فهرس الكتاب

الصفحة 1848 من 2431

وقد نص القرآن الكريم على أن الذين أوتوا العلم يرون نصوصه حقًّا وتنزيلًا من الله وهادية إلى صراطه، قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6] .

قال السعدي: «لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث، وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد، وهم أهل العلم، وأنهم يرون ما أنزل الله على رسوله من الكتاب، وما اشتمل عليه من الأخبار، هو الحق، أي: الحق منحصر فيه، وما خالفه وناقضه، فإنه باطل؛ لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين.

ويرون أيضًا أنه في أوامره ونواهيه {وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة: من جهة علمهم بصدق من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة، والكتب السابقة، ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها، التي تقع عيانًا، ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة موافقتها لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه.

ويرون في الأوامر والنواهي، أنها تهدي إلى الصراط المستقيم، المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى عموم الخلق، ونحو ذلك. وتنهى عن كل صفة قبيحة، تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم والوزر، من الشرك، والزنا، والربا، والظلم في الدماء والأموال، والأعراض.

وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، وعلامة لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علمًا وتصديقًا بأخبار ما جاء به الرسول، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل العلم الذين جعلهم الله حجة على ما جاء به الرسول، احتج الله بهم على المكذبين المعاندين، كما في هذه الآية وغيرها» 79.

وقد دلت هذه الآيات على أن المتصفين بالعلم، الذين لم يعم الكبر والعناد قلوبهم، إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم شهدوا بصدقها وأقبلوا عليها خاشعين مذعنين مطيعين مستجيبين.

ثانيًا: الصَّادُّونَ عنه:

قص القرآن الكريم عن المشركين أنهم في خضم معاندتهم للحق وصدهم عنه قالوا إن قلوبهم مغلفة فلا يصل الحق إليها، وفي آذانهم صمم فلا يسمعون ما يتلو النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بينهم وبينه حجاب فلا يرونه.

قال تعالى: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 1 - 5] .

{وَقَالُوا} أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينون عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب الموصلة إليه: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} أي: أغطية مغشاة {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} أي: صم فلا نسمع لك {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} فلا نراك.

القصد من ذلك، أنهم أظهروا الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه، والرضا بما هم عليه، ولهذا قالوا: {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي: كما رضيت بالعمل بدينك، فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا الآخرة بالدنيا» 80.

وكما أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يسمعون تيئيسًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد تواصوا بعدم السماع للقرآن الكريم وأمر بعضهم بعضًا بذلك: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .

وهي: عطف على جملة {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} عطف القصة على القصة، ومناسبة التخلص إليه أن هذا القول مما ينشأ عن تزيين قرنائهم من الإنس، أو هو عطف على جملة {فَزَيَّنُوا لَهُمْ} وهذا حكاية لحال أخرى من أحوال إعراضهم عن الدعوة المحمدية بعد أن وصف إعراضهم في أنفسهم انتقل إلى وصف تلقينهم الناس أساليب الإعراض، فالذين كفروا هنا هم أئمة الكفر يقولون لعامتهم: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ} 81.

وعلى هذا فإنهم مع زعمهم أن القرآن الكريم لن يؤثر فيهم؛ لأنهم لا يسمعونه وقلوبهم مغلفة عن أن يصل إليها، فإنهم لم يستطيعوا الصبر عليه بحيث تواصوا باللغو فيه وتناهوا عن سماعه، وما ذلك منهم إلا مخافة لتأثيره في بعضهم: «فإنهم علموا أن القرآن كلام هو أكمل الكلام، شريف معاني وبلاغة تراكيب وفصاحة ألفاظ، وأيقنوا أن كل من يسمعه وتداخل نفسه جزالة ألفاظه وسمو أغراضه قضى له فهمه أنه حق اتباعه، وقد أدركوا ذلك بأنفسهم، ولكنهم غالبتهم محبة الدوام على سيادة قومهم فتمالؤوا ودبروا تدبيرًا لمنع الناس من استماعه، وذلك خشية من أن ترق قلوبهم عند سماع القرآن فصرفوهم عن سماعه.

وهذا من شأن دعاة الضلال والباطل أن يكمموا أفواه الناطقين بالحق والحجة، بما يستطيعون من تخويف وتسويل، وترهيب وترغيب ولا يدعوا الناس يتجادلون بالحجة ويتراجعون بالأدلة؛ لأنهم يوقنون أن حجة خصومهم أنهض، فهم يسترونها ويدافعونها لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان والتضليل، فإذا أعيتهم الحيل ورأوا بوارق الحق تخفق خشوا أن يعم نورها الناس الذين فيهم بقية من خير ورشد، عدلوا إلى لغو الكلام ونفخوا في أبواق اللغو والجعجعة لعلهم يغلبون بذلك على حجج الحق، ويغمرون الكلام القول الصالح باللغو، وكذلك شأن هؤلاء. فقولهم: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ} تحذيرًا واستهزاء بالقرآن، فاسم الإشارة مستعمل في التحقير كما فيما حكي عنهم {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 36] .

وتسميتهم إياه بالقرآن؛ حكاية لما يجري على ألسنة المسلمين من تسميته بذلك. وتعدية فعل {تَسْمَعُوا} باللام؛ لتضمينه معنى: تطمئنوا أو تركنوا.

واللغو: القول الذي لا فائدة فيه، ويسمى الكلام الذي لا جدوى له لغوًا، فمعنى {وَالْغَوْا فِيهِ} : قولوا أقوالًا لا معنى لها أو تكلموا كلامًا غير مراد منه إفادة» 82.

في غمرة هذا العناد لم يشعر هؤلاء المعاندون أنه قد طبع على قلوبهم حقًّا وجعلت عليها أكنة وأغلفة مانعة من وصول الحق إليها فلا يفقهون معانيها، وأن آذانهم قد صمت عن سماع الحق، سماع من يستجيب له.

كما قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25] .

وقال أيضًا: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 45 - 46] .

«وقوله: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} : جمع (كنان) ، الذي يغشى القلب {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفهموا القرآن {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} وهو الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به 83.

وهؤلاء يصل القرآن إلى آذانهم ولكنهم لا يسمعونه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .

ويصير القرآن الذي هو نور عمًى عليهم: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44] .

ولأجل ذلك فهم لا ينتفعون بما فيه من تذكير ومواعظ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] .

ولا تنشرح صدورهم لآياته: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 55] .

ويغضبون إذا تليت عليهم: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج: 72] .

وهؤلاء الصادون قد جحدوا بآيات الله، وقد استيقنتها قلوبهم بما خالطها من مرض وكبر وعناد، فهم يجادلون بكل باطل؛ ليدحضوا به الحق، فإذا تقطعت بهم السبل وأعيتهم الحجة انقلب كبرهم غضبًا وبطشًا، بل إن مجرد سماع آيات الله تتلى يستفز هذا الغضب في نفوسهم، فإذا هم {يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} .

بين القرآن بيانًا شافيًا أدب الناس مع القرآن.

أولًا: أدبهم مع صحفه:

وصف الحق سبحانه وتعالى كتابه بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11 - 16] .

قال ابن عطية: «وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس في (السفرة) ، فقال ابن عباس: هم الملائكة؛ لأنهم كتبة يقال: سَفَرْتُ أي: كتبت، ومنه السِّفْرُ، وقال ابن عباس أيضًا: الملائكة سفرة؛ لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء، وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه: هم الصحابة؛ لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول أرجح» 84.

وأما قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 75 - 80] .

فهو محتمل لكونه خبرًا أو أمرًا، قال ابن العربي: «فقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، وقيل: هو نفي. وكان ابن مسعود يقرؤها: (ما يمسه إلا المطهرون) ؛ لتحقيق النفي» 85.

وتفريعًا على ما سبق، فقد اختلف في المراد بالمس: أهو المس بالجارحة أم لا؟ وفي المراد بالمطهرين: هل هم المطهرون من الحدث أم من شيء آخر؟ قال القرطبي: «اختلف في معنى {لَا يَمَسُّهُ} هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في {الْمُطَهَّرُونَ} من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون.

الكلبي: هم السفرة الكرام البررة، وقيل: معنى {لَا يَمَسُّهُ} لا ينزل به {الْمُطَهَّرُونَ} أي: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري» 86.

ويرى ابن العربي أن الملائكة لا تصل إلى اللوح المحفوظ، قال: «أما قول من قال: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال؛ فلو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه محل.

وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف فإنه قول محتمل؛ وهو الذي اختاره مالك قال: أحسن ما سمعت في قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} أنها بمنزلة الآية التي في (عبس وتولى) : {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} يريد: أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة (عبس) 87.

وقيل: إن المراد المصحف الذي بأيدينا، قال الجصاص: «روي عن سلمان أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء، وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال: فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرؤون، فقالت: إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون! فقم فاغتسل أو توضأ، فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه -وذكر الحديث-، وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف، وعن ابن عمر مثله، وكره الحسن والنخعي مس المصحف على غير وضوء» 88.

واختاره القرطبي، قال: «وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته: من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان: أما بعد؛ وكان في كتابه: ألَّا يمس القرآن إلا طاهر. وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) .

وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} فقام واغتسل وأسلم، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} من الأحداث والأنجاس» 89.

ويلاحظ من الاستظهار على تقرير النهي عن مس المصحف بالأخبار السالفة أن دلالة الآية عليه محتملة وغير صريحة، قال الجصاص: «إنْ حُمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإنْ حُمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عمومًا فينا، وهذا أولى؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: ولا يمس القرآن إلا طاهر، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية؛ إذ فيها احتمال له» ، واقتصر الكيا هراسي على النص على أنها تدل على وجوب الوضوء لمس المصحف من غير تفصيل للمسألة فقال: «قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} يدل على منع مس المصحف من غير وضوء» 90.

ويرى السايس أن منع المحدث من مس المصحف مستفاد من السنة، وذلك يغني عن تكلف إيجاد الدلالة عليه في الآية، قال: «من المفسرين من يريد إرجاع الضمير في: {لَا يَمَسُّهُ} إلى القرآن الكريم، وأن من الآراء في {الْمُطَهَّرُونَ} رأيًا يقول: هم المطهرون من الناس، وأن طهارتهم هي الطهارة الشرعية من الحدثين. على هذين الاعتبارين يقوم استدلال بعض الفقهاء بالآية على عدم مس المحدثين للمصحف، وعدم مس المحدث للمصحف أمر يكاد يجمع عليه، ومن أجازه من الفقهاء أجازه لضرورة التعلم، أو التعبد عند بعضهم، وقد يكون الحكم مُسلَّمًا لا اعتراض عليه، إنما الذي لا يسلم هو أن يكون الحكم مأخوذًا من هذه الآية، فإنك لمست ما فيها من احتمالات كثيرة، بل ويرجح بعض العلماء أن الكتاب هو اللوح المحفوظ، وأن الضمير في {يَمَسُّهُ} راجع إليه، وأنه حتى على فرض أن الكتاب القرآن، فليس هو المصحف، بل هو المصحف الذي بأيدي الملائكة، ولئن كان هو المصحف فالمطهرون يحتمل أن يراد منهم المؤمنون، ويراد من المس الإدراك، ويكون المعنى لا تفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة أن تجد نور الإيمان. قال البخاري في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به» 91.

ثم يقول: «إذا كان المفسرون تبعا للفقهاء يستدلون بالآية من وجهها الذي استدل بها منه ابن تيمية على الحكم كان حسنًا، حيث قال: إن الآية تدل على الحكم من باب الإشارة والتنبيه؛ لأنه ما دامت صحف القرآن في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسها إلا الطاهر» 92.

وبناء على ما سبق، يمكن أن نقول: إن الطهارة عند لمس المصحف أدب يتأدب به المؤمن مشابهة للملائكة المطهرين، وهو يلقي في نفسه شعورًا بعظمة هذا الكتاب وجلال منزله والحفاوة التي صاحبت نزوله وتلاوته في الملأ الأعلى، فضلًا عن كونه واجبًا شرعيًا عند أكثر الفقهاء، قال القرطبي: «الجمهور على المنع من مسه (لغير المتوضئ) ؛ لحديث عمرو بن حزم.

وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما.

وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل.

وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرًا أو محدثًا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه.

وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما: المنع اعتبارًا بالبالغ. والثاني: الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثًا» 93.

ثانيًا: أدبهم عند سماعه:

أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يستمعوا وينصتوا إذا قرئ القرآن فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .

«وقد وردت الآية هكذا عامة في وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال، وعلى جميع الأوضاع خارج الصلاة وداخلها، كل ذلك يجب فيه الاستماع والإنصات للقرآن الكريم إذا قرئ» 94.

قال السعدي: «هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.

وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» 95.

لكن حمل الآية على ظاهرها بهذه الصورة المطلقة لم يجر على ألسنة المفسرين، وأغلبهم لا يناقش حتى هذا المفهوم المتبادر؛ فعقد ابن العربي مثلا للحديث عنها ثلاث مسائل تناول في أولها: سبب نزولها -وكأنه رآه مخصصًا ومبينًا لما يفهم من عمومها-، ثم تحدث في الثانية والثالثة عن حكم القراءة خلف الإمام 96.

وأما أبو بكر الجصاص فقد اقتصر في الحديث في أحكامه تحت الآية على مسألة القراءة خلف الإمام فقط 97، وكذلك فعل الكيا هراسي الشافعي 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت