أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: « (زور) الزاء والواو والراء: أصل واحد يدل على الميل والعدول، من ذلك الزور: الكذب؛ لأنه مائل عن طريقة الحق. ويقال: زور فلان الشيء تزويرًا، إذا: هيأه؛ لأنه يعدل به عن طريقة تكون أقرب إلى قبول السامع» 1.
والزور في اللغة هو: الكذب، والباطل، وفعلهما 2، يقال: زّور فلان الكتاب والكلام تزويرًا: إذا قواه وشدده، وسواه وحسنه؛ والكلام المزوّر أي: المحسن الذي يبدو حقيقيًا وصوابًا 3، ثم يتكلم به؛ ومنه شهادة الزور؛ لأنه يقويها ويشددها ويحسنها ويشبهها بالشهادة الصحيحة حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنها خلاف ما هو عليه 4.
والتزوير هو: التزيين والتحسين والتشبيه، وفعل الكذب والباطل، وأصل الزور: الميل والعدول، وبهذا يكون المعنى اللغوي للزور أنه الكذب والباطل، وفعلهما بكل أشكالهما وصورهما 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى الزور اصطلاحًا عن معناه اللغوي، الدال على الميل والانحراف، الذي يصحبه تحسين للباطل، وإظهاره على غير حقيقته.
وردت مادة (زور) في القرآن الكريم (4) مرات 6.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المصدر ... 4 ... {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) } [الحج:30]
وجاء الزور في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، الدال على الميل وانحراف، وتحسين للباطل، والذي من صوره، الشرك، والكذب، وشهادة الزور، وغير ذلك 7.
الكذب:
الكذب لغة:
نقيض الصدق 8، قال ابن فارس: « (كذب) الكاف والذال والباء: أصل صحيح يدل على خلاف الصدق» 9.
الكذب اصطلاحًا:
قال الجرجاني: «هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع؛ سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت» 10.
الصلة بين الزور والكذب:
«أن الزور هو الكذب بعينه إلا أنه كذب محسن، مزين يخيل لمن سمعه أو رآه أنه على خلاف ما هو به» 11.
البهتان:
البهتان لغة:
مشتقٌ من بهت الرجل يبهته بهتًا وبهتانًا فهو بهّات، أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوتٌ، والبهتان: افتراءٌ 12.
البهتان اصطلاحًا:
هو الافتراء على الغير، وهو: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه؛ لأنّه يبهت من ينقل عنه 13.
الصلة بين الزور والبهتان:
أن الزور هو: الكذب الذي قد سوي وحسن في الظاهر؛ ليحسب أنه صدق، وهو من قولك: زورت الشيء: إذا سويته وحسنته، وأما البهتان فهو مواجهة الإنسان بما لم يحبه 14، أي: الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة 15.
الافتراء:
الافتراء لغةً:
الفرية: الكذب. فرى كذبًا فريًا وافتراه: اختلقه. ورجلٌ فريٌّ ومفرًى وإنه لقبيح الفرية 16.
الافتراء اصطلاحًا:
اختراع قضية لا أصل لها، أو هو: الكذب العظيم عن عمد 17.
الصلة بين الزور والافتراء:
أنهما من أسماء الكذب، وأن كلًّا منهما يطلق على الشرك وعلى الكذب.
الإفك:
الإفك لغة:
أفك إفكًا وأفوكًا: كذب، وأفك فلانًا: جعله يكذب، وحرمه مراده 18.
الإفك اصطلاحًا:
أعظم الكذب، وكل شيء في القرآن إفك فهو كذب 19.
الصلة بين الزور والإفك:
أن كلًّا منهما من أسماء الكذب وأشده وأعظمه، إلا أن الإفك هو أشد الزور وأكذبه.
إن مجالات الزور من خلال القرآن الكريم تكون في الأقوال والأفعال، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الزور في الأقوال:
يمكن تصنيف الأقوال التي وصفها الله تعالى بأنها من قول الزور في النقاط الآتية:
1.أقوال الشرك بجميع أنواعها.
إن من الزور الشرك بالله تعالى بالقول: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .
قال الإمام الواحدي في تفسير قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} : «يعني: الشرك بالله، وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، ويريدون: الصنم» 20.
وكقولهم في الملائكة: قال تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} [الإسراء: 40] .
وقال سبحانه: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} [الصافات: 149 - 153] .
وقال عز وجل: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 19 - 20]
ومنه شرك اليهود والنصارى بقولهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .
أي: جميع الأقوال المحرمات التي تدخل في العقيدة، إنها من قول الزور الذي هو الكذب على الله تعالى 21.
2.التكذيب بالقرآن.
بين الله تعالى أن التكذيب بالقرآن من القول الزور الباطل، ومن وضع الأشياء في غير موضعها، ومن الكذب على الله تعالى.
قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 4 - 6] .
يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ} أي: كذب افتراه، يعنون: النبي صلى الله عليه وسلم، {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين، فقال الله تعالى: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] .
أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، وهم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون.
قال الإمام ابن كثير: «وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم يعلم كل أحد بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى أن بعث: الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء: 18] .
وقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 6] الآية، أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلًا الذي يعلم السر، أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر» 22.
وقال الإمام الرازي: «إن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه، وقال أبو مسلم: الظلم: تكذيبهم الرسول والرد عليه، والزور: كذبهم عليهم» 23.
ثم رد الله سبحانه عليهم فقال: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} ، أي: فقد قالوا ظلمًا هائلًا عظيمًا وكذبًا ظاهرًا، وانتصاب (ظلمًا) بـ (جاءوا) ، فإن جاء: قد يستعمل استعمال أتى، ويعدى تعديته، وقال الزجاج: إنه منصوب بنزع الخافض، والأصل: جاءوا بظلم. وقيل: هو منتصب على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلما؛ لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر؛ لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة 24.
أي: فقد وضعوا الأشياء في غير مواضعها، وكذبوا على ربهم؛ إذ جعلوا القرآن -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- إفكًا مفترى من قبل البشر، وكيف يتقولون ذلك على الرسول وقد تحداهم أن يأتوا بمثله، وهم ذوو اللسن والفصاحة والغاية في البلاغة، فعجزوا أن يأتوا بمثله، ولو كان ذلك في مكنتهم ما ادخروا وسعًا في معارضته، وقد ركبوا الصعب والذلول؛ ليدحضوا حجته، ويبطلوا دعوته، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد استعان في ذلك بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا هم بغيرهم، فما مثله في اللغة إلا مثلهم.
قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38] .
وقال سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 13 - 14] .
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 4 - 6] .
وقال جل شأنه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الأحقاف: 7 - 8] 25.
3.تحريم ما أحل الله.
كما أن من الزور بالقول تحريم ما أحل الله تعالى، وقيل أيضًا: شهادة الزور. وهذا كله جائز.
قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .
والآية تدل على أنهم نهوا أن يحرموا ما حرم أصحاب الأوثان نحو قولهم: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ونحو: نحرهم البحيرة والسائبة، فأعلمهم الله أن الأنعام محللة إلا ما حرم الله منها، ونهاهم الله عن قول الزور أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ ليفتروا على الله كذبًا 26.
وقد وصف الله تعالى هذا القول الزور بأنه افتراء وكذب على الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] 27.
4.جميع الأقوال المحرمة.
كما أن من الزور بالقول: الكذب وشهادة الزور، وجميع الأقوال المحرمة، قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .
أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور 28.
والآية تدل على أن الله نهى عن الكذب وقول الزور، وشهادة الزور، والنفاق، وكل قول محرم؛ لأنه باطل، وهذا ما قال به أكثر المفسرين 29.
5.الظهار من الزوجة من القول الزور.
قال تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .
أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور: هو الكذب، وإنما جعله كذبًا؛ لأن المظاهر يصيّر امرأته كأمّه، وهي لا تصير كذلك أبدًا؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، إما أن يجعله إخبارًا أو إنشاء، وعلى التقدير الأول أنه كذب؛ لأن الزوجة محللة والأم محرمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضًا كذبًا؛ لأن كونه إنشاء معناه: أن الشرع جعله سببًا في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبًا وزورًا، وقال بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه: منكرًا من القول وزورًا؛ لأن الأم محرمة تحريمًا مؤبدًا، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريمًا مؤبدًا، فلا جرم كان ذلك منكرًا من القول وزورًا، وهذا الوجه ضعيف؛ لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة 30.
وهذا تشبيه باطل؛ لتباين الحالين إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن؛ لدخولهن في حكمهن، فالمرضعات أمهات 31.
ثم زاد الأمر إيضاحًا وبالغ في الاستهجان؛ توبيخًا لهم على صنيعهم فقال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} أي: وإنهم ليقولون قولًا منكرًا لا يجيزه شرع، ولا يرضى به عقل، ولا يوافق عليه ذو طبع سليم، فكيف تشبه من يسكن إليها وتسكن إليه وجعل الله بينه وبينها مودة ورحمة، وصلة خاصة لا تكون لأم ولا لأخت، بمن جعل صلتها بابنها صلة الكرامة والحنو والإجلال والتعظيم؟ إلا أن الرجل قوام على المرأة له حق تأديبها إذا اعوجت، وهجرانها في المضاجع إذا جمحت ولم يعط ذلك لابن ليعامل به أمه، فهذا زور وبهتان عظيم 32.
وأما حكم الظهار فإنه معصية ومحرم لا يجوز إيقاعه؛ لقوله بعده: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [المجادلة: 4] .
فإيقاع الظهار معصية، وبكونه معصية فسر ابن عطية قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} بالحرام، وبذلك أيضًا فسر القرطبي قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} وقال ابن الفرس: (( هو حرام لا يحل إيقاعه. ودل على تحريمه ثلاثة أشياء:
أحدها: تكذيب الله تعالى من فعل ذلك.
الثاني: أنه سماه منكرًا وزورًا، والزور الكذب، وهو محرم بإجماع.
الثالث: إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين )) .
وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار معصية، ولم يصفه أحد من المالكية ولا الحنفية بأنه كبيرة، ولا حجة في وصفه في الآية بزور؛ لأن الكذب لا يكون كبيرة إلا إذا أفضى إلى مضرة 33.
وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله تعالى.
فقال: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي: وإن الله تعالى لكثير العفو والمغفرة، لمن تاب إليه سبحانه وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التي يبغضها سبحانه 34.
ثانيًا: الزور في الأفعال:
وصف سبحانه عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] .
أي: لا يشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا يحضرون الزور، وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين، قال الزجاج: الزور في اللغة الكذب ولا كذب فوق (الشرك) بالله، قال الواحدي: (( أكثر المفسرين على أن الزور هاهنا: بمعنى الشرك، والحاصل: أن يشهدون إن كان من الشهادة، ففي الكلام مضاف محذوف، أي: لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود والحضور -كما ذهب إليه الجمهور- فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو والغناء، وقال ابن جريج: الكذب. وروي عن مجاهد أيضًا، والأولى عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل المراد: الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنًا ما كان، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} أي: معرضين عنه غير ملتفتين إليه، واللغو: كل ساقط من قول أو فعل. قال الحسن: اللغو: المعاصي كلها ) )35.
قال ابن جرير: «فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل لا شركًا، ولا غناء، ولا كذبًا ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل» 36.
فمعنى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي: لا يحضرون الباطل في أي لون من ألوانه قولًا أو فعلًا أو إقرارًا، وكل ما خالف الحق.
لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .
ويقول سبحانه: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] .
وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] 37.
أي: لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه. والزور: كل باطل زوّر وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر الضحاك وابن زيد وابن عباس، وفي رواية عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. وعن عكرمة: اللعب 38.
{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي: لا يحضرون الزور أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه.
وشهادة الزور داخلة في قول الزور تدخل في هذه الآية بالأولوية.
{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام السفهاء ونحوهم {مَرُّوا كِرَامًا} أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا أن الخوض فيه -وإن كان لا إثم فيه- فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربئوا بأنفسهم عنه 39.