وأورد الطبري سبب نزولها في أنس بن النضر، فروى بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (غاب أنس بن النضر عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد، انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، فمشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقال سعد: يا رسول الله، فما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى، به بضع وثمانون جراحة، بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه، قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أصحابه) 103.
ثم أخبر تعالى أنه رد كيد الكافرين بدون قتال، بأن أرسل عليهم الريح والجنود الإلهية.
قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} به وبرسوله من قريش وغطفان، بكربهم وغمهم، بفوتهم ما أملوا من الظفر، وخيبتهم مما كانوا طمعوا فيه من الغلبة، لم يصيبوا من المسلمين مالا ولا إسارا {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} بجنود من الملائكة والريح التي بعثها عليهم 104.
وبعث الله تعالى جندًا من الملائكة لتثبيت المؤمنين، قال أنس رضي الله عنه: (كأني أنظر إلي الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل صلوات الله عليه حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة) 105.
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فقال: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) 106.
{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: 26] .
قال الطبري: وأنزل الله الذين أعانوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعنى بذلك بني قريظة 107، وقذف في قلوبهم الرعب والخوف، فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا، إشارة إلى حكم سعد بن معاذ فيهم من قتل الرجال وسبي النساء والذرية، ثم أخبر سبحانه عن فضله على المؤمنين بما نالوه من الغنائم نتيجة صبرهم وثباتهم على وعد الله، فقال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27] .
أي: جعلها ملكًا لكم من قتلكم لهم، والمراد بالأرض التي لم يطؤوها: خيبر أو مكة أو أرض فارس والروم.
قال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا 108.
وقد حث القرآن الكريم أثناء الغزوة على نبذ الخيانة والبعد عنها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] .
قال بعض المفسرين: نزلت في أبي لبابة، في الذي كان من أمره وأمر بنى قريظة، قال الزهري: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه: إنه الذبح، قال الزهري: فقال أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت 109. وذلك لأنه أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم.
رابعًا: علاقة قصة غزوة بني قريظة بموضوع سورة الأحزاب:
تناولت سورة الأحزاب عدة موضوعات، من أهمها غزوة الأحزاب التي سميت السورة بها، وغزوة بني قريظة كانت تابعة لغزوة الأحزاب، لأنها كانت عقبها مباشرة بدون فصل بينهما، كما أنهما مشتركتان في الأسباب، وقد عرضت الآيات جانبًا هامًّا من جوانب هذه الغزوة، فذكرت نعم الله على المؤمنين في صرفه أعداءهم منهزمين بدون قتال، وفى كشفه للطائفة المخادعة ممن نطقوا بالشهادتين ظاهرًا دون العمل بها، وهم المنافقون، حتى يحذرهم المؤمنون ولا يركنوا إليهم، كما كشفت الآيات عن ثبات المؤمنين مهما تعرضوا للشدائد والمحن، فإن ذلك لا يثني عزيمتهم ولا يضعف من عقيدتهم، وقد كافأهم الله عز وجل نتيجة صبرهم، فرد أعداءهم خائبين لم ينالوا خيرا، ونصرهم على الفئة الخائنة الباغية، فأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأمنهم في موطنهم بالقضاء على آخر معاقل اليهود في المدينة.
خامسًا: نتائج الغزوة:
1.هزيمة اليهود وانتصار المسلمين عليهم.
2.تأكيد هوية اليهود، وتثبيت صورتهم في أذهان المسلمين، في غدرهم ونقضهم العهد.
3.مشروعية جواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عادل أهل للحكم: وذلك في تولية النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه الحكم على بني قريظة، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم، أو خيركم) فقال: (هؤلاء نزلوا على حكمك) فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، قال: (قضيت بحكم الله) وربما قال: (بحكم الملك) 110.
4.مشروعية قتل المرأة إذا اشتركت في القتال، أو تعرضت لسب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لم يقتل من نسائهم -تعني: بني قريظة- إلا امرأة واحدة، إنها لعندي تحدث، تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها فضربت عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها تضحك ظهرًا وبطنًا وقد علمت أنها تقتل) 111. قال الواقدي: كانت قد قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وضربت عنقها بخلاد بن سويد 112. وقال الخطابي رحمه الله: يقال: إنها كانت شتمت النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحدث الذي أحدثته وفي ذلك دلالة على وجوب قتل من فعل ذلك 113.
5.مشروعية النهي عن قتل الأطفال في الحرب، فعن عطية القرظي، قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت 114.
6.مشروعية الجمع بين الصلوات للضرورة، حيث أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، إلى ما بعد الغروب، بسبب الأحزاب، قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) 115. وهذا يدل على جواز الجمع جمع تأخير.
7.تقسيم الغنائم، وكانت غنائم بني قريظة كثيرة بالنسبة لما سبقها، وخصوصًا في الأموال المنقولة، ولذلك كان التوزيع فيها تطبيقًا للنص القرآني (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 41] . قال ابن إسحاق رحمه الله: قَسَمَ أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأَعْلَمَ في ذلك سُهْمَانَ الخيلِ وسُهْمَانَ الرجال، وأخرج منها الخمس -أي: خمس الله ورسوله وذي القربى-، وكان من بعد الخمس في أربعة الأخماس، فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل -من ليس له فرس- سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستا وثلاثين، وكان أول فيء وقع فيه السهمان، وأخرج منهما الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي 116.
8.وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه، حيث توفي عقب حكمه في بني قريظة مباشرة نتيجة جرح أصيب به، وقد ظهر من إكرام الله تعالى له ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الملائكة كانت تحمله) 117.
9.خلو المدينة تمامًا من الوجود اليهودي، الذي كان عنصرًا خطرًا، لديه القدرة على المؤامرة والكيد والمكر.
10.القضاء على أمل قريش في وجود حليف لها داخل المدينة، فبعد غزوة بني قريظة انتهت محاولاتها للنيل من المسلمين، أو الاعتداء عليهم.
سميت خيبر بهذا الاسم نسبة إلى رجل من العماليق نزلها، وهو خيبر بن قانية بن مهلايل، وقال الحموي: أما لفظ خيبر فهو بلسان اليهود: الحصن 118.
وكان فتح خيبر بمنزلة وعد من الله عز وجل لعباده المؤمنين، فبعد عودتهم من الحديبية وبيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي: بيعة الرضوان، دون أن يحققوا مرادهم وهو زيارة البيت الحرام، أو أن يجنوا غنائم، أراد الله تعالى أن يجازيهم بامتثالهم أمر الله تعالى وأمر رسوله، وما لاقوه من عناء وشدة، وكان الجزاء وافيًا حيث وفى الله تعالى لهم طاعتهم تلك وامتثالهم وصبرهم بجزائين: معنوي ومادي.
أما المعنوي: فهو إسباغ الرضى الإلهي عليهم، وإنزال السكينة والطمأنينة على قلوبهم، بسبب ما عمله في نفوسهم من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة.
وأما الجزاء المادي: فهو فتح خيبر، وغنائمها وأموالها.
وكان يهود خيبر من أقوى الطوائف اليهودية في بلاد الحجاز وأكثرهم عددًا وعدة وأمنعهم حصونًا 119، وهم على عادة اليهود، استحكم بهم المكر، وغرهم المال والسلاح الذي بأيديهم.
وحوت حصون خيبر عشرة آلاف مقاتل، كانوا يخرجون كل يوم صفوفًا يستعرضون قوتهم، ويسخرون من قوة المسلمين وهم يرددون: «محمد يغزونا، هيهات! هيهات!» 120.
أولًا: زمان الغزوة ومكانها:
أما الزمان: فاختلف في تحديد وقتها علي أقوال:
-جاء في تفسير ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر 121. وذكر الحافظ ابن حجر أقوالًا أخرى وهي:
-قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كان فتح خيبر سنة ست.
-قال الحافظ: نقل الحاكم عن الواقدي، وكذا ذكره ابن سعد أنها كانت في جمادى الأولى، قال الحافظ: فالذي رأيته في مغازي الواقدي: إنها كانت في صفر.
-وقيل: كانت في ربيع الأول.
-وأغرب من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرجنا إلى خيبر لثمان عشرة من رمضان) الحديث 122. قال الحافظ ابن حجر: وإسناده حسن، إلا أنه خطأ، ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت، وتوجيهه بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها في رمضان جزمًا.
-أنها كانت سنة خمس، قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر، وأجاب بعضهم بأنه أسقط سنة المقدم، أي: وقطع النظر عن سنة الغزوة 123.
والذي يظهر: أنها كانت في السنة السابعة، وهذا ما رجحه الجمهور، قال ابن القيم رحمه الله: الجمهور على أنها في السابعة 124.
وعلق الحافظ ابن حجر على ما سبق من أقوال فقال: وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول وهو ابن حزم، ولذا جزم أن خيبر سنة ست لكن الجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم 125126.
وأما المكان: فوقعت الغزوة في خيبر وهي: مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تبعد عن المدينة حوالي 165 كيلو متر شمالًا على طريق الشام 127.
وكان أهلها يسكنون في حصون، وكانت حصونهم ثلاثة مجاميع، تمتد من الجنوب إلى الشمال، يتخللها النخيل والزروع والمنازل المتفرقة، وهذه المجاميع هي: النطاة، والشق، والكتيبة.
أما النطاة: فكانت ثلاثة حصون: ناعم، والصعب، وقلة.
وأما الشق: فكانت حصنين، أبي، والبريء.
وأما الكتيبة: فكانت ثلاثة حصون، القموص، الوطيح، والسلالم 128.
ثانيًا: أسباب الغزوة:
لما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم من خطر اليهود في المدينة بالقضاء على آخر معقل لهم وهم بنو قريظة، والذين كانوا يشكلون تهديدًا محققًا، وأمن جانب قريش بعقد الهدنة معهم ومع حلفائهم تباعًا في الحديبية، أراد أن يقضي على الخطر المحدق به والذي يهدد أمنه واستقراره من جهة الشمال، وهو تجمع اليهود في خيبر.
حيث استقر بعض زعماء بني النضير وأتباعهم في خيبر بعد أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة وتزعموا يهود المنطقة، وساقوهم إلى عداء المسلمين، كما أنهم هم من ذهبوا وحرضوا قريشا وقبائل العرب من أسد وغطفان وغيرها على التحزب والزحف على المدينة لاستئصال شأفة الإسلام، كما حرضوا زعماء بني قريظة على الغدر والنكث مما نتج عنه وقعة الأحزاب ثم وقعة بني قريظة.
وقد استمروا على عدائهم بعد ذلك وظلوا يحرضون قبائل العرب ويغرونهم بغزو المدينة، مما حدا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السير إليهم، للقضاء على هذا الخطر الذي يهدد أمن المسلمين واستقرارهم 129.
ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:
جاء الحديث عن غزوة خيبر في القرآن ضمن الحديث عن صلح الحديبية، فبعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر مشركي مكة بالهدنة في الحديبية، وكان قد تخلف عنه أناس أرادوا الخروج لمجرد الغنيمة، فلما علموا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وبها غنائم كثيرة، طلبوا منه أن يخرجوا معه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يخرجوا معه لأنهم تخلفوا عن الحديبية بدون عذر، وكان خروجهم لطلب الغنائم لا لنصرة دين الله.
قال تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الفتح: 15] .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنييه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرت معتمرا تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة {لِتَأْخُذُوهَا} وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} يقول: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئًا 130.
وذلك أنهم لما منعوا من دخول مكة لأداء العمرة، بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، ثم صالحهم أهل مكة بما عرف بصلح الحديبية، فلم يظفروا بشيء من الغنائم التي ترقبوها عقب البيعة.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن مكافأته لمن صحب النبي وبايعه وامتثل أمره ممن شهد الحديبية.
قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .
قال الطبري: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب، المغانم الكثيرة من مغانم خيبر، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحًا أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها 131.
وقوله: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 19] .
قال الطبري: هي سائر المغانم التي غَنَّمْهَمُوها اللهُ بعد خيبر، كغنائم هوازن، وغطفان، وفارس، والروم 132.
ثم وصف الله تعالى الغنائم بأنها كثيرة، ومن مزيد فضله أنه كف أيدي اليهود عنهم، كما قال قتادة 133.
قال تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 20] .
قال مجاهد: هي جميع الغنائم إلى اليوم، والمعجلة هي: فتح خيبر 134.
وفي هذه الغزوة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، فتكلم بعض الناس على زواجه صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] .
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي بن أخطب» 135.
رابعًا: علاقة قصة غزوة يهود خيبر بموضوع سورة الفتح:
سميت سورة الفتح بأهم ما تناولته من موضوعات وهو صلح الحديبية الذي عده الصحابة: الفتح الحقيقي، لا فتح مكة كما يتبادر إلى الأذهان، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية) 136.
وقد جاء ما يتعلق بغزوة خيبر من الآيات في صورة الوفاء بالوعد الذي وعده الله عباده المؤمنين من مكافأتهم بغنائم كثيرة، نتيجة طاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ومبايعتهم له، فحقق الله تعالى لهم وعده، ووفى أجرهم.
خامسًا: أهم نتائج الغزوة:
1.هزيمة اليهود وانتصار المسلمين.
2.أحدث فتح خيبر دويًّا هائلًا في الجزيرة العربية بين مختلف القبائل، فقد أصيبت قريش بالإحباط إذ فقدت حليفًا طالما تآمر معها ضد المسلمين.
3.إسراع كثيرٍ من القبائل الموالية لقريش إلى مسالمة المسلمين وموادعتهم، مما ساعد على فتح مكة بعد ذلك، وفتح الباب واسعًا أمام نشر الإسلام في أرجاء الجزيرة بعد أن تعززت مكانة المسلمين في أعين أعدائهم، إلى جانب ما تحقق لهم من خير وتعزيز لوضعهم الاقتصادي.
4.القتلى من الجانبين، بلغت حصيلة من قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة وتسعين، واستشهد من المسلمين نحو خمسة عشر رجلًا 137.
5.مصالحة يهود خيبر، فبعد أن أيقن اليهود بالهلاك، واستولى اليأس عليهم، نتيجة تهاوي حصونهم واحدًا تلو الآخر، طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح على أن يحقن دماءهم، فقبل الرؤوف الرحيم وصارت أرضهم لله ولرسوله وللمسلمين، فلما أراد النبي إجلاءهم سألوه أن يقرهم على أن يعملوا في الأرض ولهم نصف ما تخرجه الأرض، فقال لهم: (نقركم علي ذلك ما شئنا) 138.
6.محاولة قتله صلى الله عليه وسلم، حيث تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لمحاولة اغتيال رغم عفوه وصفحه عنهم، وذلك على يد امرأة تدعى زينب بنت الحارث، وكانت أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية مسمومة 139.
7.زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة صفية، وهي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، كان أبوها سيدًا من سادات بني النضير، انتقل إلى خيبر لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة وكان من ذرية هارون بن عمران 140141. وكان لزواجه صلى الله عليه وسلم منها حكمة بالغة، فقد كانت رضي الله عنها بنت سيد يهود خيبر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إعزازها وتكريمها وصيانتها من أن تفترش لرجل لا يعرف لها شرفها ونسبها في قومها، كما أن فيه رباط المصاهرة بين النبي واليهود عسى أن يكون هذا ما يخفف من عدائهم للإسلام، والانضواء تحت لوائه، والحد من مكرهم وسعيهم بالفساد، فدل ذلك على حسن أدبه وحنكته السياسية صلى الله عليه وسلم 142.
8.غنائم خيبر، فقد كانت غزوة خيبر من أكثر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم غنيمة، من حيث الأراضي والنخيل والثياب والأطعمة وغير ذلك، ويدل على كثرتها قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) 143.
1.اليهود أهل غدر وخيانة.