فهرس الكتاب

الصفحة 1113 من 2431

يخبر تعالى أن الكفار ذموا الأنبياء والمرسلين.

قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) } [الفرقان:7 - 8] .

يقول تعالى مسليًا لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، عما كان يتعنت به المشركون، فيما كانوا يقولونه عن الرسول، {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} ، أي: إن مشركي قريش لم يكتفوا بقولهم: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وإن القرآن أساطير الأولين.

بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل السخرية والتهكم والإنكار لرسالته: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا، وشأنه الذي نشاهده بأعيننا، أنه {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} ، كما يأكل سائر الناس، {وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} ، أي: ويتردد فيها كما نتردد طلبًا للرزق. {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} ، أي: هلا أنزل إليه ملك يعضده ويساعده ويشهد له بالرسالة ويكون هذا الملك، {مَعَهُ نَذِيرًا} ، أي: منذرًا من يخالفه بسوء المصير، {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ} ، أي: مال عظيم يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس، {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} ، أي: حديقة مليئة بالأشجار المثمرة، لكي يأكل منها ونأكل معه من خيرها.

وقوله تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} ، أي: ما تتبعون إلا رجلًا مسحورًا مغلوبًا على عقله، ومصابًا بمرض قد أثر في تصرفاته 216.

وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) } [الفرقان:41 - 42] .

يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، إذا رأوه، وقولهم ساخرين: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} ، أي: على سبيل الذم والتنقص والازدراء، قبحهم الله 217.

وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه مشاهدة الرسول في غير زي الكبراء والمترفين، لا يجر المطارف ولا يركب النجائب، ولا يمشي مرحًا ولا ينظر خيلاء، ويجالس الصالحين ويعرض عن المشركين، ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء، وأولئك يستخفون بالخلق الحسن، لما غلب على آرائهم من أفن، لذلك لم يخل حاله عندهم من الاستهزاء به إذا رأوه بأن حاله ليست حال من يختاره الله لرسالته دونهم، ولا هو أهل لقيادتهم وسياستهم، وهذا الكلام صدر من أبي جهل وأهل ناديه، وإسناد يتخذونك إلى ضمير الجمع للدلالة على أن جماعاتهم يستهزئون به إذا رأوه، وهم في مجالسهم ومنتدياتهم، وصيغة الحصر للتشنيع عليهم بأنهم انحصر اتخاذهم إياه في الاستهزاء به يلازمونه ويدأبون عليه، ولا يخلطون معه شيئًا من تذكر أقواله ودعوته، فالاستثناء من عموم الأحوال المنفية، أي: لا يتخذونك في حالة إلا في حالة الاستهزاء 218.

وقوله تعالى: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} ، مقول لقول محذوف وعائد الموصول محذوف أيضًا، أي: كلما وقعت أبصار أعدائك عليك -أيها الرسول الكريم- سخروا منك، واستنكروا نبوتك، وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم: أهذا هو الإنسان الذي بعثه الله تعالى ليكون رسولًا إلينا، وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم، يدل على أنهم بلغوا أقصى درجات الجهالة وسوء الأدب 219.

ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه صلى الله عليه وسلم كانوا في واقع أمرهم، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة، وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} ، يعنون: أنه كاد يثنيهم عن عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها 220.

فهم يسمون الهداية إضلالًا لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم 221.

وقوله تعالى: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} ، تهديد لهم على سوء أدبهم، وعلى جحودهم للحق بعد أن تبين لهم، أي: وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون العذاب ماثلًا أمام أعينهم، من أبعد طريقًا عن الحق، أهم أم المؤمنون 222.

ثالثًا: ذم المشركين للكتب السماوية:

يخبر تعالى أن الكفار ذموا الكتب السماوية.

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) } [الفرقان:4 - 6] .

يخبر تعالى عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: إنه إفك، وإنه أساطير، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} ، أي: وقال الكافرون: إن هذا القرآن ليس من عند الله، بل اختلقه محمد، وأعانه على ذلك جماعة من أهل الكتاب ممن أسلموا، وكان يتعهدهم ويختلف إليهم فيلقون إليه أخبار الأمم الغابرة، وهو يصوغها بلغته وأسلوبه الخاص 223، وإسناد هذا القول إلى جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم يتناقلونه 224.

فرد الله عليهم مقالهم فقال: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} ، أي: فقد وضعوا الأشياء في غير مواضعها، وكذبوا على ربهم، إذ جعلوا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكًا مفترى من قبل البشر، وكيف يتقولون ذلك على الرسول، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله، وهم ذوو اللسن والفصاحة والغاية في البلاغة، فعجزوا أن يأتوا بمثله، ولو كان ذلك في مكنتهم ما ادخروا وسعًا في معارضته، وقد ركبوا الصعب والذلول ليدحضوا حجته، ويبطلوا دعوته، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد استعان في ذلك بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا هم بغيرهم 225.

ثم حكى الله تعالى عنهم مقولة أخرى من مقولاتهم الفاسدة: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، أي: ما هذا إلا أحاديث الأولين الذين كانوا يسطرونها في كتبهم من نحو أحاديث رستم وإسفنديار، اكتتبها من اليهود فهي تستنسخ منهم وتقرأ عليه، ليحفظها غدوة وعشيًا، أي: قبل انتشار الناس وحين يأتون إلى مساكنهم، وقد عنوا بذلك أنها تملى عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال، وهذه جرأة عظيمة منهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد يكون مرادهم أنها تملى عليه دائمًا 226.

ثم أمره الله تعالى بإجابتهم عما قالوا بقوله: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، أي: قل لهم ردًا وتحقيقًا للحق: ليس ذلك كما تزعمون، بل هو أمر سماوي أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا تحوم حوله الأفكار، ومن ثم أعجزكم بفصاحته وبلاغته، كما أخبركم فيه بمغيبات مستقبلة، وأمور مكنونة، لا يوقف عليها إلا بتوفيق العليم الخبير، {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} ، أي: إنكم استوجبتم العذاب بمكايدتكم لرسوله، لكنه لم يعجله لكم رحمة بكم، رجاء توبتكم وغفران ذنوبكم، ولولا ذلك لصب عليكم العذاب صبًا 227.

قال ابن كثير: «وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته منهم كل أحد يعلم بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه، وبره وأمانته ونزاهته من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا الأمين، لما يعلمون من صدقه وبره.

فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب.

قال الله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) } [الإسراء:48] » 228.

رابعًا: ذم المشركين للمؤمنين:

يخبر تعالى أن الكفار ذموا المؤمنين.

قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) } [هود:27] .

يخبر تعالى أن قوم نوح عليه السلام كان ردهم له على دعوته ذم أتباعه واستنقاصهم، {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} ، أي: سفلتنا، والرذل الدون من كل شيء، قيل: هم الحاكة والأساكفة وأصحاب الصنائع الخسيسة.

وإنما قالوا ذلك جهلًا منهم أيضًا؛ لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسول لا تكون بالشرف ولا بالمال والمناصب العالية، بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل، ولا يضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين.

{بَادِيَ الرَّأْيِ} ، أي: أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك، ولو تفكروا ما اتبعوك، وقيل: معناه: ظاهر الرأي، يعني: أنهم اتبعوك ظاهرًا من غير أن تفكروا باطنًا.

{وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} ، يعني: بالمال والشرف والجاه.

وهذا القول أيضًا جهل منهم؛ لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة، {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} .

قيل: الخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه، وقيل: هو لنوح وحده، فعلى هذا يكون الخطاب بلفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم 229.

قال ابن كثير: «هذا اعتراض الكافرين على نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء.

ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [الزخرف:23] .

ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل 230.

وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) } [الأحقاف:11] .

أي: وقال الذين كفروا للذين آمنوا -على سبيل الذم والسخرية والاستخفاف بهم-، لو كان هذا الذي أنتم عليه من الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حقًا وخيرًا، لما سبقتمونا إليه، ولما سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن العظماء الأغنياء، وأنتم الضعفاء الفقراء 231.

إن مقاصد الذم في القرآن الكريم هو الحرص على الحفاظ على الكليات الخمس الضرورية: (الدين والعقل والنفس والمال والنسل) ، وصيانتها من كل ما يفسدها ويدمرها، وبيان ذلك كما يأتي:

أولًا: الذم لحفظ الدين:

ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم هو تطهير المجتمع الإسلامي من العقائد الفاسدة الموروثة، والحفاظ على العقيدة الصحيحة، والتي هي سبب الفوز والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

وهي السبب في الحفاظ على الفرد والأسرة والمجتمع، وهي التي تحفظ الفرد من البدع والضلالات والشبهات، ولذلك ذم الله تعالى كل العقائد الفاسدة والسبل المؤدية إلى الضلال من الشرك والكفر، واليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والشذوذ والأهواء والطوائف، كما بين العاقبة السيئة التي انتهى إليها كل هؤلاء بسبب كفرهم وإعراضهم عن الحق، وأشير إلى ذلك في آيات كثيرة، كما سبق في البحث 232.

وكما ذم القرآن الكريم كل العقائد الفاسدة وتوضيحها وتطهير المجتمع منها، فقد ذم أيضًا كل ما يفسد الدين من الأخلاق القبيحة والفاسدة، وعالج عناصر الضعف البشري مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية، في كل صورها وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات! 233.

وعامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو الشرك والتحريم، كما حكي عنهم في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) } [الأنعام:148] ، وأما من ترك المأمور به فقد ذمهم الله كما ذمهم على ترك الإيمان به وبأسمائه وآياته وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وترك الصلاة والزكاة والجهاد وغير ذلك من الأعمال 234.

ولأهمية الدين في حياة البشر فقد ذم القرآن الكريم الكفار والمنافقين، وبين حقيقة حالهم وقبح أعمالهم، وما يعقبها من الفساد والضرر بهم وسخط الله تعالى عليهم، واستحقاقهم لعقابه، وبعدهم من رحمته وثوابه؛ بقصد الإنذار والوعظ، لأجل التنفير والزجر، ولذلك تراها موجهة إليهم بوصفهم أو إلى وصفهم العام: المشركين، الكافرين، المنافقين، الفاسقين، الظالمين، المجرمين، المفسدين، أو الخاص بطائفة منهم، كبعض الأحبار والرهبان لا كلهم دون الأشخاص المعينين بأسمائهم وألقابهم، مهما يكن من شدة كفرهم وإيذائهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، كعبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين الذي كان شرهم وأجرأهم على الضرر، فقد كان ضرره في المدينة أشد من ضرر أئمة الكفر والشرك في مكة؛ كأبي جهل 235.

ثانيًا: الذم للحفاظ على العقل:

ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم: الحفاظ على العقل، فقد ذم القرآن الكريم كل ما كان ضارًا بالأفراد في عقولهم، وإنما أتى على ذم من قدم ذكره من الشخصيات والأمم المكذبة لعدولهم عن النظر السديد، اعتمادًا على الأهواء والتقليد، ونبذًا للعقل والإنصاف، ولو عقل أولئك الأمم لأدركوا بعقولهم صدق الرسل في دعوتهم، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل وعلا، وأجابوا الرسل، فلم يهلكوا، ولكنهم انحرفوا عن ميدان الإنصاف والعقل، فكذبوا فهلكوا.

ثالثًا: الذم للحفاظ على النفس:

ومن مقاصد الذم: الحفاظ على النفس وصيانتها من الاعتداء عليها، وشمل الذم في القرآن الكريم كل ما كان يعمله أهل الجاهلية، فكانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام:151] .

وقوله سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:151] .

أي: حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد، فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله، {إِلَّا بِالْحَقِّ} ، استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها.

وذلك كما جاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق الجماعة) 236.

أو من أعم الأسباب، أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما في الخبر، أو من أعم المصادر، أي: لا تقتلوها قتلًا إلا قتلًا كائنًا وهو القتل بأحد المذكورات 237.

والحفاظ على النفس يشيع في المجتمع الأمن والسلام ويقضي على كل مظاهر العنف، ويحفظ التعايش مع جميع المجتمعات والأمم والشعوب، فالإسلام دين السلام والتعايش والقبول بالآخر، ويرفض كل أشكال العنف والتطرف بجميع أشكاله وأنواعه وصوره.

رابعًا: الذم للحفاظ على المال:

ومن مقاصد الذم: الحفاظ على الأموال، فقد ذم القرآن الكريم كل ما كان ضارًا بالأفراد في أموالهم، وقد نهى الإسلام عن المعاملات، التي قامت على أكل المال بالباطل، كالربا والميسر والغش وبيع الغرر، وستر العيب، وغيرها مما ينطوي على الظلم، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة.

وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق يقتضي أيضًا الفضائل والقضاء على الرذائل، بأن تقوم المعاملات على تزكية الإنسان بالآداب الكريمة والأخلاق الفاضلة، وعلى المحافظة على الشعائر والقيم الإسلامية النبيلة، وإلا اهتز نظام المجتمع، وتدمرت حياة الفرد، لفقدان الثقة، وغروب الأمن والطمأنينة، فتستعر المعاملات بالرشوة، والاختلاس والغش.

ولذلك وصف الله عباده المؤمنين في تجارتهم وبيعهم ومعاملاتهم بقوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) } [النور:37 - 38] .

فحفظ القرآن الكريم أموال الناس من الضياع، وحذر أصحاب النفوس الضعيفة من المساس بها، وحفظ الموازين في التجارة لتستقيم المعاملات، وعمل على حفظ مال الفرد والجماعة والأمة، وأشير لذلك في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) } [المطففين:1 - 6] .

خامسًا: الذم للحفاظ على النسل:

ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم: الحفاظ على النسل والعرض، فقد ذم القرآن الكريم كل ما كان ضارًا بالأفراد في أنفسهم وأعراضهم.

وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) } [الأعراف:80 - 81] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت