قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ? فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?48?) [المائدة: 48] .
والهيمنة تعني: المراقبة والشهادة والحفظ والتمكن من الشيء، جاء في لسان العرب: «المهيمن اسمٌ من أسماء الله تعالى، وفي التنزيل: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ، قال بعضهم: معناه الشاهد، يعني وشاهدًا عليه، قال ابن عباس: المهيمن المؤتمن، وقال الكسائي: المهيمن الشهيد، وقال غيره: هو الرقيب، يقال: هيمن يهيمن هيمنة إذا كان رقيبًا على الشيء، وقيل: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) : معناه وقَبَّانًا عليه، وقيل: وقائمًا على الكتب» 65.
وقال الزمخشري: «هيمن الطائر على فراخه: رفرف عليها، وهيمن على كذا إذا كان رقيبًا عليه حافظًا، والله عز سلطانه المهيمن» 66.
وقال الطبري: «وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلانٌ عليه، فهو يهيمن هيمنةً، وهو عليه مهيمنٌ» 67.
فالقرآن حافظٌ أمينٌ لها، حفظ لنا هذه الكتب فحدثنا عنها، وهو حافظٌ لها يكشف عما خالطها من تحريفٍ وداخلها من زيفٍ، فيقوم ما اعتراها من اعوجاجٍ، وينفي ما لابسها من أباطيل وخرافاتٍ 68.
قال ابن جرير: القرآن أمينٌ على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منه فهو حقٌ، وما خالفه منها فهو باطل، عن ابن عباس رضي الله عنه: «ومهيمنًا» أي شهيدًا: وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وقال العوفي عن ابن عباس: «ومهيمنًا» أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو: أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله» 69.
والقرآن شاهدٌ عليها، وشاهدٌ على موقف أهل الكتاب منها، فالقرآن الكريم وعاءٌ للكتب السابقة، حيث حدثنا عن مقاصدها وصفاتها، وأخبرنا عما تضمنته من أحكام وآداب وقصص وأمثال ووعد ووعيد وأخبار ونبوءات ووصايا وبشارات، وهذا من حفظه لهذه الكتب وتوثيقه لها، قال ابن جريجٍ: «القرآن أمينٌ على ما قبله من الكتب» 70.
وقال الزمخشري: « (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ورقيبًا على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات» 71.
كذلك جمع القرآن وحوى ما سبقه من الكتب، بل جاء متممًا لها، ناسخًا لبعض أحكامها؛ لذا فهو المرجع يحتكم إليه، عند التنازع في شأنها، والقرآن يغني عما سواه، ولا يغني ما سواه عنه.
قال ابن جرير: «جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] » 72.
وقال السعدي: «مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية، فهو الكتاب الذي تتبع كل حقٍ جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه» 73.
جاء القرآن الكريم ينفي عن التوراة انتحال المبطلين وإنكار الجاحدين، وتأويل الجاهلين، فعندما أنكر نفرٌ من اليهود نزول الوحي على الأنبياء أنزل الله تعالى قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى? بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ? قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى? نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ? تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ? وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ? قُلِ اللَّهُ ? ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ?91?) [الأنعام: 91] .
وعندما ادعى اليهود أن لحم الإبل محرمٌ في دينهم وكتابهم أنزل الله تعالى قوله: (? كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى? نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ? قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(93) فَمَنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ? فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: 93 - 95] .
وعندما سعوا لتعطيل حد الرجم في كتابهم والاحتيال على النبي صلى الله عليه وسلم وإخفاء ما ورد في كتابهم أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ? وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ? سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ? يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَ?ذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ? وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ? لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ? وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?41?) [المائدة: 41] .
قال ابن عطية: «المهيمن على الشيء هو المعني بأمره، الشاهد على حقائقه، الحافظ لحاصله، ولأن يدخل فيه ما ليس منه والقرآن جعله الله مهيمنًا على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق، وعلى ما نسبه المحرفون إليها، فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا هو شاهدٌ ومصدقٌ ومؤتمنٌ وأمينٌ» 74.
وقال الشيخ دراز رحمه الله في كتابه النبأ العظيم: «سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف دون الكتب السابقة: أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم» 78.
ولأنه أفضل الكتب وأعظمها أثرا وأعلاها رتبةً، قال ابن تيمية: «ومعلومٌ أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً» 79.
ثالثًا: القرآن مبين للحق الذي اختلف فيه أهل الكتاب أو كتموه:
جاء القرآن الكريم مبينا كثيرًا مما أخفاه أهل الكتاب من الكتاب من الحقائق والوقائع، وكشف عن كثير من الحوادث التي طمسوها أو تناسوها، أو اختلط فيها الحق بالباطل، كقصة البقرة، وقصة أصحاب السبت، وقصة إبراهيم، وقصة يوسف، وقصة موسى.
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) } [المائدة: 15] .
فبعد أن تحدث القرآن عن أحوال الطائفتين وأبان عن حقائق وأمورٍ لا يمكن لنبيٍ عربيٍ أميٍ أن يعرفها، ولا سبيل لمعرفتها إلا بوحيٍ من الله تعالى، دعاهم إلى الإيمان بهذا النبي الذي جاء ليبين لهم كثيرا مما أخفوه من الحقائق التي وردت في التوراة والإنجيل والتي أخفاها بعض الأحبار والرهبان عن أتباعهم، ولا يزالون.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «أخفوا آية الرجم من التوراة وبينها الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وهو لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم علمًا من أحد، وهذه معجزةٌ، وأخفوا صفة محمد عليه الصلاة والسلام في الإنجيل، وغير ذلك، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارًا عن الغيب فيكون معجزًا» 80.
وقوله: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} مما لا تدعو الحاجة لبيانه، أو لأن فيما بينه الكفاية والغنية، وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم ومن شيمه الكريمة أنه يرغب ويشوق، فتقبل القلوب وتصغي الآذان إلى حديثه الطيب، وأنه يعرض ويتغاضى حتى لا تمل العقول وتنفر النفوس. {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} فالنبي صلى الله عليه وسلم نور من الله تعالى؛ لأنه جاء بالهدى والحق، والقرآن نورٌ وكتاب مبينٌ لأنه أضاء للناس طريقهم، وأنار دروبهم، وأبان لهم ما خفي عليهم، وبدد ظلام الشك والحيرة، وأزال أسباب اللبس والإشكال.
فجاء القرآن بالبيان الجلي بعد فترة من انقطاع الرسل؛ لئلا يكون لأهل الكتاب عذر:
قال جل وعلا: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) } [المائدة: 19] .
فلقد كان المؤمنون من أهل الكتاب يذوبون شوقًا وحنينًا لزمان بعثة هذا النبي الذي ينتظرونه، ولا شك أن نزوله بعد طموس الملل ودروس السبل، وفترةٍ من الرسل أدعى إلى المبادرة للإيمان به، ومناصرته ومحبته، لا إلى مناصبته العداء وجحوده والتآمر عليه. وقد جاء القرآن بالبيان القاطع والبرهان الساطع؛ لئلا يكون لهم على الله حجة ولا يبقى لهم عذرٌ.
وبيان القرآن الكريم يحسم الاختلاف الذي وقع فيه أهل الكتب السابقة.
قال جل وعلا: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) } [النحل: 63 - 64] .
فلقد تسلط الشيطان عليهم بعد أن زين لهم سوء عملهم، مما أفضى بهم إلى الضلال وأوقع بينهم الخلاف، بعد أن لبس الباطل ثوب الحق، وارتدت الشياطين مسوح الرهبان؛ ليصدوا الناس عن الحق، من هنا كانت حاجة الإنسانية إلى الكتاب الراشد الذي يبين الحق، ويزيل الحيرة، ويفصل الآيات، ويحسم النزاعات، ويقطع الخلافات، ويبدد ظلام الشبهات، ويقيم الحجة والبرهان، ويبين طريق الهداية، وينشر بشائر الرحمات بين أهل الإيمان. «نورٌ يكشف معالم الطريق إلى الحق والخير، ويقيم لمن يهتدي به فهمًا صحيحًا للعقيدة التي يعتقدها .. فالقرآن الكريم ميزان عدلٍ وحقٍّ، وفيصل ما بين الحق والباطل وحكم ما بين الخير والشر .. فما استقام على ميزانه، فهو الحق والخير، وما انحرف عنه، فهو الباطل والضلال .. فعلى هديه يجتمع أهل الكتاب على كلمةٍ سواءٍ منه، فيما اختلفوا فيه، وإليه يحتكم أهل الهدى، فيقضي بينهم بما يرفع الخصام والشقاق فيما كان سببًا في خصامهم وشقاقهم» 81.
قال جل وعلا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) } النمل: 76].
فبعد ما مر في تلك السورة الكريمة من القصص الحق، قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وقصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ وقومها، وقصة صالح عليه السلام، وقصة لوط عليه السلام وبعدما أورد الله في السورة من دلائل التوحيد وشواهد القدرة ومشاهد العظمة الربانية، بين تعالى كيف تفرد هذا الكتاب المبين بالقول الفصل الذي يحسم الخلاف، فكما اختلف بنو إسرائيل في أصول الدين والشرائع، فقد اختلفوا في التوحيد والنبوة والبعث اختلافهم في شأن الملائكة، وغير ذلك من أركان الإيمان، وإنما انبثق الاختلاف عن تعصبهم وركوبهم متن الهوى، وركونهم وحبهم لمباهج الدنيا، ونسيانهم وجحودهم، وعنادهم وغفلتهم، وجمودهم وقسوتهم.
فجاء القرآن قولا فصلًا، وحكمًا عدلًا، وميزانًا قويمًا، ودعوةً لتوحيد الكلمة، ونبذ الخلاف، ومحو أسبابه، واجتثاث جذوره، وسد أبوابه، لجمع شتات القلوب، وتأليفها على كلمة سواء.
ومن أمثلة الاختلاف اختلافهم في شأن عيسى عليه السلام حتى تفرقوا وتحزبوا، فاليهود افتروا عليه وبهتوه وأمه، وغمطوه ومكروا به، والنصارى غالوا فيه وأطروه حتى عبدوه، مع اختلافهم الحاد في طبيعته، منهم من قال: إنه إله أو نصف إله، ومنهم من يزعم أنه ابن الإله، وبين ذلك وحوله أقوالٌ وأراءٌ لا تنحصر، كذلك اختلافهم في أمر البعث، هل يقع بالروح والجسد أم بالروح وحدها؟
واختلافهم في حكم الرجم، ومثل اختلافهم في حكم الطلاق وتعدد الزوجات، وغير ذلك من وجوه الاختلاف وصوره التي لا حصر لها، والتي مرجعها إلى تحريفهم ونسيانهم وتبديلهم وكتمانهم ولجاجهم ونكوصهم، وتمردهم وعصيانهم وركوبهم متن الهوى وارتيادهم سبل الغواية.
قال الرازي: «بين الله تعالى أولًا كونه معجزة من وجوه، أحدها: أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في التوراة والإنجيل، مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أميًّا وأنه لم يخالط أحدًا من العلماء، ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم؛ فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل الله تعالى. واختلفوا فقال بعضهم: أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقال آخرون: أراد به ما حرفه بعضهم، وقال بعضهم: بل أراد به أخبار الأنبياء. والأول أقرب» 82.
لا يسع أهل الكتاب إلا أن يؤمنوا برسالة خاتم النبيين وكتاب رب العالمين الذي ختم به، فإيمانهم بخاتم النبيين من مقتضيات إيمانهم بمن سبقه من الأنبياء وبما قبله من الكتب، وبما فيها من بشارات، فمن ثمرات إيمان أهل الكتاب بالتوراة والزبور والإنجيل إيمانهم بخاتم النبيين والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن عاش منهم قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم كان على أمل وشوقٍ لأن يستظل بزمانه فيؤمن به، ومن عاصره وتجرد للحق آمن به وصدقه وآزره، حيث قاده الإيمان بالبشارات والنبوءات للإيمان بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] .
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران: 85] .
وفي الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفس محمدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌ ولا نصرانيٌ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) 83.
وقد صور لنا القرآن فرح مؤمني أهل الكتاب وشغفهم وابتهاجهم بالإسلام.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) } [الرعد: 36] .
حيث يعبر القرآن عن تلك السعادة الغامرة، والفرحة العارمة، التي يعيشها من قاده الإيمان بالتوراة والإنجيل، إلى دين الحق، ونبي الإسلام، وكتاب الله الخالد، الذي أحيا الله به القلوب، وشرح به الصدور، سيما وقد وجدوا القرآن مصدقا لما بين أيديهم، وأبصروا الرسول مطابقًا للبشارات، فنالوا مرادهم، وظفروا ببغيتهم، ورست سفينة البحث على مرفأ اليقين، فأضحت الحياة في ظلال الإيمان أفراحًا متواصلةً، أنوارًا من مصابيح الهدى، وأنداءً على أكاليل السكينة، ونفحاتٍ من أريج المحبة.
وإن كان هناك من حرم من هذه اللذة، وعزف عن هذا النعيم، حين تحزب للباطل، ووقف في صف الكفار، يقاسمهم العداوة، ويشاركهم التصدي للدين الحق، منكرين منه ما خالف أهواءهم، وبدد أوهامهم، ونقض أباطيلهم.
قال تعالى: {وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} إنكارٌ لا برهان عليه، ولا مستند له إلا الركون للهوى وإيثار الباطل، لكن لا ينبغي أن يثني ذلك المؤمنين عن دعوتهم، ويصرفهم عن غايتهم.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} فالمؤمن لا يضره كثرة الهالكين، ولا يضيره قلة السالكين، بل يحيا لغايةٍ ويعيش لرسالةٍ، هي تحقيق العبودية لله رب العالمين.
قال القاسمي: « {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} لأنه يحصل لهم به من المعاني والدلائل وكشف الشبهات ما لم يحصل لهم من تلك الكتب السالفة، قيل: عنى بهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، فإنهم يفرحون بما أنزل من القرآن؛ لما يرون فيه من الشواهد على حقيته التي لا يمترى فيه، ومن المعارف والمزايا الباهرة التي لا تحصى» 84.
ويضرب الله المثل بموقف من آمن بأهل الكتاب فيقول تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء: 105 - 109] .
فإيمان من آمن من أهل الكتاب بالقرآن حريٌ أن يضرب به المثل، فإنه صادرٌ عن علمٍ صادقٍ، ونابعٌ من شوقٍ دافقٍ، فإذ بالجباه وقد سجدت عند سماع الحق، وإذ بالقلوب وقد أيقنت بوعد ربها على لسان رسله، وفي صفحات كتبه، وعده الذي تحقق ووعده الذي توقن بأنه سيتحقق، وإذ بالعيون وقد ذرفت فرحًا واستبشارًا، وهيبةً وإجلالا، مما يزيدهم خشوعا على خشوعهم.
وفي صورة مشرقة ومشهد رائع إيمان القساوسة والرهبان بكتاب الله تعالى الذي بشرت به الكتب السابقة يقول تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) } [المائدة: 82 - 85] .
فقد سطر القرآن تلك الصفحات المضيئة في حياة المؤمنين من النصارى، وصور تلك السعادة التي تغمرهم عندما تطرق مسامعهم كلمات الله التي أنزلها على خاتم رسله في ختام كتبه، تسري تلك الكلمات إلى قلوبهم، بعد أن تدوي في حناجرهم، فيفيض الدمع من محاجرهم، فرحًا وابتهاجًا، ورهبةً وإجلالًا، فقد التقى القرآن مع ما سبقه من الكتب في سبيل الهدى وميدان الحق، فابتهجت القلوب ولهجت الألسنة: {رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .