فهرس الكتاب

الصفحة 2035 من 2431

ولعل الأولى أن يكون المراد من سوء العذاب: الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.

قال الطبري: وعني بقوله: (سُوءُ الْعَذَابِ) ما ساءهم من عذاب الله، وذلك نار جهنم 95.

وقوله تعالى: (النار) قال القرطبي: يقول تعالى ذكره مبينًا عن سوء العذاب الذي حل بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله (ں يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا) [غافر 46] .

إنهم لما هلكوا وأغرقهم الله جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) إلى أن تقوم الساعة 96.

ثم يوم القيامة هو يوم الفصل والقضاء بين الخلق وربهم، وبين الخلق مع بعضهم البعض، وهو يوم الجزاء والعقوبة، ونشر الصحف، وانكشاف السرائر، وفي هذا اليوم تتجلى رحمة الله بعباده المؤمنين، وعدله مع أعدائه، بكشف أهل المكر وأعمالهم التي أحصاها عليهم، وكتبها الحفظة في سجل أعمالهم، فتكون المفاجأة الكبرى، والطامة العظمى عليهم من حيث لم يحتسبوا، لما قابلوا نعمة الله بالمكر، قابل مكرهم بمكر أشد منه، وهو أنه أمهلهم إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ? قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ? إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ?21?) [يونس 21] .

وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية؛ لأن هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم كهيئة فعل الماكر، وحسنته المشاكلة 97.

ومن العقوبات التي تحل بالماكرين -وهي أعظم العقوبات- خلودهم في النار.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر 10] .

قال ابن جرير: «وقوله: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم، عن قتادة قوله: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} قال: هؤلاء أهل الشرك 98.

وقد ذكر ابن كثير في المراد بالذين يمكرون السيئات قولين: أنهم المراؤون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراؤون بأعمالهم {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 142] .

أو أنهم: هم المشركون. ثم قال: والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى؛ ولهذا قال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر 10] .

أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية 99.

والسئيات هنا: صفة لمصدر محذوف؛ لأن الفعل لازم ليس بمتعدٍ الى مفعول به، قيل: بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات، فهو وصف مصدر محذوف، ويحتمل أن يقال: استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته، كما قال: {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [العنكبوت 4] .

وفي قوله: {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} يحتمل ما ذكرناه أن يكون السيئات وصفًا لمصدر تقديره: الذين يعملون العملات السيئات، وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر 10] .

إشارة إلى بقائه وارتقائه {وَمَكْرُ أُولَئِكَ} أي: العمل السيء، وهو يبور إشارة إلى فنائه 100.

وعنى بهن -السيئات- مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة، وتداوروا الرأي في إحدى ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله صلى الله عليه وسلم: إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه، كما حكى الله سبحانه عنهم: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال 30] .

ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، أي: يكسد ويفسد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعًا، وحقق فيهم قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30] .

وقوله: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر 43] 101.

وقيل: إن (يمكرون) هنا مضمنة معنى (يدبرون) ولكنه عبر بها لغلبة استعمالها في السوء، فهؤلاء لهم عذاب شديد فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور، فلا يحيا ولا يثمر، من البوار ومن البوران سواء.

والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبًا للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة، وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء، ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه، وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل، فأما المكر السيئ قولًا وعملًا، فليس سبيلًا إلى العزة، ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان، إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد، وعد الله، لا يخلف الله وعده، وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم 102.

وفي الآية الأخرى قال تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [سبأ 33] .

أي: قال المستضعفون: بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار، وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما؛ ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا: ليل نائم، ونهار صائم، وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل، والاغترار بالأيام، مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله 103.

والضمير في قوله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} راجع إلى الفريقين 104. المستكبرين والمستضعفين.

والندامة من المعاني القلبية لا تظهر، وإنما يظهر ما يدل عليها، وما يدل عليها غيرها 105. وهي التحسر في أمر فائت، أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والإضلال حين ما نفعتهم الندامة، وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير 106.

وقيل: المراد بأسروا هنا: أظهروا؛ لأنه من الأضداد، يكون تارة بمعنى: الإخفاء، وتارة بمعنى: الإظهار، ومنه قول امرئ القيس 107:

تجاوزت أحراسًا وأهوال معشرٍ

علي حراصًا لو يسرون مقتلي

فالإسرار: الإظهار والإضمار جميعًا، وهو من الأضداد، ويروى: لو يشرون مقتلي، بالشين المعجمة، وهو الإظهار لا غير. وقيل معنى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} : تبينت الندامة في أسرة وجوههم 108.

وقوله تعالى: {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} أي: وافوه، وتيقنوا حصولهم فيه. أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو من العذاب، وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم، وتمنى أن لو كان على الحق، وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب سرًّا في أنفسهم لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. وفي بعض مواقف القيامة وعند دخولهم النار يظهرون ذلك الندم جهرًا 109.

موضوعات ذات صلة:

الخسران، الخشية، الخيانة، العذاب، الكتمان، النجوى

1 انظر: العين، الفراهيدي 5/ 470، تهذيب اللغة، الأزهري 10/ 135، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 263، 345، المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد 5/ 6، لسان العرب، ابن منظور 5/ 184.

2 انظر: لسان العرب 5/ 183، الفروق اللغوية، العسكري ص 260.

3 التعريفات، الجرجاني ص 227.

4 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 772.

5 المصدر السابق.

6 التعريفات ص 227.

7 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الميم 2، ص 1218 - 1219.

8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 432 - 433، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/ 516.

9 انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص 156.

10 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 305.

11 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 14/ 440.

12 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 316.

13 التعريفات، الجرجاني ص 189.

14 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 259.

15 مختار الصحاح، الرازي ص 84.

16 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 94.

17 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 260.

18 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 220.

19 انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 183.

20 معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص 101.

21 معالم التنزيل، البغوي 2/ 44.

22 انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 4/ 7.

23 التحرير والتنوير 3/ 257.

24 معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص 101.

25 تأويلات أهل السنة، الماتريدي 4/ 512.

26 معالم التنزيل، البغوي 1/ 446.

27 ديوانه ص 78.

28 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 1/ 387.

29 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 433.

30 الدر المصون 5/ 393.

31 العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 4/ 7.

32 تيسير الكريم الرحمن ص 718.

33 الفوائد، ابن القيم ص 213.

34 تفسير المنار 3/ 259.

35 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 346.

36 البحر المحيط 6/ 401.

37 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 19/ 54.

38 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 428.

39 أخرجه الطبراني في الأوسط 9/ 110، رقم 9272.

وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 414.

40 انظر: جامع البيان، الطبري 13/ 287.

41 التعريفات ص 20.

42 التوقيف على مهمات التعاريف ص 48.

43 الكليات ص 113.

44 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 133.

45 تهذيب اللغة، الأزهري 14/ 217.

46 المفردات، الراغب ص 728.

47 العقد الفريد، ابن عبدربه 1/ 86 بتصرف يسير.

48 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، 4/ 64، رقم 3030، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب، 3/ 1361، رقم 1739.

49 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/ 217.

50 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2112.

51 الفروق اللغوية، العسكري ص 49.

52 العين، الفراهيدي 5/ 361.

53 السراج المنير 3/ 333.

54 المصدر السابق.

55 البحر المحيط، أبو حيان 9/ 41.

56 السراج المنير 3/ 333.

57 نظم الدرر، البقاعي 7/ 254.

58 إغاثة اللهفان، ابن القيم 2/ 154 - 157.

59 انظر: العدالة الاجتماعية، سيد قطب ص 129.

60 تفسير المراغي 4/ 13.

61 تفسير المراغي 19/ 148.

62 انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 10/ 255.

63 التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/ 285.

64 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/ 31.

65 التفسير الواضح، محمد حجازي 2/ 241.

66 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2646.

67 معالم التنزيل، البغوي 2/ 415.

68 تفسير العز بن عبد السلام 2/ 357.

69 اللباب في علوم الكتاب 14/ 99.

70 في ظلال القرآن 3/ 1773.

71 روح البيان 3/ 339.

72 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/ 322.

73 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 108.

74 البحر المديد 4/ 424.

75 غرائب القرآن 5/ 520.

76 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 691.

77 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 9/ 156، رقم 8783، والبيهقي في شعب الإيمان 1/ 461، رقم 287.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 104: إسناده صحيح.

وقال ابن كثير في التفسير 2/ 279: وهو صحيح إليه -أي إلى ابن مسعود- بلا شك.

78 لباب التأويل، الخازن 3/ 79.

79 التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 23.

80 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 5/ 230.

81 جامع البيان، الطبري 18/ 92.

82 تفسير المراغي 9/ 74.

83 التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 5/ 829.

84 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2203 بتصرف.

85 تفسير المراغي 14/ 71.

86 في ظلال القرآن 4/ 2168 بتصرف.

87 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 2/ 366.

88 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 562.

89 انظر: تفسير المراغي 24/ 77.

90 انظر: غرائب القرآن، النيسابوري 6/ 41.

91 التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 157.

92 السراج المنير، الشربيني 3/ 486.

93 فتح القدير، الشوكاني 4/ 567.

94 التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 157.

95 جامع البيان، الطبري 21/ 395.

96 المصدر السابق.

97 التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/ 134.

98 جامع البيان، الطبري 20/ 446.

99 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 538.

100 مفاتيح الغيب، الرازي 26/ 227.

101 الكشاف، الزمخشري 3/ 603.

102 انظر: في ظلال القرآن 5/ 2931.

103 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 421.

104 فتح القدير، الشوكاني 4/ 377.

105 البحر المحيط، أبو حيان 8/ 552.

106 روح البيان، حقي 7/ 298.

107 ديوانه ص 102.

108 فتح القدير، الشوكاني 4/ 377.

109 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 681.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت