فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 2431

ومن ذهب من المفسرين إلى أن المراد بالخيرية ما يعود عليهم من نفع دنيوي 41، فقوله مرجوح؛ لأن فيه حملًا للألفاظ على غير محملها الشرعي، حيث حمل الإيمان في قوله {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} على مجرد التصديق، وقد تقرر أنه إذا تردد حمل اللفظ بين معناه الشرعي ومعناه اللغوي، فإن حمله على المعنى الشرعي هو الأولى، قال الطاهر ابن عاشور: «والمؤمنون لقب للمتصفين بالإيمان بالله وحده، كما هو مصطلح الشرائع، وحمل المؤمنين على المصدقين لقوله ونصحه وأمانته حملٌ على ما يأباه السياق» 42.

كما أن التعظيم المستفاد من تنكير {خَيْرٌ} ينصرف إلى ما يتعلق بأمور الآخرة، وإن كانوا -مع كفرهم- لا يعدمون الخير بترك البخس والتطفيف.

وفي سورة هود جاء النهي عن البخس معللًا بعلتين:

الأولى: قوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} ، والمعنى: إني أراكم في سعة من العيش، تستغنون به عن البخس، وهو تعليل لا مفهوم له؛ لأنه تقرير للأمر الواقع، والبخس محرم سواء كانوا في عوز وفاقة أو في غنى؛ إذ لم يقيد النهي عنه بشيء.

الثانية: قوله: {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} ، والمراد بالعذاب هنا هو عذاب يوم القيامة، أو عذاب الاستئصال الذي حل بهم، ومعنى {يَوْمٍ مُحِيطٍ} : لا يشذ عنه أحد منهم، أو يوم مهلك، نحو قوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] .

ووصف الإحاطة لليوم لا للعذاب.

قال الزمخشري: «فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟

قلت: بل وصف اليوم بها؛ لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه» 43.

وتعليل البخس بهذا الوعيد دليل على أنه من الكبائر 44؛ وذلك بناءً على ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الكبيرة هي: ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيدٌ شديدٌ بنص كتاب أو سنة 45.

فإذا كان البخس من الكبائر، فإن المبادرة إلى التوبة عنه آكد وألزم؛ ولذلك أمر شعيب عليه السلام قومه التوبة، فقال لهم-كما حكى الله عنه-: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 90] .

والمعنى: استغفروا ربكم من عبادة الأوثان، ثم توبوا إليه عن البخس والنقصان 46.

كما أن الإصرار عليه سبب للهلاك، فقد أهلك الله مدين بأنهم بخسوا الناس أشياءهم، وإليهم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لأصحاب المكيال والميزان: (إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيه أممٌ سالفةٌ قبلكم) 47.

وروي هذا الحديث موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ووقفه أصح من رفعه.

والتعليلان السابقان واردان عقب النهي عن نقصان الكيل والميزان، وهو أخص من البخس، فتعليل النهي عنه تعليل للنهي عن البخس أيضًا.

كما أن قوله تعالى: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فيه حثٌ للانتهاء عن البخس، والمعنى: ما يبقى -بعد التنزه عما هو حرام- لكم من رزق حلال ومن ذكر حسن ومن أمن وبركة خير لكم من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف، وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإيمان بالله.

أما سورة الشعراء فقد خلت عن تعليل النهي عن البخس؛ وذلك لأن الجو العام للسورة يمتاز بالنصح والإرشاد، والدعوة والاتعاظ والاعتبار، ألا ترى أنه تكرر فيها خمس مراتٍ قول الله تعالى -على لسان كل نبي خلا كليمه موسى وخليله إبراهيم-: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) } [الشعراء: 106 - 107] .

وتكرر ثماني مراتٍ قوله جل وعلا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) } [الشعراء: 67 - 68] .

فلا يتلاءم مع هذا الجو تعليل النهي عن البخس.

وذلك بخلاف سورة هود، فإن الجو العام لها يمتاز بالتهديد والتقريع، فناسب ذلك الكشف عن حكمة ما اشتملت عليه من تشريعات وتعليلها إقامةً للحجة عليهم قبل نزول العذاب بهم.

أما سورة الأعراف فالجو العام لها هو الدعوة إلى عمارة الأرض التي قوامها اتباع ما أنزل الله، فناسب ذلك بيان الحكمة في النهي عن البخس بما يتلاءم وهذا الجو العام لها، حيث قال: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} .

ثالثًا: أنه اقترن ذكر البخس بالفساد في الأرض متقدمًا عليه في المواضع الثلاثة، وفي ذلك إشارة إلى أن البخس سبب للفساد في الأرض، فإن بخس الناس حقوقهم مفضٍ إلى وقوع المنازاعات والخصومات بينهم وسفك الدماء.

فإن قلت: فما الأداة الدالة على السببية في الآيات؟

فالجواب: أن تكرار الاقتران بينهما، وتقدم البخس على الفساد في الذكر مشعرٌ بكونه سببًا فيه.

ومما يؤكد تلك السببية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بخس قومٌ المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم) 48.

فأداة السببية هنا هي ترتب الحكم -وهو الأخذ بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان- على الوصف، وهو البخس. وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا بخس الميزان حبس القطر» 49، فأداة السببية هي أداة الشرط: «إذا» 50.

ثالثًا: الأمر بضده:

تقرر فيما سبق أن القرآن الكريم قد سلك في ذم البخس كل مسلك، ومن تلك المسالك: الأمر بما هو ضده، حيث أمر الله تعالى بإقامة العدل بين الناس بوجه عام، وإيفاء الكيل والميزان بوجه خاص. وكلا الأمرين نهيٌ عن البخس، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، سواء كان الضد واحدًا كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيًا عن الكفر، وإذا أمره بالحركة فإنه يكون نهيًا عن السكون، أو كان الضد متعددًا، كما إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيًا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك، وهو ما ذهب إليه الجمهور من أهل الأصول، من الحنفية والشافعية والمحدثين، عزاه إليهم الشوكاني 51.

1.الأمر بإيفاء الكيل والوزن.

فقد أمر الله تعالى بإيفاء الكيل والميزان، فقال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] .

فقوله: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أمرٌ بالعدل في الأخذ والعطاء، بأن يوفي ذو الحق حقه من غير نقصان، وأن يأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب زيادة، فالأمر بالإيفاء من الجانبين 52، وهو يتضمن النهي عن النقص فيهما، بأي وجه من الوجوه، وهو ما توعد الله عليه بالويل في قوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين: 1 - 3] .

وقوله: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} بيان أن من أخطأ في أداء ما عليه من حق بعد استفراغ جهده فلا حرج عليه، فما لا يمكن الاحتراز عنه ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه 53، فإن الله لم يكلف عباده ما لا طاقة لهم به.

ونحو الآية السابقة قوله جل شأنه: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) } [الإسراء: 35] . والقسطاس (بكسر القاف وضمها 54) هو آلة ميزان يعرف بالقبان، وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ؛ أي: إيفاء الكيل والميزان خير عند الله وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة، ولا يخفى ما في الأمر بإيفاء الكيل والميزان من النهي عن البخس.

2.الأمر بالعدل.

فقد أمر الله بإقامة العدل في أكثر من آية، منها قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .

والمراد بالميزان: العدل، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة 55، ومعنى {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} ، أي: لتعاملوا بينهم بالنصفة والعدل، وهو نهي عن الجور والظلم، وقد عرفت أن البخس ظلمٌ، فتضمنت الآية النهي عنه.

وقد صرح الحق بالجمع بين الأمر بالعدل والنهي عن البخس في قوله: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [الرحمن: 9] .

تأكيدًا للأمر بالعدل وللنهي عن البخس، قال السيوطي: «فيه وجوب العدل في الوزن، وتحريم البخس فيه» 56.

والخلاصة أن الله أمر بما يتنافى مع البخس ليتضمن النهي عن البخس؛ تأكيد للنهي عنه.

-لم يرد في مصنفات أهل العلم قديمًا أو حديثًا تقسيم له، وذلك -فيما يبدو لي- لأن حكمه واحد، وهو التحريم. وقبل أن أتطرق إلى ذكر أنواع البخس أنبه على أمرين:

الأول: النهي عن البخس جاء بصورة مجملة، ليشمل كل ما يستجد من صور البخس على تعاقب الأزمان، سواء ما عرف منها وقت التنزيل مما ورد في القرآن الكريم كالتطفيف والغلول، أو في السنة النبوية كالنجش والاحتكار، أو ما عرف بعد كالحقوق المدنية.

الثاني: أكثر الآيات التي ورد فيها النهي عن البخس تدور حول المعاملات المالية، إلا أن التعبير عنها جاء بصيغة العموم، كما أسلفنا من قبل.

وإذا كان البخس عامًا في جميع حقوق الناس، فمن الأجدر تصنيفه تقريبًا للأذهان، وتوضيحًا للأفهام، وذلك ينتظم فيما يلي:

أولًا: البخس في الحقوق:

المراد بالحقوق هي: ما ثبت للإنسان شرعًا من مما لا تتحقق إنسانيته إلا بها 57، فإن كانت هذا ما ثبت له ماديًا نحو المال فهي حقوق مادية، وإن كان معنويًا كالحرية والأمن فهي حقوق معنوية.

إن انتقاص شيء من تلك الحقوق بأي صورة من الصور حرام؛ لأن فيها إهدارًا لحقوق الإنسان وإضرارًا به، ويمكن تعداد تلك الصور فيما يلي:

1.التطفيف.

أحد أساليب بخس الناس أموالهم وأكثرها شيوعيًا قديمًا وحديثًا، لا سيما في البيع والشراء، حيث يكون بالازدياد إن اقتضى من الناس، أو بالنقصان إن قضاهم، وقد توعد الله تعالى المطففين بالويل، فقال جل شأنه: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ?1?الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ?2?وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ?3?) [المطففين: 1 - 3] .

2.الغلول.

لم يكن البخس قاصرًا على الاحتيال لأخذ أموال الناس فرادى، وإنما يشمل الاحتيال لأخذ شيء من أموال الأمة، وذلك مثل التعدي على أموال الغنائم قبل تقسيمها، وهو ما يسمى بالغلول، وهو- كما عرفه ابن عرفة-: أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها 58. ويلحق به ما يأخذه الولاة والعمال من أموال الدولة بغير حق، كهدية تعطى إليه، أو مال يتقاضاه بدون حق.

فذلك كله خيانة وخديعة لأكل أموال الناس بالباطل، وقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ? وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? ثُمَّ تُوَفَّى? كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ?161?) [آل عمران: 161] .

فقوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) تبرئة لساحة النبي صلى الله عليه وسلم من خيانة الأمة بأي صورة من صور الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك 59، ويدخل فيها دخولًا أوليًا ما تقوله البعض يوم بدر من أنه صلى الله عليه وسلم أخذ قطيفة حمراء، فنزلت الآية 60.

وقوله: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وعيد شديد وتهديد أكيد لمن يغل من أموال المسلمين شيئًا، والمعنى: من يغلل شيئًا يأت به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد 61.

وبين النبي صلى الله عليه وسلم صورًا من الغلول محذرًا من الوقوع في شيء منه، فقال صلى الله عليه وسلم: (من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلولٌ) 62.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاءٌ، على رقبته فرسٌ له حمحمةٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، وعلى رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاعٌ تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك) 63.

وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني أسد، يقال له ابن الأتبية على صدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيءٍ إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاءٌ، أو بقرةً لها خوارٌ، أو شاةً تيعر - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه- ألا هل بلغت) ثلاثًا 64.

وعن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعظم الغلول عند الله عز وجل ذراعٌ من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار، فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة) 65.

3.الغش.

وهو: إظهار الشيء على خلاف حقيقته 66.

وهو حرام؛ إذ إنه ضرب من الاحتيال والمكر؛ لأكل أموال الناس بالباطل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) 67.

ومر صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام 68، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني) 69.

وهو داخل في عموم قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: 188] .

وقوله جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء: 29] .

وللغش ميادين عديدة، وله في كل ميدان صور كثيرة، فيدخل في باب البيع والشراء، وذلك بأن يخلط البائع الجيد بالرديء، ويظهره كله في صورة الجيد، وبأن يكذب في بيعه بأن يقول: اشتريته بكذا، أي: بأكثر مما اشتراه به، أو يخبر بأن سلعته جلبت من بلد كذا وهو مشهور بجود الصنعة، ولم تجلب منه، ومنه التصرية، وهو: جمع اللبن في ضرع الحيوان، من الغنم أو البقر أو الإبل عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة، فيعلو حينئذٍ ثمنها، ولا يخفى ما فيها أيضًا من إيذاء الحيوان.

ويدخل أيضا في باب التعليم والطب والصناعة وغيرها 70، ولكل ميدان شياطينه الذين يحتالون فيه لأكل أموال الناس بالباطل.

4.الاحتكار.

وهو: حبس ما يحتاج إليه الناس من السلع حتى تقل من الأسواق، فيرتفع سعرها.

فهو عام في كل ما يحتاجه الناس من قوت وغيره، وهو ما ذهب إليه المالكية، ومن الفقهاء من خصه بالقوت والثياب، ومن من خصه بالقوت فقط 71. والأول هو الأرجح، وإن كانت حاجة الناس إلى بعض السلع أكثر من بعض كالقوت.

وهو حرام باتفاق العلماء، وعده ابن حجر الهيتمي من الكبائر، فقال: «عد هذا كبيرة، هو ظاهر ما في هذه الأحاديث -الصحيح بعضها- من الوعيد الشديد؛ كاللعنة وبراءة الله ورسوله منه» 72.

ومن ذهب من الشافعية إلى أنه مكروه فقوله ضعيف، قال محمد بخيت المطيعي: «ومن أصحابنا من قال: يكره ولا يحرم، وليس بشيء» 73.

ووجه تحريمه: أن فيه إضرارًا بالناس، إذ لا تكافؤ بين السلعة وثمنها، وحصولًا على مال الغير من غير طيب نفس منه، وضربًا من الخدعة والاحتيال لأكل أموالهم بالباطل 74.

وقد وردت أحاديث كثيرة -يقوي بعضها بعضًا- في التحذير من الاحتكار، والعمل على زيادة الأسعار وغلاء المعيشة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (من احتكر طعامًا أربعين ليلةً، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصةٍ أصبح فيهم امرؤٌ جائعٌ، فقد برئت منهم ذمة الله تعالى) 75.

ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (من احتكر حكرةً يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئٌ) 76.

ومنها: ما ورد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار ما هو؟ قال: (إذا سمع برخصٍ ساءه، وإذا سمع بغلاءٍ فرح به، بئس العبد المحتكر، إذا رخص الله الأسعار حزن، وإذا أغلا فرح) 77.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من دخل في شيءٍ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، فإن حقًا على الله أن يقعده بعظمٍ من النار يوم القيامة) 78.

5.النجش.

وهو مدح السلعة بما ليس فيها، والزيادة في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، بل ليغر غيره 79، فيشتريها الغير بأكثر مما تستحق، وهو ضرب من الاحتيال والخديعة لأكل أموال الناس بالباطل 80. وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم 81، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانًا) 82.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمرٍ) 83.

6.تلقي الجلب.

وهو أحد سبل بخس الناس أموالهم، وذلك بأن يجلب إلى السوق سلعة من البوادي وغيرها، فيلقى الجالب أحد فيشتريه منه، فغالب الحال أن يكون الجالب على جهل بسعر مثله في السوق، فيستغل المشتري جهله، فيشتريه بأقل من ثمنه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في الحديث السابق: (لا تلقوا الركبان) .

قال النووي: «قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب وصيانته ممن يخدعه» 84.

وقال أبو زرعة العراقي: «ومذهب الشافعي أن النهي إنما ورد رفقًا بصاحب السلعة لئلا يبخس في ثمن سلعته» 85.

7.المطل في أداء الحق.

المراد بالمطل: تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، فيحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه 86، قال تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .

فقد نهى الله المدين أن يتحايل -إذ يملي على الكاتب- بشيءٍ يتخذه تكأةً في بخس الدائن حقه، وذلك فيشمل -من باب أولى- مماطلته حين يستوجب أداء ما عليه؛ فإن فيه ضررًا بصاحب الدين، وقال صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلمٌ) 87.

انتقاص الإنسان أي حق من الحقوق المعنوية التي خولتها له الشريعة الإسلامية مما لا تتحقق آدميته إلا بها إنما هو بخس، من تلك الحقوق ما يلي:

1.حق الأمن.

إن الأمن -بمفهومه الواسع- هو أهم حق من حقوق الإنسان في الحياة، وهو بمثابة الركن الرئيس في البناء الحضاري، ومن ثم اهتم به الإسلام غاية الاهتمام إذ جعل سلامة الناس وتأمينهم من كمال الإسلام والإيمان.

دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) 88.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) . قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) 89.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) 90.

فترويع الإنسان في نفسه أو في عرضه وولده أو في ماله بأي صورة من الصور الترويع والتخويف بخس وتعدٍ وظلم، سواء كان الإنسان مسلمًا أو غير مسلم، فالتعبير بالمسلم -في الأحاديث السابقة- خرج مخرج الغالب.

وكما أن ظاهرها نفي الإسلام عمن روع معصومًا، لكن العلماء حملوه على نفي الكمال لا نفي الماهية 91.

2.الحرية.

الحرية هي أهم دعائم تكوين شخصية الإنسان في الإسلام، حيث جعلها مناط المسئولية، قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10 ) ) [البلد: 10] .

والمعنى: أنا بينا للإنسان طريق الخير ومآله، وطريق الشر وعاقبته، ليختار هو ما يجني ثماره أو ما يتحمل تبعاته.

فالحرية حقٌ مصونٌ للإنسان في كافة ميادينها، والتي منها حرية التفكير، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع، وحرية الحركة.

وقد ضبطها الإسلام ونظمها تنظيمًا يحقق للإنسان السعادة وللمجتمع الرقي، فلم تكن حريةً مطلقة، يطلق فيها العنان للإنسان ليفعل ما يشاء ويدع ما يشاء؛ إذ لم تعرف هذه الحرية إلا في الوسط الاستبدادي والمجتمع الهمجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت