فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 2431

أي: ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى عليه السلام حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله تعالى إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، وهذا خطاب موجه إلى النصارى خاصة، وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضا بأنهم خالفوا كتابهم 37.

وقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ?) : «يعني: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وذلك أن النصارى يقولون أب وابن وروح القدس، وقيل: إنهم يقولون إن الله بالجوهر ثلاثة أقانيم وذلك أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة بدليل أنهم يجوزون على تلك الذات الحلول في عيسى وفي مريم فأثبتوا ذواتا متعددة ثلاثة، وهذا هو محض الكفر، فلهذا قال الله تعالى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) ، يعني: يكون الانتهاء عن هذا القول خير لكم من القول بالتثليث» 38.

ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الغلو والإطراء كما حدث مع طائفة من النصارى، فقد صح عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه، يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) 39.

أي: لا تجعلوني إلها من دون الله تعالى كما جعلت النصارى ابن مريم إلها من دون الله، وليس المقصود من الحديث تعظيمه وتوقيره، فهذا واجب على الأمة.

وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) [المائدة:73] .

ومعنى قولهم: «إن الله ثالث ثلاثة أن ما يعرفه الناس أنه الله هو مجموع ثلاثة أشياء، وأن المستحق للاسم هو أحد تلك الثلاثة الأشياء، وهذه الثلاثة قد عبروا عنها بالأقانيم وهي: أقنوم الوجود، وهو الذات المسمى الله، وسموه أيضا الأب وأقنوم العلم، وسموه أيضا الابن، وهو الذي اتحد بعيسى وصار بذلك عيسى إلها وأقنوم الحياة وسموه الروح القدس» 40.

ويبين الإمام الرازي معنى التثليث في الآية الكريمة بقوله: «فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، والأول باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا ومن كونه حيا، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك، وقول بإثبات الآلهة، فكانوا مشركين» 41.

قال الشيخ رحمة الله الهندي في بيان عقيدة النصارى في التثليث: «عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، وعدم ورودها في التوراة غير محتاج إلى بيان؛ لأن من طالع التوراة الحالية لا يجد فيها ذكرًا صريحًا، ولا إشارةً أو تلميحًا لهذا الأمر.

وعلماء اليهود من عهد موسى عليه السلام إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل وآخرهم عيسى عليه السلام أن يبينوها حق التبيين، فقد كانوا مأمورين بالعمل بجميع أحكام التوراة في الشريعة والعقيدة.

وأهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة ولا يمكن نجاة أحد بدونها نبيا كان أو غير نبي، فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا وصريحا؟!

وهم في نفس الوقت بينوا أمورا وأحكاما أقل أهمية من هذه العقيدة، وكرروا البيان لبعض الأحكام مرة بعد أخرى، وأكدوا على المحافظة عليها والعمل بها تأكيدا بليغا، وأوجبوا القتل على تارك بعضها.

فالعجب كل العجب أن عيسى عليه السلام الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل والذي هو أحد أركان الثالوث عند النصارى عرج إلى السماء دون أن يبين لأتباعه هذه العقيدة بكلام واضح غير محتاج إلى التأويل، كأن يقول مثلا: إن الله ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، وأن أقنوم الابن - الإله الثاني - متعلق بي بالعلاقة الفلانية، أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم، أو أن يقول أي كلام آخر صريح في بيان هذه العقيدة» 42.

ويتضح مما تقدم من الآيات الكريمة وأقوال بعض المفسرين أن القرآن الكريم رد دعوى النصارى في التثليث حين جعلوا الله تعالى ثلاثة أقانيم كما يدعون، وأبطلها حين دعاهم إلى الحق والإيمان والتوحيد، ونهاهم عن الغلو في دينهم، وأن لا يقولوا على الله إلا الحق ولا يقولوا أنه واحد في ثلاثة أو ثلاثة في واحد أو الأقانيم الثلاثة، والإنتهاء عن هذه الدعوى التي تتنافى مع توحيد الله تعالى والمؤدية إلى الكفر الصريح، والتحذير من عدم الرجوع إليه لما ترتب عليه من التهديد والوعيد في الآيات الكريمة ففي هذا الإنتهاء الخير لهم، ثم بعد ذلك كله نزه الله تعالى نفسه عن قول النصارى بالتثليث فقال تعالى: (? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? سُبْحَانَهُ) [النساء:171] .

تحدث القرآن الكريم عن عقائد النصارى وبين انحرافهم عن دين عيسى عليه السلام كما مر ذكره، إلا أن النصارى لم تكتف بتلك العقائد الباطلة بل زادوا على ذلك دعاوى وأقوالًا باطلة رد عليها القرآن الكريم وهذا ما سوف نبينه من خلال النقاط الآتية:

أولًا: دعوى نفي دخول غيرهم الجنة:

ادعت طائفة من النصارى أن الجنة لا يدخلها غيرهم، وهذه الدعوى الباطلة لا دليل لهم عليها سوى الإدعاء بأنهم هم أصحاب الجنة، وكذلك قال بعض اليهود.

وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدعوى الكاذبة حين قال تعالى حاكيا عن اليهود والنصارى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ? قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة:111] .

(وَقَالُوا) أي: قالت اليهود والنصارى 43.

ومعنى الآية: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني: يهوديا، أو نصارى وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أمانٍ غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدعٍ عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى 44.

قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إنها نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى اجتمعوا مع اليهود في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذب بعضهم بعضا في دعواه 45.

ورد الله تعالى على أصحاب هذه الدعوى بأن هذا من أمانيهم حيث قال تعالى: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) : «أي: شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير حق، قل: يعني: يا محمد (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) أي: حجتكم على دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا دون غيرهم، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) يعني فيما تدعون.

ثم قال تعالى ردا عليهم: (بَلَى?) أي ليس الأمر كما تزعمون ولكن (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) فإنه الذي يدخل الجنة وينعم فيها، ومعنى أسلم وجهه لله أخلص في دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقيل خضع وتواضع لله تعالى، لأن أصل الإسلام الاستسلام وهو الخضوع» 46.

قال الإمام الطبري رحمه الله: «فإن قال قائل: وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين؛ واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه، وإنما عنى به: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، جمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى?) ، أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا» 47.

ورد القرآن على دعواهم الباطلة أيضا في قوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(94 ) ) [البقرة:94] .

قال الإمام الرازي: إعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه منها: ما حكى الله تعالى عنهم في قوله: (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى?) [البقرة:111] .

واعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون؛ لأن النسخ غير جائز في شرعهم وأن سائر الفرق مبطلون، واعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه.

ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله: (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ(94 ) ) [البقرة:94] 48.

فإن قيل: «إنهم إذا نفوا دخول غيرهم فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، ليس على ما نفوا، قيل: لا يحتمل ذا؛ لأنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحًا، إنما نفوا دخول غيرهم وهو كمن يقول: لا يدخل هذه الدار إلا فلان وفلان، ليس فيه أن فلانًا وفلانًا يدخلان ولكن فيه نفي دخول غيرهما، أو نقول: نفوا دخول غيرهم تصريحًا، وادعوا لأنفسهم الدخول مستدلا، وإنما يطلب الحجة على مصرح قولهم، لا على مستدلهم.

ألا ترى أن الجواب من الله عز وجل بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: (بَلَى? مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) فعلى ذلك قوله: (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى?) ليس فيه إثبات الدخول لهم تصريحًا، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحًا، والله أعلم» 49.

ويتضح مما تقدم أن النصارى يزعمون أنهم أصحاب حق، وأنهم أولى بالجنة من غيرهم، وأن من عداهم فمن أهل النار، وهذه أماني كاذبة لم يقم عليها دليل ولا حجة ظاهرة، لذلك أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بأن يطالب أهل الكتاب بتقديم برهانهم على دعواهم الباطلة وإثبات عجزهم التام عن إحضار الدليل والبرهان.

ولذلك قال الإمام الطبري: «وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين: (لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى?) إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا» 50.

ثم جاءت الآية بعدها لتبين من الذين سوف يدخلون الجنة في قوله تعالى: (بَلَى? مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?112?) [البقرة:112] .

أي: «من أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان، وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء؛ لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حرمة، فإذا خضع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع» 51.

لذا كذب الله تعالى دعواهم وبين أنها مجرد أماني لا يدركوها بالتمني، وأن الجنة متاحة لكل من يعمل لها ولا تقتصر على طائفة دون أخرى بل هي لكل من عمل صالحًا وأسلم وجهه لله تعالى وهو محسن.

ثانيًا: دعوى أن الهدى في اتباع ملتهم:

تحدث القرآن الكريم عن هذه الدعوى الكاذبة حين قال تعالى حاكيا عن النصارى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? تَهْتَدُوا ? قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(135 ) ) [البقرة:135] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد قل للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا، فإن ذلك على اختلافه لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم» 52.

أما سبب نزول هذه الآية، فقد قال الواحدي: «قال ابن عباس: نزلت في رؤوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وأبي ياسر ابن أخطب، وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها، فقالت اليهود: نبينا أفضل الانبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك ودعوهم إلى دينهم» 53.

وقد رد الله تعالى دعوى النصارى الباطلة في الآية نفسها حين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، قال ابن دريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وسمي الإسلام: الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية، وقال الأصمعي: ومن عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عند العرب، وقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف، وقال ابن عباس: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقال مجاهد: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس» 54.

ثم خاطب الله تعالى المؤمنين وأمرهم أن يقولوا للقائلين بهذه الدعوى، فقال لهم: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ?136) [البقرة:136] .

ويتضح مما تقدم بطلان دعوى النصارى في أن الهداية في اتباع ملتهم، وأن الهدى في ملة إبراهيم عليه السلام، مع علمهم وإقرارهم بنبوة إبراهيم عليه السلام، وأن القرآن الكريم نقض هذه الدعوى حيث بين لهم أن الهداية الحقة ليست مع اليهودية ولا مع النصرانية بل باتباع ملة إبراهيم عليه السلام حنيفا، ولا تحصل الهداية إلا بذلك، ولو كانوا حقا يريدون الهدى لآمنوا بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام لأنه على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام.

ثالثًا: دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه:

يزعم النصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، حيث قال الله تعالى عنهم وعن اليهود: (?وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى? نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ?) [المائدة:18] .

يقول الطبري رحمه الله: «وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول» 55.

«ومرادهم بالأبناء المقربون أي: نحن مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم، وبالأحباء: جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب، ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء الآخرة، وأن يكون أرادوا أشياع من وصف بالبنوة أي قالت اليهود: نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح عليه السلام، وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة 56.

وأما النصارى ففي قولهم لذلك قولان: أحدهما: لتأويلهم ما في الإنجيل من قوله: «اذهب إلى أبي وأبيكم» ، فقالوا لأجل ذلك: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، الثاني: لأجل قولهم في المسيح: ابن الله، وهم يرجعون إليه، فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباءه 57.

وقد تقدم الكلام على قول النصارى في بنوة عيسى عليه السلام وأدلتهم الباطلة ورد القرآن عليها وإبطالها.

وأما سبب نزول هذه الآية: فقد قال ابن عباس: (خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه، فنزلت الآية، وقال ابن إسحاق: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟، نحن أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية) 58.

ثم إنه تعالى أبطل عليهم دعواهم، وقال وإن كنتم كما تدعون أبناءه: (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) [المائدة:18] .

يقول الإمام الرازي: «وفيه سؤال وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه، والإشكال عليه أن يقال: إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا، أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة.

فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله، ثم إنهم ما خلوا عن محن الدنيا، انظروا إلى وقعة أحد، وإلى قتل الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك، ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب، إذ لو كان كافيا لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافيا، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعًا» 59.

ويجيب الإمام الرازي رحمه الله على ذلك السؤال من وجوه:

«الأول: إن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول: لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال.

الثاني: إن موضع الإلزام هو عذاب الآخرة، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ?) [البقرة:80] .

والثالث: المراد بقوله: (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) فلم مسخكم، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون: لا نسلم أنه تعالى يعذبنا، بل الأولى أن يحتج عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قويا متينا، ثم قال تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ? يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد» 60.

وأن الاستفهام في الآية الكريمة مع دلالته على استنكار قولهم فيه دلالتان أخريان:

«إحداهما: إعلامهم بأنه سيعذبهم بذنوبهم، وأنهم مأخوذون بما يقترفون من سيئات، وما يجترحون من مآثم ومظالم.

الثانية: الدلالة على أن عمل الخير له ثوابه، وعمل السوء له عقابه، وأن من يقول غير ذلك فهو مبطل، وما كان لهم أن يدعوا محبة الله، وأنهم منه بمنزلة الأبناء من الآباء، ومع ذلك يعصونه، وينشرون في الأرض الفساد، فهذا استفهام مع ما فيه من إحكام واستنكار يتضمن معاني سامية، فيها التهديد لمن عصى، والتبشير لمن أطاع» 61.

ويتضح مما تقدم بطلان دعوى اليهود والنصارى وبطلان استدلالهم واعتقادهم بالتمييز والأفضلية على غيرهم وأن الله تعالى قد كذبهم ونفاهم عنه في ادعائهم أنهم أبناؤه وأحباؤه، بل وبين عذابهم، فالله تعالى لا يحابي فريقًا من الناس دون الآخر، وكيف يحابي النصارى الذين يدعون إلوهية المسيح عليه السلام، وأن الله ثالث ثلاثة، وإن المسيح هو ابن الله، تعالى الله عما يقولون، ومع كل هذه الإدعاءات الباطلة، ثم بعد ذلك لا يعذبهم الله.

رابعًا: دعوى أن إبراهيم وبنيه كانوا هودًا أو نصارى:

ادعت النصارى أن إبراهيم عليه السلام كان منهم، وادعوا أن إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا على ملتهم أيضًا، وكذلك قال اليهود.

وذكر القرآن الكريم هذه الدعوى في قوله تعالى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ?140) [البقرة:140] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت