فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 2431

السماء

أولًا: المعنى اللغوي:

لفظ السماء مأخوذ من: سما يسمو سموًّا أي: علا، ومنه يقال: سمت همته إلى معالي الأمور إذا طلب العزّ والشرف، والسّماء المظلة للأرض، وهو على معنى السقف 1.

والسماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السماء، لأنها عالية 2.

فهي كل ما علا وارتفع و كان فوق رأسك وأصلها السماء المعروفة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الأصل أن: سماء كلّ شيء: أعلاه 3، ومنه هذه السماء المعروفة التي فوقنا.

والسماء: اسم جنس للعالي لا يخص شيئًا، فهي متعبد الملائكة ومستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات 4، فهي عمومًا كل ما في الجهة العليا فوق رءوسنا، وكل ما علاك فأظلك 5، يقال له سماء.

فكل أفق من الآفاق فهو سماء كما أن كل طبقة من الطباق سماء 6.

وردت مادة (سمو) في القرآن الكريم (381) مرةً، ويخص موضوع البحث منها (313) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم (مفرد) ... 120 ... {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة:22]

الاسم (جمع) ... 190 ... {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:12]

وجاءت السماء في القرآن على وجهين 8:

الأول: السماء المعروفة: ومنه قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات:47] .

الثاني: سقف البيت: ومنه قوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] . أي: فليمدد بحبل إلى سماء البيت.

الفلك:

الفلك لغة:

كل شيء دائر، والفلك مجرى الكواكب وتسميته بذلك لكونه كالفلك، قال الله عز وجل: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33] وفلكة المغزل ومنه اشتق فلك ثدي المرأة، وفلكت الجدي إذا جعلت في لسانه مثل فلكة يمنعه عن الرضاع 9.

الفلك اصطلاحًا:

والفلك واحد أفلاك النجوم. وفي حديث ابن مسعود: (تركت فرسي كأنه يدور في فلك) . كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر، وهي بين السماء والأرض 10.

الصلة بين الفلك والسماء:

الفلك جزء كبير تحت السماء الدنيا، فيه كل ما يزينها من نجوم وكواكب، ويمكن أن يقال هو: ما يكون تحت السماء الدنيا مباشرة، التي يراها الناس ويبحثون فيها ويستكشفون ما بها وينظرون فيها ويطيرون تحتها ويهتدون بما فيها وغير ذلك.

الأرض:

الأرض لغة:

الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعة في القرآن، ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه 11.

الأرض اصطلاحًا:

يمكن القول أن أشمل تعريف هو ما ذكره علماء الجغرافيا والبيئة: «الأرض هي أحد الكواكب التسعة التي تدور حول الشمس، وهي الثالثة بالنسبة للقرب من الشمس، والثالثة من حيث درجة اللمعان إذا ما شوهدت من عند الشمس، والخامسة بين المجموعة الشمسية من حيث الحجم» .12

الصلة بين الأرض والسماء:

صلة السماء بالأرض من حيث إن الأرض مهبط لما ينزل من السماء، والسماء مصعد لما يرفع إليها من الأرض، وقد ذكرتا مقترنتين في القرآن الكريم بألفاظ متقاربة في مواضع كثيرة.

قال ابن القيم: «وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها، وحيث جاءت مقصودًا بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على البعد كقوله: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق:12] .

وفرق ثان وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء، فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس 13.

القسم: هو أن يريد المتكلم الحلف على شيء فيحلف بما يكون فيه فخر له أو تعظيم لشأنه أو تنويه لقدره 14.

أولًا: السماء والطارق:

وذلك في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) } [الطارق:1 - 3] .

والطارق: النجم لأنّه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق، ثم فسره فقال: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} والثاقب: المضيء، والعرب تقول: أثقب نارك للموقد، ويقال: إن الثاقب: هو النجم الّذي يقال له: زحل، والثاقب: الّذي قد ارتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب، كل ذلك جاء في التفسير 15، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب 16.

وأقسم ربنا بالسماء وبالطارق الذي يطرق ليلًا من النجوم المضيئة، ويخفى نهارًا، وكل ما جاء ليلًا فقد طرق وبنحو ذا قال أهل التأويل 17.

وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء، ثم زيد إبهامًا مشوبًا بتعظيم أمره بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} ثم بين بأنه: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم 18.

فهي النجوم العالية التي تضيء وتتلألأ في الليل المظلم، وتختفي إذا طلعت شمس النهار، والفرق بين الطارق والطرائق: أن الطارق نجم، والطرائق هي السبع السماوات فكل سماء طريقة.

وإنما سمي النجم طارقًا؛ لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح (نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا) 19، أي: يأتيهم فجأة بالليل 20.

ثم تفسيره بالنجم الثاقب من تفخيم شأنه وإجلال محله ما لا يخفى على ذي نظر ثاقب، ولإرادة ذلك لم يقل ابتداء والنّجم الثّاقب مع أنه أخصر وأظهر، ولله عز وجل أن يفخم شأن ما شاء من خلقه لما شاء 21.

فالطارق الذي أقسم الله به نجم ساطع في الليل، وضوؤه ثاقب فهي له مزية خاصة به دون غيره.

ثانيًا: السماء ذات الرجع:

وذلك في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) } [الطارق:11] أي: المطر ويسمى رجعًا لأنه تعالى يرجعه وقتًا فوقتًا إلى العباد، ولولاه لهلكوا وهلكت مواشيهم 22، فهو يرجع من السماء وترجع به السماء، فترجع به الأرض إلى البهاء والحسن.

قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه: والسماء ذات الرجع تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من هاهنا 23.

ثم أقسم قسمًا ثانيًا على صحة القرآن، فقال: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) } أي: ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات 24، فهي أمور ترجع بالسماء ومن السماء بين حين وآخر.

وافتتح الكلام بالقسم تحقيقًا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث وفي غير ذلك مما اشتمل عليه من الهدى، ولذلك أعيد القسم بالسماء، كما أقسم بها في أول السورة، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه، وهو الغيث الذي به صلاح الناس، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا) 25.

وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله عز وجل: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) } [الطارق:8] وفيه محسن الجناس التام، وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب لمطر آخر مناسبة لمعنى الرجع البعث، فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة 26، فهي سماء ذات رجع لحياة الأرض بعد موتها ليدل على حياة أخروية دائمة لا تنقطع.

وللبدء في القسم بالطارق ثم بالرجع بيان للمفسرين وهو كما يأتي:

أنه قسم على الغيث الذي به صلاح الناس والقرآن مثل الغيث في إصلاحه كما تقدم.

مجموع قوله: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) } أي: إنزال المطر، وإنبات النبات وهو إحياء الأرض بعد موتها، مناسب لأن يكون الإقسام على تحقق البعث 27.

وخلاصة ذلك: أن: قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) } [الطارق:11 - 12] .

هذا هو القسم الثاني للسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) } [الطارق:1 - 3] .

وهنا قال: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) } والمناسبة بين القسمين -والله أعلم: أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم ترمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل، أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أن القرآن قول فصل، فصار القسم الأول مناسبته: أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة، يعني يقال: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} الرجع هو المطر، يسمى رجعًا؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} الصدع هو: الانشقاق يعني التشقق بخروج النبات منه، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52] .

فسمى الله القرآن روحًا؛ لأنه تحيى به القلوب 28.

فهو في القسم الأول حفظ للقرآن من السماء حتى يصل إلى الأرض، وهو في القسم الثاني بيان لما يفعله القرآن من صلاح وإصلاح حين يعمل به في الأرض، والله أعلم.

ثالثًا: السماء ذات البروج:

جاء في القرآن الكريم أن للسماء بروجًا، وورد ذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) } [الحجر:16] .

وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) } [الفرقان:61] .

وقوله: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) } [البروج:1] .

والبروج: القصور، الواحد: برج، وبه سمّي بروج السماء لمنازلها المختصة بها، قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) } [البروج:1] .

وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61] .

وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] .

ويصح أن يراد بها بروج في الأرض -أي: البروج المشيدة وهو الأقرب-، وأن يراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة -لتكون دليلًا على معنى آخر- وثوب مبرّج: صوّرت عليه بروج، واعتبر حسنه، فقيل: تبرّجت المرأة أي: تشبّهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي: قصرها، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب:33] .

وقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] .

والبرج: سعة العين وحسنها تشبيها بالبرج في الأمرين 2930، فهي منازل ظاهرة الحسن كاملة الخلق عالية المكان.

ومناسبة القسم لما أقسم عليه: أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود، ولما كانت الأخاديد خطوطًا مجعولة في الأرض مستعرة بالنار؛ أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجًا، وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار 31.

فحينما خدوا الأخاديد موقدة بالنار، جعلوها كالسماء حينما تكون بادية البروج ليلًا يعاينها الناظرون.

ونقل ابن جرير أقوالًا ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة 32.

أي: ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته 33.

وهذه البروج هي في التحقيق: سموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل من أشهر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهارًا في المكان الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلًا 34.

فأقسم سبحانه بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج، فإن كواكبها مشهود نورها، مرئيّ ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها وغروبها، وكذلك البروج نشاهدها وفيها غيب لا نعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب وما أودع الله فيها من القوى وما فيها من عوالم لا نراها ولا ندرك حقيقتها 35.

فهو قسم عظيم من الله، ونحن لا نقسم إلا بالله، ولا نعلم من ذلك إلا ما علمنا من علم الله.

والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسمًا بالأمرين معًا لتلتفت أفكار المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي؛ إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل 36.

فهو قسم ومعجزة ونعمة ودليل كبير -لمن كان له قلب- على نعم الله وقدرته وحكمته.

رابعًا: السماء ذات الحبك:

وذلك في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) } [الذاريات:7 - 9] .

وهي ذات الطرائق، فمن الناس من تصور منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرة، ومنهم من اعتبر ذلك بما فيه من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران:191] 37.

يقول تعالى ذكره: والسماء ذات الخلق الحسن وعنى بقوله: {ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات:7] : ذات الطرائق ... وبنحو ذا قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظ قائليه فيه 38.

قال ابن عباس رضي الله عنه: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء 39.

وهذه الحبك في معناها ومدلولها، وبيان خلقها وإعجازها سيأتي في آخر البحث بكلام أبين وأوسع.

ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حبك، أي طرائق لأن المقسم عليه: إن قولهم مختلف طرائق قددًا؛ ولذلك وصف المقسم به ليكون إيماء إلى نوع جواب القسم 40.

خامسًا: السماء وما بناها:

جاء في القرآن الكريم الحديث عن بناء السماء، ورد ذلك في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .

وقوله: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) } [النازعات:27] .

وقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) } [الشمس:5] .

يقال: بنيت أبني بناء وبنية وبنى ... {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) } [الشمس:5] .

والبنيان واحد لا جمع؛ لقوله تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة:110] .

وقال بعضهم: بنيان جمع بنيانة، فهو مثل: شعير وشعيرة، وتمر وتمرة، ونخل ونخلة، وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه 41.

يقول جل ثناؤه: والسماء ومن بناها، يعني: ومن خلقها، وبناؤه إياها: تصييره إياها للأرض سقفًا، وبنحوه قال أهل التأويل 42.

فبناء الأرض والسماء في غاية الإحكام حتى صارت السماء كأنها سقفًا ثابتًا للأرض.

فينظرون {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبًا، ولا فروجًا، ولا خلالًا ولا إخلالًا، يقول تعالى مبينًا لقدرته العظيمة: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفًا للأرض وما عليها {بِأَيْدٍ} أي: بقوة وقدرة عظيمة، ويقول: {أَأَنْتُمْ} أيها البشر {أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر {بَنَاهَا} الله {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي: جرمها وصورتها، {فَسَوَّاهَا} بإحكام وإتقان يحير العقول، ويذهل الألباب، ويقول: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} يحتمل أن «ما» موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان 43.

فهو بناء ثابت مزين حسن مليح لا عيب فيه ولا خلل، وبناؤه بقوة وقدرة عظيمة، فهي أعظم من خلق الناس وأكرم، ولله في خلقه شئون، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] .

وكلاهما متلازم 44 - موصولة أو مصدية-، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان 45.

ولذا جاء في السنة ما يبين قوتها وشدتها وقدرتها على حمل ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم؛ لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم على أوالي الصعدات تجأرون إلى الله) 46.

فأما حقيقة السماء فلا ندريها، وهذا الذي نراه فوقنا متماسكًا لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفة البناء بثباته وتماسكه، أما كيف هو مبني، وما الذي يمسك أجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له أولًا ولا آخرا؛ فذلك ما لا ندريه وكل ما قيل عنه مجرد نظريات قابلة للنقض والتعديل 47.

فبناء السماء بناء محكم متقن، جملها الله بالنجوم والكواكب التي هي بروج فيها، وجعل فيها طرائق لما فيها من مخلوقات عظيمة تسير فيها وفق نظام لطيف، ويرجع منها لما يحيي الأرض مرة بعد مرة، ليدل على أن السماء بما فيها أصل لحياة الأرض، وأن الحياة الحقيقية في السماء ولا تكون حياة في الأرض إلا بما يأتيها من السماء، فهي مصدرها في كل شيء والمصير إليها.

وفي الاستدلال بخلق السماء بهذه العظمة، دلالة عظيمة على قدرة الله العظيم في خلق الناس من العدم، كما قال عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء:99] .

بل وعلى سهولة رجوعهم بعد الموت كما قال عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) } [الأحقاف:33] .

للسماء أوصاف عديدة في القرآن الكريم، منها ما هو متعلق بذات السماء، ومنها أوصاف خارجة عنها، نوضحها فيما يأتي:

أولًا: أوصاف السماء الذاتية:

1.السماء بناء.

وذلك في قوله عز وجل: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة:22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت