أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الصفة: الأمارة اللازمة للشيء» 1، وقال: «النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن» 2؛ لأن الصفة: مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا، وصفة، مثل: وعد، وعدًا، وعدة 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
«هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها» 4، «وهي ما وقع الوصف مشتقًا منها، وهو دالٌّ عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه» 5.
«فإذا قيل: إن الله بكل شيء عليم، وهو رحمن رحيم، وعلى كل شيء قدير، فالمعاني القائمة بالرب تعالى التي دل عليها هذا الكلام، من العلم، والرحمة والقدرة، هي الصفات المقصودة، وإنكار ذلك مكابرة، أو عناد وضلال، وإلحاد» 6.
«وقد نص الأئمة على أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إن علمه وقدرته زائدة عليه. ومن قال من أهل السنة: إن الصفات، زائدة على الذات، فمراده: أنها زائدة على ما أثبته أهل التعطيل، الذين أثبتوا ذاتًا مجردة عن الصفات؛ لأنه ليس في الوجود ذات مجردة عن الصفات، كما لا يمكن وجود صفات بلا ذات تقوم بها، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر من الهوس» 7.
والخلاصة: أن صفات الله هي التي تقوم بذاته، فهي نعوت الكمال القائمة بالذات الإلهية كالعلم والحكمة والسمع والبصر والكلام ... إلخ.
لم ترد «صفات الله» كمركب إضافي في الاستعمال القرآني، ولكن تحدث القرآن عن صفات الله عز وجل من خلال:
أولًا: الحديث عن ألفاظ ذات صلة بصفات الله تعالى.
كحديث القرآن عن أسماء الله تعالى الحسنى بما تتضمنه من صفات الكمال التي تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى مثل: الحي، القيوم، الرحيم، الودود، العزيز، السميع، القدير، العليم، البصير.
ثانيًا: الحديث عن أنواع صفات الله تعالى:
فقد تحدث القرآن الكريم عن صفات الله تعالى في كثير من آياته، وهي تنقسم إلى:
1.الصفات الذاتية: كالحياة، والعلم، والقدرة، والعزة، والسمع، والبصر، والقوة.
2.الصفات الفعلية: كالاستواء على العرش، والخلق، والرزق، والإتيان والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة، والغضب، والرضا، والمحبة، والكره، والقبض، والبسط، وغير ذلك من أفعال الرب تبارك وتعالي.
3.الصفات المقابلة أو السلبية: كالنوم، والموت، والضلال، والنسيان، والعجز، والتعب، والظلم، والبخل، والفقر، وغير ذلك مما تحدث عنه القرآن.
الأسماء:
الاسم لغة:
مشتق من السمو والعلو 8.
وهو اللفظ الموضوع لمعنًى تعيينًا أو تمييزًا، وقيل: هو العلامة توضع على الشيء يعرف بها 9.
الحسنى لغة:
حسنى على وزن «فعلى» تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول: «إنها تأنيث حسن» ؛ لأن تأنيث «حسن» «حسنة» ، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: «إن أسماء الله حسنة» ، والصواب هو أن نقول: «إن أسماء الله حسنى» كما وصفها الله بذلك 10.
الأسماء الحسنى اصطلاحًا:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها» 11.
وقيل: أسماء الله تعالى الحسنى: هي التي تسمى بها سبحانه، واستأثر بها لنفسه جل وعلا 12.
الصلة بين صفات الله والأسماء الحسنى:
أسماء الله الحسنى هي الأصل الذي يؤخذ منها الصفات العلى، ومن هنا فالعلاقة ذات صلة كبيرة إذ مبناها على الأصل وفرعه، وقد قال ابن القيم رحمه الله: «إثبات صفات الكمال الذي أثبته لنفسه وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل وأن ما وصف الله به فهو الذي يوصف به لا ما وصفه به الخلق» 13. ولعل هذا مما يبين لنا العلاقة بين الاسم والصفة.
ومن أهم ما يبين هذه الصلة الكبيرة بين الأسماء والصفات ما يلي:
أولًا: «إن أهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه «الصفة» فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:
1.الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
2.الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي «الصفة» .
3.الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.
مثال ذلك: «السميع «: اسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:
منه عز وجل» 14.
وكذلك الصفات: «فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة أن يراعي الأمور التالية:
ثانيًا: إن أسماء الله مشتقة من صفاته:
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
لقد فهم السلف الصالح آيات الصفات فهمًا صحيحًا، حيث آمنوا بها إيمانًا يقينيًا، وذلك بإثباتها إثباتًا يثبت به اللفظ ومعناه اللائق به، ونفيها نفيًا يستوجب ضده، وهو الكمال المنفي من هذا السلب، فالواجب في أسمائه الحسنى وصفاته العليا أن تثبت على ما جاء به الكتاب والسنة على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، فلا ينفى منها اسم ولا ينفى من معانيها صفة ولا تشبه بصفات المخلوقين.
أولًا: بيان طريق أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته مع أمثلة توضح تلك الطريقة:
أهل السنة والجماعة طريقتهم في أسماء الله وصفاته أنهم يعتبرون أن ما ثبت من أسماء الله وصفاته في كتاب الله أو فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حق على حقيقته يراد به ظاهره ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين وذلك لأن تحريف المحرفين مبني على سوء فهم، أو سوء قصد حيث ظنوا أنهم إذا أثبتوا تلك النصوص، أو تلك الأسماء والصفات على ظاهرها ظنوا أن ذلك إثبات للتمثيل، ولهذا صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه، وقد يكونون ممن لم يفهموا هذا الفهم ولكن لهم سوء قصد في تفريق هذه الأمة الإسلامية شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون.
ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه، أو أن يصف الله بما لم يصف به نفسه.
فإن أي إنسان يقول: إن من أسماء الله كذا، أو ليس من أسماء الله، أو أن من صفات الله كذا، أو ليس من صفات الله بلا دليل أنه لاشك قول على الله بلا علم 17.
وقد قال الله سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف:33] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «وقوله: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: تجعلوا له شريكًا في عبادته، وأن تقولوا عليه من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولدًا ونحو ذلك، مما لا علم لكم به» 18.
ثم إن طريقتهم في أسماء الله تعالى أن ما سمى الله به نفسه. فإن كان من الأسماء المتعدية فإنهم يرون من شرط تحقيق الإيمان به ما يلي:
وهنا أضرب أمثلة:
من أسماء الله تعالى: «البصير» وقد ورد في آيات كثير منها قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُٹ) [الشورى:11] .
ومن صفاته: البصر: قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة:1] .
وقد ذكر ابن كثير رحمه الله سبب نزول هذه الآية فقال: «عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) إلى آخر الآية وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا فقال: وقال الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، فذكره» 20.
ويجب على طريق أهل السنة والجماعة أن يثبت هذا الاسم من أسماء الله فيدعى الله به ويعبد به فيقال مثلًا عبد البصير ويقال يا بصير يا عليم وما أشبه، وكذلك أيضًا يثبت ما دل عليه هذا الاسم من الصفة وهي البصر فنثبت لله بصرًا عامًا شاملًا لا يخفى عليه أي شيء وإن ضعف، كما نثبت أيضًا أثر هذه الصفة وهي أن الله تبارك وتعالى يبصر كل شيء وبهذا ننتفع انتفاعًا كبيرًا من أسماء الله وصفاته لأنه يلزم من هذه الأمور الثلاثة التي أثبتناها في الاسم إذا كان متعديًا أن نتعبد الله به فنحقق قول الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف:180] .
قال ابن سعدي رحمه الله تعالى: «ومن تمام كونها «حسنى» أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال: (فَادْعُوهُ بِهَا) وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلًا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب علي يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف، ونحو ذلك» 21.
ومن أسمائه «الحي» .
فإن الحي من أسماء الله عز وجل، نثبته اسمًا لله فنقول من أسماء الله تعالى: «الحي» وندعو الله به فنقول: «يا حي، يا قيوم» وهو متضمن لصفة الحياة الكاملة المطلقة وقد ورد في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ? وَكَفَى? بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان:58] .
«وإنما قال: (عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعًا، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه» .22
ونؤمن بما دل عليه من صفة، سواء كان ذلك تضمنًا أو التزامًا، وهي الحياة الكاملة التي تتضمن كل ما يكون من صفات الكمال في الحي من علم، وقدرة، وسمع، وبصر، وكلام وغير ذلك، فعلى هذا نقول إذا كان الاسم من أسماء الله غير متعد فإن تحقيق الإيمان به يكون بأمرين:
أحدهما: إثباته اسمًا من أسماء الله.
والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة على وجه الكمال اللائق بالله تبارك وتعالى.23
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «اعلموا أن مبحث آيات الصفات دل القرآن العظيم أنه يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي صلي الله عليه وسلم، وأصحابه والسلف الصالح، ومن أخل بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضل. وكل هذه الأسس الثلاثة يدل عليها قرآن عظيم.
أحد هذه الأسس الثلاثة هو تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين. وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: (? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ?) [الشورى:11] .
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4] .
(فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ?) [النحل:74] .
الثاني من هذه الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه) [البقرة:140] .
والإيمان بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وينزه ربه جل وعلا عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين. وحيث أخل بأحد هذين الأصلين وقع في هوة ضلال، لأن من تنطع بين يدي رب السموات والأرض وتجرأ على الله بهذه الجرأة العظيمة ونفى عن ربه وصفا أثبته لنفسه فهذا مجنون فالله جل وعلا يثبت لنفسه صفات كمال وجلال فكيف يليق لمسكين جاهل أن يتقدم بين يدي رب السموات والأرض ويقول هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك ويلزمه من النقص كذا وكذا، فأنا أؤوله وألغيه وآتى ببدله من تلقاء نفسي من غير استناد إلى الكتاب أو السنة. سبحانك هذا بهتان عظيم!
ومن ظن أن صفة خالق السموات والأرض تشبه شيئا من صفات الخلق فهذا مجنون جاهل، ملحد ضال، ومن آمن بصفات ربه جل وعلا منزها ربه عن تشبيه صفاته بصفات الخلق فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل. وهذا التحقيق هو مضمون قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11] .
فهده الآية فيها تعليم عظيم يحل جميع الإشكالات ويجيب عن جميع الأسئلة حول الموضوع. ذلك لأن الله قال: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) بعد قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?) .
ومعلوم أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فكأن الله يشير للخلق ألا ينفوا عنه سمعه وبصره بادعاء أن الحوادث تسمع وتبصر وأن ذلك تشبيه بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
فالله جل وعلا له صفات لائقة بكماله وجلاله والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم وكل هذا حق ثابت لا شك فيه. إلا أن صفة رب السموات والأرض أعلى وأكمل من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفي عن الله وصفا أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله سبحانك هذا بهتان عظيم!
ومن ظن أن صفة ربه تشبه شيئًا من صفة الخلق فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?97?ہإِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ?98?) [الشعراء:97 - 98] .
ومن يسوى رب العالمين بغيره فهو مجنون» 24.
أولًا: الصفات الذاتية:
هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، فضابطها: هي التي لا تنفك عن الذات. أو: التي لم يزل ولا يزال الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى. وضابط هذه الصفات: هي ما قام بالذات الإلهية مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة 25.
كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة. ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين. وتأمل اسم الله الأحد المتضمن صفة الأحدية، فهذه الصفة تدل على الكمال المطلق؛ كما تدل على نفي صفة الولادة والتولد، وإن ورد ذلك في آية أخرى وهي قوله في سورة الإخلاص: مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) [الإخلاص:3] .
وقوله في سورة الجن: (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) [الجن:3] .
وصفة النفس كما في قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام:54] .
فهي تدل على الكمال المطلق، ولنضرب أمثلة على هذه الصفات الذاتية والتي منها:
1.الوجه.
قال تعالى: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:27] .
«يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا.
وهذه الآية كقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88] .
وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ?) [الكهف:28] .
وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) [الإنسان:9] .
قال ابن عباس: (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ذو العظمة والكبرياء» 26.
2.اليدان.
قال تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ?) [ص:75] .
«إن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع. مفردًا، ومثنًى، ومجموعًا.
فالمفرد: كقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [الملك:1] .
والمثنى كقوله: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) والمجموع كقوله: (عَمِلَتْ أَيْدِينَا) [يس:71] .
فحيث ذكر اليد مثناة. أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدى الفعل بالباء إليهما، وقال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . وحيث ذكرها مجموعة أضاف الفعل إليها، ولم يعد الفعل بالباء.
فهذه ثلاثة فروق: فلا يحتمل (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا فإن كل أحد يفهم من قوله: عملت أيدينا ما يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: فبما كسبت أيديكم وأما قوله: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى فكيف وقد دخلت عليها الباء؟! فكيف إذا ثنيت؟!
وسر الفرق أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه كقوله: (ذَ?لِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) [الحج:10] .
(فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وأما إذا أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء إلى اليد مفردة أو مثناة، فهو مما باشرته يده» 27.
3.العينان.
قال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور:48] .
«أي اصبر على أذاهم ولا تبال بهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس.
وقوله: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى? ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ?13?تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ?14?) [القمر:13 - 14] .
وقوله: (?تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) : أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوح عليه السلام» كبرياء 28.
ثانيًا: الصفات الفعلية:
هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، وضابطها: هي التي تنفك عن الذات. كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا .. إلخ.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ?82?) [يس:82] .
وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته «فإعادته للأموات، فرد من أفراد آثار خلقه، ولهذا قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا) نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء. (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: في الحال من غير تمانع» 29.
ومن الصفات الفعلية:
••صفات العفو والمغفرة والرحمة والعزة والقدرة.
قال تعالى: (: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) [النساء:149] .
«وقد بين تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثًا عليه، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ? أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:22] دليل على أن العفو والصفح على المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق على مسطح، ومفعول «أن يغفر الله» محذوف للعلم به، أي: يغفر لكم ذنوبكم» 30.
وقال تعالى: (? وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8] .
«أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له كما قال في الآية الأخرى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ?) [فاطر:10] .
وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8] .
والمقصود من هذا التهييج طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد» 31.
صفة الرحمة والعلم: قال تعالى (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) [غافر:7] .
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: «ويعني بقوله: (وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) : وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، فعلمت كل شيء، فلم يخف عليك شيء، ورحمت خلقك، ووسعتهم برحمتك» 32.
وقد جمع الدليلين العلم والرحمة معًا في قوله تعالى: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) » 33.
••صفة المحبة.