فهرس الكتاب

الصفحة 2413 من 2431

وقال الجمل في حاشيته: «قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] ، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! فقال أبو الأشد: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} » 73.

يعني: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ} أي: خزنتها {إِلَّا مَلَائِكَةً} لأنهم أقوى الخلق بأسا، وأشدهم غضبا لله؛ ليباينوا جنس المعذبين، فلا يستروحون لهم.

{وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي: من مشركي قريش. أي: إلا عدة من شأنها أن يفتتن بها الكافرون، فيجعلوها موضع البحث والهزء 74.

قال الكعبي: «المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه. قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به» .

وقال الإمام الرازي: «وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين:

الأول: أن الكفار كانوا يستهزئون، ويقولون: لم لا يكونون عشرينبدلًا من تسعة عشر؟! وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟

والثاني: أن الكفار كانوا يقولون: هذا العدد القليل كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإنس؟!

وأجيب عن الأول بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض، وأفعال الله تعالى لا تعلل، فلا يقال فيها: لم كان هذا العدد؟ فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه.

وأجيب عن الثاني بأنه لا يبعد أن الله تعالى يعطى ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل وحده مدائن قوم لوط على أحد جناحيه، ورفعها إلى السماء ثم قلبها، فجعل عاليها سافلها .. وأيضًا فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، وليس للعقل فيها مجال».

{لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أي: رسالة النبي -صلوات الله عليه-؛ لإنبائه من وعيد الجاحدين المفسدين ما لديهم مصداقه 75.

أي: ليتيقن أهل الكتاب من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله؛ إذ يجدون هذا العدد في كتبهم المنزلة {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} أي: ويزداد المؤمنون تصديقًا لله ورسوله بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقًا للتوراة والإنجيل 76.

والاستيقان: قوة اليقين، فالسين والتاء فيه للمبالغة. والمعنى: ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقا لما في كتبهم.

والاستيقان من شأنه أن يعقبه الإيمان إذا صادف عقلًا بريئًا من عوارض الكفر كما وقع لعبد الله بن سلام، وقد لا يعقبه الإيمان لمكابرة أو حسد أو إشفاق من فوات جاه أو مال كما كان شأن كثير من اليهود الذي قال الله فيهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .

ولذلك اقتصرت الآية على حصول الاستيقان لهم 77.

وقوله تعالى: {وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} معطوف على قوله: ليستيقن .. وهو مؤكد لما قبله، من الاستيقان وازدياد الإيمان، ونفيٌ لما قد يعتري المستيقن من شبهة عارضة. أي: فعلنا ما فعلنا؛ ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى الله عليه وسلم وصدق كتابه وهو القرآن، وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم. ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب، وعلى قلوب المؤمنين 78.

وفي التعبير بالاستيقان في جانب أهل الكتاب وبازدياد الإيمان في جانب المؤمنين مراعاة لمقتضى الحال في كل من الفريقين فأهل الكتاب والمقصود به من أهل الكتاب هنا هم أولو العلم منهم الذين سلموا من الهوى المضل الذي أفسد على كثير من علمائهم دينهم- هؤلاء يبعث فيهم هذا الخبر الجديد الذي جاء به القرآن يقينا بأن ما يتلقاه محمد هو وحي من عند الله. هذا إلى ما كان عندهم من علم بهذا النبي المبشر به في كتبهم والمبينة صفاته فيها ..

وأما المؤمنون فهم مؤمنون بصدق الرسول، من قبل نزول هذه الآيات ومن بعد نزولها .. ولكنهم يزدادون إيمانًا كلما تلقوا من آيات الله جديدًا، يثبت إيمانهم ويزيدهم قوة استبصار لمعالم الحق .. وهؤلاء المؤمنون هم الذين آمنوا إيمانا خالصا من شوائب الشك والارتياب 79.

وهكذا فإن قراءة القرآن وتدبره بعناية ترسخ اليقين وتقوي منه، وتؤكد صدق القرآن ونبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالإخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم من شأنه أن تجعل الإيمان في قلوب المؤمنين الصادقين يزداد رسوخا وثباتا، فمن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق.

ولذا يقول النبي المصطفى فيما يرويه أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار، يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجلٌ آتاه الله مالًا ينفقه في حقه، فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت كما يفعل) 80.

لليقين ثمرات بينها القرآن ومن أهمها ما يأتي:

أولًا: الرضا بحكم الله:

وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .

لقد أتت الآية تذم اليهود ومن يتبع أحوالهم بالطبع - لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما على ذلك جمهرة المفسرين- وتشنع عليهم في سعيهم نحو حكم الجاهلية والرفض والتكبر لحكم الله، وتبين لنا الآية أن اليقين والإيمان الحقيقي من علاماته الرضا بحكم الله في كل الأحوال وفي كل الأمور ونبذ كل حكم يخالف حكم الله ورسوله.

وقد قيل في سبب نزول الآية: إنه كانت بين بني النضير وقريظة -وهما حيان من اليهود- دماء وذلك قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فلما بعث وهاجر إلى المدينة تحاكموا إليه فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا؛ أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا، وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم، فاقض بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضيري، ودم النضيري وفاء من دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة) . فغضبت بنو النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك لنا عدو، وإنك ما تألو في وضعنا وتصغيرنا. فأنزل الله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ} 81.

فيقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود -الذين احتكموا إليك، فلم يرضوا بحكمك إذ حكمت فيهم بالقسط- (حكم الجاهلية) ، -يعني: أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك- وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوز خلافه؟! 82.

فحكم الجاهلية كما قال ابن عباس: «ما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام، وتحريفهم إياها عما أمر الله به» 83.

فهذا استفهام معناه الإنكار على اليهود، حيث هم أهل كتاب وتحليل وتحريم من الله تعالى، ومع ذلك يعرضون عن حكم الله ويختارون عليه حكم الجاهلية، وهو مجرد الهوى من مراعاة الأشرف عندهم، وترجيح الفاضل عندهم في الدنيا على المفضول، وفي هذا أشد النعي عليهم حيث تركوا الحكم الإلهي بحكم الهوى والجهل 84.

ثم قال تعالى ذكره موبخا لهؤلاء الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلهم ذلك منهم: ومن هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله -تعالى ذكره- عند من كان يوقن بوحدانية الله ويقر بربوبيته؟

وبتعبير آخر: أي حكمٍ أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًّا وكنتم أهل توحيدٍ وإقرار به؟ 85.

فاللام في قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؛ للبيان، كاللام في: {هَيْتَ لَكَ} أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه 86.

قال العلماء: فمن أيقن تبين عدل الله في حكمه 87.

فالقوم الموقنون هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكمًا من الله سبحانه وتعالى، فيرضون به ويقومون بتنفيذه دون تردد أو تكاسل؛ لأن ذلك نابع من إيمان حقيقي لا تردد فيه.

فقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هو تسفيه لأهل الكتاب، وفضح لجهلهم وضلالهم، إذ يعدلون عن شرع الله ويخرجون عن حكمه إلى شريعة الجاهلية وأحكام السفاهة والضلال. وذلك من حماقة عقولهم، وسفه أحلامهم؛ إذ إنه لا يعرف فرق ما بين أحكام الله وأحكام غير الله إلا من أخلى قلبه من نزعات الهوى، وصفى مشاعره من وساوس النفاق، ونظر إلى الله بقلب سليم، فعرفه حق معرفته، وقدره حق قدره، ورأى أن هدى الله هو الهدى، وأن من اتبع غير سبيله ضل وهلك، ومن سلك سبيله رشد وسعد 88.

ثانيًا: الثبات على الأعمال الصالحة:

يقول تعالى في آخر آية في سورة الحجر: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .

فقوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أي: الموت، قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور. وسمي يقينًا؛ لأنه موقن به، فمعنى الآية: اعبد ربك أبدًا، ولو قيل: اعبد ربك، بغير توقيت، لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعًا، فلما قال: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أمر بالإقامة على العبادة ما دام حيًّا 89.

وللإمام ابن عطية كلام وجيه في قول الجمهور السابق، فيقول: «وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه عاقل، فسماه هنا يقينا تجوزا، أي: يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية معناها مدة حياتك» 90.

والتعبير بـ {رَبَّكَ} فيه إشارة إلى أن مقام الربوبية يقتضي العبادة الخالصة له، وقد حدد سبحانه وتعالى نهاية العبادة بقوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} 91.

فليس المراد به ما زعمه بعض الملحدين مما يسمونه بالكشف والشهود، وقالوا: إن العبد متى حصل له ذلك سقط عنه التكليف بالعبادة، وهي ليست إلا للمحجوبين، ولقد مرقوا بذلك من الدين وخرجوا من ربقة الإسلام وجماعة المسلمين 92.

فالحق يشير إلى وجوب المداومة على العبادة وجميع أنواع الأعمال الصالحة وصنوف الطاعة والخير إلى أن يأتي أمر الله ووعده الذي لا شك فيه ولا ريب 93.

وهذا مثل قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] .

أي: أبدًا، ولو لم يقل: {مَا دُمْتُ حَيًّا} لكان بصلاة واحدة وزكاة مرة يؤدي ما وصاه به 94.

فالمؤمن الحقيقي تكون عبادته لله ليست عبادة مؤقتة أو مرتبطة بزمان معين أو مكان معين أو عبادة ليسر أو عسر، بل عبادة الموقن الحقيقي عبادة دائمة وفي كل الأوقات والأزمان والأمكان. ففائدة قوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} بعد قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ} أنه إذا عبد مرة خرج عن موجب الأمر، فقال: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ؛ ليدوم عليها إلى أن يموت 95.

وهذا الكلام يشير إلى حقيقتين ثابتتين:

الحقيقة الأولى: وجوب العبادة طوال الحياة حتى الممات.

والحقيقة الثانية: فيه إشارة إلى أن العبادة تزيد اليقين فيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولله غيب السماوات والأرض وإليه مرجع الأمور 96.

ويستدل من هذه الآية الكريمة، وهي قوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ، على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) 97.

ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت، كما قدمناه. ولله الحمد والمنة والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على ذلك.

ثالثًا: الثقة في وعد الله ووعيده:

يقول تعالى في آخر سورة الروم {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .

يختم الله سبحانه سورة الروم، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على هؤلاء الجاهلين من المشركين، أي: فاصبر على أذاهم وعلى جهالاتهم، فإن وعد الله تعالى بنصرك عليهم حق لا شك في ذلك.

فجملة {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} تعليل للأمر بالصبر وهو تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق وعد الله من الانتقام من المكذبين ومن نصر الرسول صلى الله عليه وسلم 98.

وإليه الإشارة بقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] .

{وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ} أي: ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر الذين لا يوقنون بصحة ما تتلو عليهم من آيات، ولا بما تدعوهم إليه من رشد وخير. فقد ختمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر، كما افتتحت بالوعد به للمؤمنين الصادقين: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] 99.

وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف العقل خفيفه. فالأول بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور، فالله المستعان 100.

بهذه الآية تختم السورة الكريمة، وهى تحمل إلى النبي الكريم دعوة من الله سبحانه وتعالى إلى الصبر على ما يلقى من قومه من مكاره، مستعينا على الصبر واحتمال المكروه، بما وعده ربه من نصر لدين الله الذي يدعو إليه، ومن تمكين له وللمؤمنين معه في هذه الدنيا، ومغفرة من الله ورضوان في الآخرة، هذا إلى ما يلقى هؤلاء المشركون الضالون من خزي وخذلان في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة 101.

ففي قوله تعالى: {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} إشارة لافتة إلى ما قد يرد على النبي -صلوات الله وسلامه عليه- من تلك الخواطر التي تساور بعض النفوس من المؤمنين الذين اشتدت عليهم وطأة البلاء وطال بهم الانتظار لملاقاة ما وعدهم الله من نصر، ففى ساعات الضيق والعسرة قد يتسرب إلى بعض المؤمنين شيء من القلق، وربما شيء من الشك والريب، ذلك أن للنفس البشرية حدًّا من الاحتمال والصبر على المكاره إذا بلغته زايلتها القدرة على الاحتمال، وآذنها الصبر بالرحيل، وعندئذ تنحل العزيمة، ويضعف اليقين، وتبرد حرارة الإيمان.

وفي هذا يقول الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] .

فهذه حال تعرض المؤمنين، ولن يعصمهم منها إلا التحصن بالإيمان، واللياذ باليقين الذي يدفع كل شك في قدرة الله وفي تحقيق ما وعد المؤمنين به من نصر وعافية مما هم فيه من بلاء 102.

والآية إذ تدعو المؤمنين إلى أن يكونوا من الموقنين بالله والمستيقنين بنصره فإنها تدعو النبي إلى أن يثبت في موقفه من الإيمان بربه والثقة فيما وعده به، حتى ترتد عنه العوارض التي تعرض له داخل نفسه أو خارجها، حين تجده جبلا راسخا، لا تصادف أية خفة في أي جانب منه .. وقد كان صلوات الله وسلامه عليه على هذا اليقين الذي تزول الجبال ولا يزول .. حتى ليقول لعمه أبى طالب وقد جاء يدعوه إلى مهادنة قومه على أن يحتكم بما شاء فيهم من مال أو سلطان، فيقول: (والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في شمالى على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه) 103.

وإذا كان هذا الخطاب بالصبر موجها للنبي صلى الله عليه وسلم فإن المراد به أمته، فعلى الأمة أن تصبر في تبليغ الدعوة الإسلامية لكل أمم الأرض، وأن تثبت في بيان أصول الدعوة إلى الإيمان؛ لأن حبل الخير متصل دائم إلى يوم القيامة، وحبل الخير لا يكون إلا بجهود الدعاة إلى الله تعالى. ولا يضير الداعية إلى ربه أن يقف الكافر الجاحد موقف العناد والتكبر، أو السخرية والاستهزاء؛ لأن هذه هي مواقف الجهلة المستبدين، الذين لا يصغون لنداء العقل والوجدان والتأمل في مشاهدات الكون الدالة على وجود الله وسلطانه وقدرته وتوحيده وتفرده بالخلق والإيجاد 104.

رابعًا: الإمامة في الأرض:

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

قال الزمخشري: «وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام هدىً لقومه وجعلنا منهم أئمةً يهدون الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه لصبرهم وإيقانهم بالآيات.

وكذلك لنجعلن الكتاب المنزل إليك هدى ونورا، ولنجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين» 105.

فتشير الآية إلى ما من الله به على بني إسرائيل؛ إذ جعل منهم أئمة يهدون بأمر الله، والأمر يشمل الوحي بالشريعة؛ لأنه أمر بها، ويشمل الانتصاب للإرشاد، فإن الله أمر العلماء أن يبينوا الكتاب ويرشدوا إليه فإذا هدوا فإنما هدوا بأمره وبالعلم الذي أتاهم به أنبياؤهم وأحبارهم، فأنعم الله عليهم بذلك لما صبروا وأيقنوا لما جاءهم من كتاب الله ومعجزات رسولهم 106.

وفي هذا تعريض بالبشارة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يكونون أئمة لدين الإسلام وهداة للمسلمين إذا صبروا على ما لحقهم في ذات الله من أذى قومهم وصبروا على مشاق التكليف ومعاداة أهلهم وقومهم وظلمهم إياهم، وتقديم {بِآيَاتِنَا} على {يُوقِنُونَ} للاهتمام بالآيات 107.

وفي الآية، إشارة إلى ما ينبغي أن يكون المرشد عليه من الأوصاف، وهو الصبر على مشاق العبادات وأنواع البليات، وحبس النفس عن ملاذ الشهوات، والإيقان بالآيات، فمن يدعي الإرشاد وهو غير متصف بما ذكر فهو ضال مضل 108.

ويؤخذ من فحوى الآية أن بني إسرائيل لما نبذوا الاعتصام بالكتاب ونبذوا الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقدوا الاستيقان بحقية الإيمان فغيروا وبدلوا سلبوا ذلك المقام، وأديل عليهم انتقامًا منهم. وتلك سنته تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

ففي طي هذا الترغيب ترهيب وأي ترهيب 109!

خامسًا: الانتفاع بهداية القرآن ورحمته:

قال تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] .

يبين الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان واليقين بالقرآن وما فيه من شرع الله يجعل صاحبه يدرك الفلاح في الدنيا والآخرة.

يعني: هذا القرآن المشتمل على شرائع الله الخالدة إلى يوم القيامة هو دلائل وبراهين للناس جميعا فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين، وهاد إلى الجنة من عمل به، ورحمة من الله في الدنيا والآخرة لقوم من شأنهم الإيقان وعدم الشك بصحته وتعظيم ما فيه. وإنما خص الموقنين بذلك؛ لأنهم المنتفعون به 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت