فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 2431

ويقول: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 2 - 3] » 46.

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

أي: حافظون له من التبديل والتغيير في كلّ وقتٍ، فلا يزاد فيه باطلٌ، أو ينقص منه ما هو منه 47.

وقد حفظ الله عز وجل القرآن في اللوح المحفوظ: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21 - 22] . واللوح المحفوظ هو الذي فيه جميع الأشياء.

وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 77 - 78] .

أي: هو في كتاب مصون عند الله لا يمسه شيءٌ من أذىً ولا غبار ولا غيره 48.

كما حفظه الله من التبديل والتحريف في تنزيله؛ بأن نزّل به الروح الأمين جبريل عليه السلام، وحباه الله عز وجل بصفاتٍ تجعله مؤهّلًا لتبليغه على الوجه الذي أراده الحقّ سبحانه، فقال تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 5 - 6] .

وقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 - 21] .

وقال: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 192 - 193] .

فذكر من أوصاف جبريل عليه السلام أنّه شديد القوى، وذو قوة، ذو مرّة، والقوى جمع قوّة، والمراد استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية والجسمانية 49.

وقال ابن عباس: « {ذُو مِرَّةٍ} يعني: ذو منظر حسن» .

وتطلق على قوة الذات، وتطلق على متانة العقل وأصالته، وهو المراد هنا؛ لأنه قد تقدّم قبله وصفه بشديد القوى 50.

وقال الزمخشري: «ذو حصافة في عقله ورأيه، ومتانة في دينه» 51.

ووصفه بأنه مكينٌ عند الربّ، مطاعٌ في السماوات أمينٌ. وهذه الصفات تتضمّن تزكية سند القرآن، وأنّه سماع محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فحسبك بهذا السند علوًّا وجلالة تزكية الله عز وجل له 52.

وفي هذا ضمانٌ لحفظ القرآن الكريم عن طريق حفظ واسطته الملكيّة.

وحفظ الله عز وجل القرآن من الشياطين أن يتقوّلوا مثله، أو يزيدوا فيه وينقصوا ويبدلوا، فقال: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 210 - 211] .

وقال: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [التكوير: 25] .

وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة: 77 - 78] .

قال ابن زيد: «هو كتابٌ لا يمسّه إلا المطهرون؛ زعموا أنّ الشياطين تنزّلت به على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الله عز وجل أنها لا تقدر على ذلك، ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا، وهو محجوب عنهم» 53.

وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] .

والباطل هو إبليس؛ لا يستطيع أن يزيد فيه باطلًا أو ينتقص منه حقًّا 54.

ثم حفظه الله بأن تكفّل بجمعه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينساه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] .

وقال جلّ ذكره: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6 - 7] .

وحفظه الله عز وجل بأن هيّأ أسباب حفظه، وجعله ميسّرًا للحفظ والفهم، فقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] .

فكثر حفّاظه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، حتى وصلنا بالتواتر، فلو غيّر أحدٌ نقطة أو حركة، أو بدل لفظةً لقال له الصبيان قبل العلماء: كذبت أو أخطأت؛ بل صوابه كذا وكذا.

ومن لوازم حفظ القرآن الكريم روايةً أن ييسّر سبيل تعاهده؛ إذ ليس الحافظ على الحقيقة من استظهر في وقتٍ ثمّ نسي عن قريبٍ ما استظهره، فهذا لا يقال له: حافظٌ.

وليس حفظ القرآن الكريم مقصورًا على تكفّل الله بحفظ روايته، بل لقد تكفّل سبحانه وتعالى بحفظ رعايته، فلا تزال طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحقّ ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وهذا مرويٌّ من أكثر من وجهٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما من حرف أو آية إلا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعملون بها» 55.

وقال الحسن: «حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة» . وقيل: يحفظه في قلوب من أراد بهم خيرًا 56.

وهذا مستلزمٌ بالضرورة لحفظ درايته؛ إذ لا يعمل بالقرآن على مراد الله إلا بفهم مراد الله عز وجل. ومن ظهور الطائفة المنصورة على الحقّ إقامتهم للشّرع ظاهرًا وباطنًا، وفي القلب منه تدبّر القرآن، ولا سبيل له إلا بفهم معاني القرآن، فلزم أنّ معاني القرآن محفوظة كحفظ مبانيه.

وقد خصّ القرآن بهذه الخصيصة بخلاف غيره من الكتب المتقدمة، فإنه تعالى لم يتكفّل بحفظها بل استحفظها الأنبياء إياها فحفظوها وحفظها من اتّبعهم بإحسان من الربّانيين والأحبار: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44] .

ثم خلف من بعدهم خلف {وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف: 169] .

فحرّفوا وبدلوا وكتموا ونسوا حظًّا مما ذكّروا به، قال تعالى في اليهود: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] .

وقال: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] .

وقال في النصارى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 14] .

وقال في أهل الكتاب عمومًا: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] .

وعن أبي الحسن بن المنتاب، قال: «كنت عند إسماعيل (ابن حمّاد الأزديّ) يومًا فسئل: لم جاز التبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: قال الله في أهل التّوراة: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} فوكل الحفظ إليهم، وقال في القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

فتعهّد الله بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن». قال: «فذكرت ذلك للمحاملي، فقال: ما سمعت كلامًا أحسن من هذا» 57.

حفظ الله عز وجل السماوات والأرض أن تزولا.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41] .

فلا يقدر على حفظهما وإمساكهما عن الزوال والاضطراب إلا هو سبحانه. ونظرة إلى السماوات والأرض وإلى هذه الأجرام التي لا تحصى منتثرةً في ذلك الفضاء الذي لا تعلم له حدود. وكلّها قائمة في مواضعها، تدور في أفلاكها محافظةً على مداراتها، لا تختلّ، ولا تخرج عنها، ولا تبطئ أو تسرع في دورتها، {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] .

{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .

وكلها لا تقوم على عمدٍ، ولا تشدّ بأمراسٍ، ولا تستند على شيءٍ من هنا أو من هناك. إنّ نظرةً إلى تلك الخلائق الهائلة العجيبة جديرةٌ بأن تفتح البصيرة على قدرة الله التي تمسك هذه الخلائق، وتحفظها أن تزول. ولئن زالت السماوات والأرض عن مواضعها، واختلّت وتناثرت بددًا؛ فما أحدٌ بقادرٍ على أن يمسكها بعد ذلك أبدًا. وذلك هو الموعد الذي ضربه القرآن لنهاية هذا العالم؛ حين يختلّ نظام الأفلاك، فتضطرب وتتحطم وتتناثر، ويذهب كل شيء في الفضاء لا يمسك أحدٌ زمامه 58.

وذلك {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65] .

وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] ؛ أي: إنّ من آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره، فلم تتزلزلا، ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنّه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض يخرجون 59.

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 31 - 32] .

فلمّا كانت الأرض لا تستقر إلا بالجبال، أرساها بها وأوتدها؛ لئلا تميد بالعباد وتضطرب، فلا يتمكنوا من الاستقرار والسكون فيها ولا عمارتها، فأرساها بالجبال، فحصل من المصالح والمنافع ما به قوام حياتهم. ولما كانت الجبال المتّصل بعضها ببعضٍ قد تمتدّ سلاسلها، فلو بقيت بحالها جبالًا شامخاتٍ، وقللًا باذخاتٍ؛ لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان. فمن حكمة الله ورحمته أن جعل بين تلك الجبال طرقًا سهلةً لعلهم يهتدون فيصلون إلى حاجاتهم، ولعلهم يهتدون بالاستدلال بذلك على المنان 60.

وجعل الله السماء سقفًا محفوظًا، بألا تسقط على الأرض، كما تقدّم. وحفظها من التشقّق والانفطار؛ فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6] ؛ أي: وما لها من صدوع وفتوق وشقوق 61.

وقال عزّ من قائل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3] ؛ أي: هل ترى من صدوعٍ وشقوقٍ وخللٍ؟ 62

وحفظ الله عز وجل السماء من الشياطين؛ فقال تعالى: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا} [فصلت: 12] .

وقال تعالى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 17 - 18] .

وهو كقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 6 - 10] .

والمراد بحفظ السماء من الشياطين منعهم من الاطّلاع على ما أراد الله عدم الاطّلاع عليه من أمر التكوين ونحوه، مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فسادًا في الأرض، وفتنة للناس في الحقّ 63. وهذا الحفظ متحقّقٌ بترصّد الملائكة الموكّلة بحراسة السماء منهم؛ فترميهم بالشهب، في قول مؤمني الجنّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجنّ: 8 - 9] .

حفظ الله عز وجل لخلقه وكلاءتهم نوعان:

النوع الأول: حفظٌ عامٌّ لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها، ويهديها إلى مصالحها بهدايته العامة المذكورة في قوله تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .

فهداهم إلى ما فيه بقاؤهم ونماؤهم، بما ركّبه فيهم من فطرةٍ يسمّيها العلماء غريزة البقاء، ويسّر لهم سبل اتّقاء المكروهات والمضارّ ودفعها، بما حباهم به من أسلحةٍ ومهارتٍ طبعيّة. وهذا يشترك فيه عموم الخلائق؛ الحيوان والبشر، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر. ووكّل بالآدميّ ملائكة يحفظونه ويكلؤونه بأمر الله 64.

والنوع الثاني: حفظه الخاصّ لأوليائه سوى ما تقدّم، وأعلاه حفظهم عمّا يضرّ إيمانهم وصيانة عقودهم في التوحيد عن اكتفائهم بالتقليد، وتحقيق العرفان في أسرارهم بجميل التأييد، وليس كل الحفظ أن يحفظ عبدًا بين البلاء عن البلاء، وإنما الحفظ أن يحفظ قلبًا على خلوص المعرفة من الأهواء؛ حتى لا يزلّ عن الطريقة المثلى، ولا يحيد إلى البدع والهوى. وقيل: من حفظ لله جوارحه حفظ الله عليه قلبه، ومن حفظ لله حقّه حفظ الله عليه حظه 65.

قال ابن تيمية: علّق الله سبحانه الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذمّ بالإيمان به وتوحيده وطاعته، فمن كان أكمل في ذلك كان أحقّ بتولّي الله له بخير الدنيا والآخرة، وحفظه وكلاءته. ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذي يرزقهم، وهو الذي يدفع عنهم المكاره، وهو الذي يقصدونه في النوائب. قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] .

وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42] ؛ أي: بدلًا عن الرحمن. هذا أصحّ القولين. فلا يكلؤ الخلق بالليل والنهار؛ فيحفظهم ويدفع عنهم المكاره إلا الله.

قال تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 20 - 21] 66.

وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64] .

وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] .

فهذا -وأمثاله في الكتاب المسطور كثيرٌ- من كلاءته للخلق عامّةً.

وفي الكتاب المنظور آياتٌ معجزاتٌ شاهداتٌ على كلاءة الله عز وجل خلقه، وقد نظر علماء الفلك والكونيّات وطبقات الأرض والطبّ وغيرها من العلوم، فرأوا من ذلك ما لا يحصيه كتابٌ، حتّى لقد ألّف أحد علماء الكونيات البريطانيين كتابًا بعنوان (ستّة أرقام فقط) ، ذكر فيه ستّة ثوابت عددية مسئولة عن صفات الكون التي تناسب نشأة حياة المخلوقات واستمرارها، بحيث إنّ تغيّرًا طفيفًا فيها بالزيادة أو النقصان يستحيل معه وجود الحياة واستمرارها. وقد أضاف العلماء -كلٌّ في تخصّصه- عشرات الأرقام والثوابت الدقيقة، ومئات الشواهد البيّنة التي تدلّ من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ؛ على بديع صنع الله، وجميل حفظه للخلق جميعًا، وللبشر خاصّةً.

ومن دلائل حفظ الله لمخلوقاته أن جعل الأرض مهادًا وكفاتًا، وجعل فيها رواسي شامخاتٍ، وأجرى فيها الأنهار والبحار، وأحاطها بغلاف من طبقاتٍ يحميها من الأشعة الضارة والنيازك والمذنّبات وغيرها من التكوينات الفضائية التي لو وصل بعضها إلى الأرض لما تهيّأ لسكّانها عيشٌ، ولا استقرّ بهم قرارٌ.

وحفظ الجنين في بطن أمّه: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 20 - 23] .

فهيّأ له هذا القرار المكين، وأمدّه بغذائه، وعزله عن الروائح الكريهة، وعدّل وضعه بما ييسّر خروجه إذا حان القدر المعلوم، ثمّ أخرجه من بطن أمّه لا يعلم، فجعل له من العقل والإدراك والحواسّ ما هو سببٌ -بقدرة الله وتدبيره- لبقائه ومعاشه؛ هذا مع غناه عز وجل عنهم، وافتقارهم وحاجتهم إليه.

وكما حفظ الله الناس في أمور معاشهم ممّا فيه صيانة أبدانهم وأركانهم، فقد حفظهم في أمر معادهم، مما فيه فوزهم بالجنان، ونجاتهم من النيران، ذلك أنّه خلق العباد حنفاء كلّهم على الفطرة، وهداهم السبيل، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحلّ الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانًا، فبعث الله إليهم الرّسل مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وفي هذا ما إن أخذوه بحقّه كان صيانةً لهم عن النار. وهذا من عظيم كلاءته ورحمته.

قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 - 64] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب) 67.

والوليّ فعيلٌ بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله تعالى أمره فلا يكله إلى نفسه لحظة، فهؤلاء لسان حالهم ومقالهم: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] .

أو هو فعيلٌ بمعنى فاعل؛ مبالغةً، وهو الذي يتولى عبادة الله تعالى وطاعته. وكلا الوصفين شرطٌ في ولاية الوليّ، فيجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستبقاء؛ ليدوم حفظ الله تعالى له، وتولي أموره في السراء والضراء 68.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثمّ يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) 69.

فأثبت أنّ للصّالحين حفظًا خاصًّا؛ وإلا كان تقييده بهم لغوًا. ويشهد لذلك قوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] ؛ أي: حافظاتٌ لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهنّ عنهنّ في فروجهنّ وأموالهم، وللواجب عليهنّ من حقّ الله في ذلك وغيره {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} أي: بحفظ الله إياهنّ إذ صيّرهنّ كذلك 70. وقد صرن كذلك لصلاحهنّ.

ومن حفظ الله لأوليائه أن يحول بينهم وبين المعصية؛ قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ؛ قال ابن عبّاس والضحّاك بن مزاحم: «يحول بين المؤمن وبين معصيته» 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت