: 3 - 5] .

«حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله، ويدخل في الإيمان بالغيب، الإيمان بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، وما أخبرت به الرسل من ذلك فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها» 147.

«وأما معنى قوله: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم .. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب» 148.

وقال عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) } [يونس: 9 - 10] .

قال الماوردي: «قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} فيه أربعة أوجه:

أحدها: يجعل لهم نورًا يمشون به، قاله مجاهد.

الثاني: يجعل عملهم هاديًا لهم إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن جريج.

الثالث: أن الله يهديهم إلى طريق الجنة.

الرابع: أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} فيه وجهان:

أحدهما: من تحت منازلهم، قاله أبو مالك.

الثاني: تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو، لقوله تعالى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 51] . يعني بين يدي، وحكى أبو عبيدة عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود» 149.

قال الشوكاني: «قوله: {دَعْوَاهُمْ} أي: دعاؤهم ونداؤهم، وقيل: الدعاء العبادة، كقوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم:48] .

وقيل معنى دعواهم هنا: الادعاء الكائن بين المتخاصمين، والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه من المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصله من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه: طريقتهم وسيرتهم، وذلك أن المدعي للشيء مواظبٌ عليه فيمكن أن تجعل الدعوى كنايةً عن الملازمة وإن لم يكن في قوله {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} دعوى ولا دعاءٌ وقيل معناه: تمنيهم كقوله: ولهم ما يدعون وكأن تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، وهو مبتدأٌ وخبره {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} ، و {فِيهَا} أي: في الجنة. والمعنى على القول الأول: أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح الله وتقديسه. والمعنى: نسبحك يا الله تسبيحًا، قوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} أي: تحية بعضهم للبعض، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، أو تحية الله، أو الملائكة لهم، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول .. قوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} » 150.

وقال السعدي: «يقول تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: جمعوا بين الإيمان، والقيام بموجبه ومقتضاه من الأعمال الصالحة، المشتملة على أعمال القلوب وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة، {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم.

ولهذا قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} الجارية على الدوام {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور، والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم، وسماع الأصوات المطربات، والنغمات المشجيات، والمناظر المفرحات، ونعيم البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر ببال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون.

{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} أي عبادتهم فيها لله، أولها تسبيح لله وتنزيه له عن النقائض، وآخرها تحميد لله، فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي لهم أكمل اللذات، الذي هو ألذ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو لهم بمنزلة النفس، من دون كلفة ومشقة.

وأما تحيتهم فيما بينهم عند التلاقي والتزاور، فهو السلام، أي: كلام سالم من اللغو والإثم، موصوف بأنه {سَلَامٌ} وقد قيل في تفسير قوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ} إلى آخر الآية: إن أهل الجنة -إذا احتاجوا إلى الطعام والشراب ونحوهما- قالوا سبحانك اللهم، فأحضر لهم في الحال، فإذا فرغوا قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} » 151.

موضوعات ذات صلة:

الثواب، الجزاء، الجنة، الحساب، العذاب، الموت، النار، اليوم الآخر

1 مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 266.

2 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 132.

3 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 132، التوقيف، المناوي ص 80.

4 مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص 567.

5 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 395.

6 مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص 567.

7 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص 124 - 125.

8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 118، 177، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 204 - 205، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي 2/ 214 - 215.

9 مقاييس اللغة، 2/ 122.

10 الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، آمال العمرو، ص 140 - 141.

11 العين، الفراهيدي 6/ 252.

12 الفروق اللغوية، العسكري، ص 289

13 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 278.

14 المحرر الوجيز، ابن عطية، 5/ 375.

15 أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم 3606.

وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.

16 أسباب النزول، ص 365.

17 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/ 58.

18 روح المعاني، الألوسي، 12/ 53.

19 أنوار التنزيل، البيضاوي، 4/ 274.

20 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 699.

21 مدارك التنزيل، 3/ 426

22 تفسير المراغي، 27/ 146

23 فتح القدير، 5/ 189

24 صفوة التفاسير، 3/ 295

25 جامع البيان، الطبري، 17/ 463.

26 فتح القدير، الشوكاني، 3/ 278.

27 أيسر التفاسير، الجزائري، 3/ 201، 202.

28 مفاتيح الغيب، الرازي، 20/ 353.

29 الجامع لأحكام القرآن، 14/ 20

30 مفاتيح الغيب، الرازي، 25/ 96

31 الجامع لأحكام القرآن، 14/ 21 - 22.

32 التفسير المنير، الزحيلي 18/ 113.

33 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 18/ 134.

34 مفاتيح الغيب، الرازي، 30/ 737

35 أيسر التفاسير، أسعد حومد، 3/ 1068.

36 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 292.

37 التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/ 678.

38 روح المعاني، الألوسي، 9/ 111.

39 التفسير الوسيط، الزحيلي، 2/ 1626 - 1627 مختصرًا.

40 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 17/ 203.

41 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 533 - 534.

42 أوضح التفاسير، ابن الخطيب 1/ 13

43 مفاتيح الغيب، الرازي 3/ 543

44 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي 2/ 181.

45 جامع البيان، الطبري 2/ 232.

46 أيسر التفاسير، الجزائري 1/ 231.

47 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 661.

48 البحر المحيط، ابن حيان، 2/ 559، 560.

49 التفسير المنير، الزحيلي 2/ 413

50 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 688.

51 التفسير المنير، الزحيلي، 3/ 33.

52 تفسير المنار، 3/ 46.

53 الجامع لأحكام القرآن، 3/ 299.

54 التحرير والتنوير، 3/ 38.

55 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 112.

56 الجامع لأحكام القرآن، 3/ 300، 301.

57 روح المعاني، 2/ 30.

58 التحرير والتنوير 3/ 252.

59 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/ 39.

60 المحرر الوجيز، ابن عطية، 1/ 440.

61 تفسير القرآن العظيم، 5/ 138.

62 جامع البيان، 17/ 602.

63 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 471.

64 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 363

65 زاد المسير، 3/ 67.

66 البحر المحيط 4/ 537.

67 تفسير المنار 7/ 398، 399.

68 زاد المسير 2/ 38.

69 مفاتيح الغيب 13/ 12.

70 تفسير المنار، 7/ 400.

71 تفسير القرآن العظيم، 7/ 101.

72 الجامع لأحكام القرآن، 15/ 261.

73 أخرجه الطبراني في الأوسط رقم 919، والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعديد نعم الله عز وجل وما يجب من شكرها، فصل في النوم الذي هو نعمة من نعم الله في دار الدنيا وما جاء في آدابه، رقم 4416.

وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 3/ 161، رقم 1087: صحيح من بعض طرقه عن جابر.

74 قانون التأويل، ص 469.

75 زاد المسير 4/ 20.

76 جامع البيان، 21/ 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت