فهرس الكتاب

الصفحة 2343 من 2431

وهو بهذا يصف الطريقة التي يأتيه جبريل عليه السلام بها في الغالب، وإلا فإنه قد رآه على صورته الحقيقية، وأحيانًا كان يأتيه الوحي منامًا، وغيرها من الصور التي لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.

ثالثًا: القذف في روع الرسول:

والمقام الثالث من مقامات الوحي الذي كان يأتي الوحي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم هو ما جاء ذكره في قول الله تعالى: (ما كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) [الشورى: 51] .

وهو إما أن يكون إلهامًا أو منامًا أو قذفًا في القلب 34.

وقد جاء عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصيةٍ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته) 35.

والشاهد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي) ، وهو مقام قد يشارك فيه بعض الناس الأنبياء، ولايصح التعبير عنه بالوحي، ولا يجب العمل أو التشريع بمقتضاه إلا إن كان لنبي، أما إن كان لغير نبي؛ فإنه يستأنس به ولايستدل به.

فمثاله من الرؤيا المنامية للأنبياء رؤيا إبراهيم عليه السلام في قول الله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى? فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى? ? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ?102?) [الصافات: 102] .

فعبر عنها ولده إسماعيل عليه السلام بأنها أمر إلهي، ومثاله من رؤيا غيرهم من الناس رؤيا صاحبي يوسف عليه السلام في السجن في قول الله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ? قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ? وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ? نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ? إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ?36?) [يوسف: 36] .

ومنها أيضًا ما يراه الناس، ويبحثون عمن يعبره لهم، ولا يصح أن يتخذ من رؤيا الصالحين أو الشيوخ دليلًا على أمر شرعي أو حدث غيبي، كما يفعله كثير من الصوفية، ويزعمون أنه من جنس الكرامات.

تبين فيما سبق أن الوحي يتفاضل بين ثلاث مقامات، وهذا باعتبار الوحي إلى الأنبياء، أما إذا تغاير الوحي باعتبار الموحى إليهم؛ فإن جنسه يختلف باختلافهم، فلا يصح أن يذكر فيه تفاضل، فوحي الله إلى الأنبياء والرسل يختلف عن وحيه للملائكة، كما يختلف عن وحيه لأهل الإيمان، أيضًا يختلف عن وحيه لغير الأحياء، فكل وحي يختلف في حقيقته عن الآخر، وإن كان ثمة تداخل بين بعضها من حيث المراد. وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الرسل والأنبياء:

الوحي إلى الأنبياء والرسل هو الوحي الذي قال الله جل جلاله فيه: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ? إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى: 51] .

وهو المتضمن لبيان العقائد، والتشريع، وأخبار الغيب، والسنن الربانية.

كما أن له مقامات ثلاث متفاضلة باعتبار تفاضل الرسل والأنبياء الذين أوحي إليهم به، أو الأحوال والتشريعات، وقد كان فيه الرسل والأنبياء واسطة في البيان والتبليغ بين الله وعباده بهذا الوحي، ومنه ما يكون قاصرًا علمه على الأنبياء فقط، فلم يكلفوا بتبليغه للناس، كالوحي المنزل على الخضر عليه السلام، وبعض ما لا تطيقه عقول الناس مما أوحي به إلى الرسل والأنبياء، فلقد أرى الله أنبياءه ورسله من الآيات ما يجعل اليقين عندهم كافيًا لأن يؤمنوا بما لا يستطيعه غيرهم، وهم بينهم في ذلك اختلاف، كالذي كان بين موسى عليه السلام والخضر عليه السلام، ومن التفاوت في قوة اليقين، فمنهم أولو العزم ومنهم من ليس كذلك، وإنما كان لهم هذا العزم بما قد خصهم الله به من العلم والإطلاع على الآيات ما لم يطلع عليه غيرهم.

يقول الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ? وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ?) [البقرة: 253] .

ثانيًا: الملائكة:

وهو وحي ليس على سبيل التشريع والإخبار، وإنما على سبيل التكليف، فالملائكة مسخرون لطاعة أوامر الله تعالى، وليس لديهم خيار بين الاستجابة والرفض، فقد سخرهم الله جل جلاله لتلقي ما أمرهم بالقبول والانقياد من غير تردد، فمنه أمر الله لهم بالسجود لآدم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ?34?) [البقرة: 34] .

فذكر الله تعالى بعد عدم استجابة إبليس للأمر الإلهي أنه من الجن؛ ليكون كالتعليل لعدم استجابته لما أمر به، وأنه ليس كالملائكة في ذلك، حيث إن الله عز وجل وصف الملائكة بأنهم لا يعصونه في أمر.

يقول تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6] .

وهو لا يأمرهم إلا بالوحي أو من وراء حجاب، على سبيل التكليف لا على سبيل التشريع.

أما ما جاء من عرض الله عليهم إرادته لخلق آدم وما كان منهم من استفهام، كما جاء في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?30?) [البقرة: 30] .

فلم يكن هذا الاستفهام على سبيل الاعتراض 36، وإنما كان من باب عدم رغبتهم في وجود من يعصي الله في الوجود، وقد ظهر هذا في قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) .

فهو من باب غيرتهم على مقام وحدانية الله تبارك وتعالى، ولذلك لم يوبخهم الله تعالى على ذلك، بل عرض آدم عليهم؛ ليبين لهم الحكمة من خلقه، لذلك لما تبين لهم هذا الأمر؛ اعترفوا لله بجهلهم، ومجدوه بالعلم والحكمة، وذلك في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?31?قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ?32?) [البقرة: 31 - 32] .

فأكد لهم ما ظهر لهم من علمه وحكمته، وبين لهم أن هناك من العلم والحكمة أيضًا ما لم يظهر لهم، فقال: (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ? فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ?33?) [البقرة: 33] .

ومما أوحى الله به إلى الملائكة أمرهم بنصر المؤمنين وتثبيتهم، فقال جل جلاله: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ?12?) [الأنفال: 12] .

ومنه الأمر بحفظ بني آدم، قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ? وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) [الأنعام:61] .

ومنه الأمر بقبض الأرواح، قال جل جلاله: (حَتَّى? إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ?61?) [الأنعام: 61] .

ولهم الكثير من الوظائف التي أوحى الله لهم بها، ليس المقام هنا مقام الوقوف عليها وحصرها، إنما هذه أمثلة عليها.

ثالثًا: أهل الإيمان:

إن الله تعالى كريم رحيم رؤوف بعباده لطيف بهم، ومن كمال لطفه جل جلاله أن يعلمهم بأمور قد يكون لها وقع خطير في حياتهم، ولكن كيف يكون هذا والواسطة بين الله وعباده منقطعة؟!

إنه وحي من الله لهم ولكن من نوع آخر غير وحي النبوة، ومن هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة بقوله: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) 37.

وليس معنى هذا أن الوحي قد انقطع بجميع صوره التي ورد ذكرها في القرآن، وإنما خص الرؤيا بالذكر؛ لأنها تكون لآحاد المسلمين بكثرة، وإلا فإن الإلهام يرد عليه، ويكون بعد النبوة، لكنه بحسبه منه ما يكون لخواص المسلمين 38.

وهو كالذي روى أبو هريرة رضي الله عنه فيه حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر) 39.

فكان عمر رضي الله عنه ممن اختصهم الله تعالى بذلك، ومنه ما يكون عامًّا للمسلمين جميعًا، وذلك بإلهام الله لهم الإيمان برسله وأنبيائه وما جاؤوا به من الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية.

وكان الإلهام الذي ذكر في الحديث فيما كان قبلنا من الأمم، ومنهم من ورد ذكره في القرآن، وهم ثلاثة:

••أم موسى عليه السلام: أوحى الله إليها بوحي من قبيل الإلهام، يقول الله عز وجل: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ ? فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ? إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7] . يقول السمعاني: والوحي: هو الإعلام في خفية، فأكثر المفسرين على أن معنى قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ مُوسَى?) هو إلهامها 40، وكان ذلك وحيًا جاءها من الله؛ فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة 41.

••مريم رضي الله عنها: فقد اصطفاها الله لأمر عظيم، واختصها به، وهو أن تحمل وتلد من غير بعل، معجزة منه تعالى لعبده ورسوله عيسى عليه السلام، وهذا أمر يصاحبه من الابتلاء بوقوع التهمة والفرية ما يترتب عليه هم وغم عظيمان، فأعلم الله جل جلاله مريم رضي الله عنها به وحيًا من غير نبوة، بأن أرسل لها جبريل عليه السلام، الذي ينزله الله عز وجل بالشرائع على الرسل والأنبياء؛ ليبلغوها للناس، وقد جاءها؛ ليخبرها هذا الخبر فحسب، ولينفذ المهمة التي كلف بها من نفخ الروح في درعها؛ لتدخل في جوفها وتستقر في رحمها؛ ويخلق الله جل جلاله منها عيسى عليه السلام 42، وليس على سبيل التكليف بالنبوة والرسالة، يقول الله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ?16?فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ?17?قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَ?نِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ?18?قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ?19?) [مريم: 16 - 19] .

••الحواريين رضي الله عنهم: إنهم الذين كانوا مع نبي الله عيسى عليه السلام، فقد كانوا في شدة وبلاء وكرب من بني إسرائيل، كما هو حال أتباع الأنبياء، فقد كان بنو إسرائيل يفتنونهم فتنًا تزلزل الجبال الرواسي، كيف لا وهم أعداء الأنبياء وقتلتهم؟! يقول الله جل جلاله في سياق عد مننه ونعمه وآلائه على عبده عيسى عليه السلام: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111 ) ) [المائدة: 111] . يقول السعدي: «واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانًا، فأوحيت إلى الحواريين، أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي» 43، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، فقد قال بعضهم: إن المراد هنا أن الله عز وجل أوحى إليهم على لسان عيسى عليه السلام، أي: «أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا» 44، فالوحي من هذا القبيل على ألسنة الأنبياء والرسل إنما هو لعموم الناس، وليس للمتبعين فقط، ثم إن المنة بذلك تكون ضعيفة حين يتبعه اثنا عشر رجلًا وتخالفه الأمة بأسرها، لكن المنة تكمن في أن الأمة كلها مخالفة له، فألهم الله جل جلاله الحواريين أن يؤمنوا به؛ ففعلوا وانقادوا، فقرت بهم عين نبيه عليه السلام واستكانت لذلك نفسه.

رابعًا: السموات والأرض:

يوحي الله تعالى إلى مخلوقاته من ألوان الوحي بحسب ما يليق به من حيث: الطاقة، أو الكيفية، أو الوظيفة المناطة به، والمهام التي كلف بها، فوحيه للرسل يختلف عن وحيه للملائكة، وعن وحيه للمؤمنين، ومن باب أولى أن يختلف عن ذلك وحيه لغيرها من الكائنات غير الحية، كوحيه إلى السماوات، فإنه وحي يتناسب مع هذه المخلوقات.

فوحيه للرسل يتضمن رسالة محتواها الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية التي لا صلاح للبشر إلا بها، وكان وحيه للملائكة متضمنًا أخبارًا وأوامر، لايستقيم لهم أن يقوموا بما خلقوا له من التكاليف إلا به، حيث إنهم كما قالوا عن أنفسهم فيما ذكره الله عز وجل عنهم: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 32] ، وكيف يتسنى لهم أن يعرفوا أوامر الله لهم من غير وحي يوحي الله جل جلاله لهم به؟!

وكذلك الحال مع بني الإنسان، فإن الهداية لم تكن طوع أيديهم، وليس لهم أن يتناولوها بعقولهم، أو يكتسبوها بالتأمل؛ إن لم يكن ذلك مؤيدًا بتوفيق الله تبارك وتعالى، كما قال تعالى في كتابه: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ? وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف: 17] .

وكما قال عز وجل في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم: (يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) 45.

وكذلك كان وحيه للسماوات يتناسب مع الطبيعة التي طبعت عليها والهيئة التي خلقت بها، فكان وحي الله -تبارك وتعالى- لها بأن تكون مسخرة، وذلك بقوانين ونواميس خاصة لا تصلح الحياة الدنيا إلا بها.

يقول عز وجل: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى? فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ? وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ? ذَ?لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت: 12] .

فإذا أراد الله تعالى لها الخراب أوحى إليها وحيًا تتغير فيه تلك القوانين، وتتبدل النواميس حتى إن الإنسان الذي ألفها على تلك الحال التي كانت مستقيمة بقوانينها ونواميسها ليتساءل عما اعتراها من خلل، فيقول فيما أخبرنا الله عز وجل: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة: 1 - 5] .

فهي مسخرة لطاعة الله جل جلاله طوعًا، ولو لم يكن كذلك لسخرها كرهًا، يقول الله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11] .

فأطاعته ولانت وخضعت وأذعنت على عظمتها؛ لعلمها بأن الذي أمرها لا يتعاظمه شيء، جل جلاله وعز شأنه، غلب بسلطانه وقهر بجبروته، وأذهل بقدرته تعالى.

خامسًا: النحل:

إن المتأمل في حياة النحل وطريقة معيشتها ورحلاتها وصناعتها ليعلم أن ما تقوم به هذه المخلوقات ليست بالاكتساب ولا بالتعلم، وإنما هي الغريزة التي غرزها الله تعالى فيها، والإلهام الذي جعل من هذا الكائن الصغير ذلك الصانع القدير، فقد هيأ الله عز وجل فيها ولها من الأسباب والقوانين الطبيعية والكيميائية التي صارت صناعتها كالسجية، والمطلع على آليات العمل في خلية النحل ليبهره ما سيراه من نظام، ويسحره ما يشاهده من تعاون، ويأخذ لبه مايراه من التزام كل عامل بعمله الخاص به دون أدنى تدخل أو تطفل.

ثم هي بعد شعوب وقبائل، فمنها شعوب قد سخرها الله للمعيشة في بيئة الجبال؛ فتتخذ من كهوفها وشقوقها البيوت، ومنها قبائل هيأها الله ليكون بيتها في الشجر، وطائفة أخيرة جعلها الله تأنس بما يصنعه الإنسان لها من بيوت، ويسر لها الأرزاق من كل الثمرات وأزهارها، حلوها ومرها؛ لتصنع بعد ذلك شرابًا شهيًا فيه شفاء للناس 46.

وفي هذا جاء قوله تعالى: (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68?ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ? يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?69? [النحل:68 - 69] .

ليكتمل بذلك للإنسان أنواع الأشربة التي يأخذها الناس، فمنه ما كان أصله المطر، وهو الماء، ومنها ما أصله الشجر وهو العصائر والخمور، ومنها ما أصله بطون الضأن والجمال والبقر، وكان العسل رابعها، الذي يأتي به من الكائنات الصغيرة، التي جعلت مثلًا للرأي الصحيح، في قول الشاعر 47:

لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به

فالنحل وهو ذبابٌ طائر العسل

جعل الله جل جلاله العسل رزقًا لعباده في الدنيا الذي سيشربون منه في الآخرة، وقد جمع بين هذه الأشربة في كتابه في موضعين:

الأول: في سورة النحل على أنها شراب لهم في الدنيا، فقال جل جلاله: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ?65?وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ? نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ?66?وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?67?وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68?ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ? يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?69? [النحل: 65 - 69] .

والثاني: في سورة محمد صلى الله عليه وسلم على أنها شراب لهم في الجنة، بقوله عز وجل: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ? فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ? وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ?ہ) [محمد: 15] .

والأشربة الثلاثة الأولى يستخرجها الناس، ولهم في ذلك وسائل هيأها الله تعالى، أما الرابع فلا حيلة لهم يستخرجونه بها، إلا بأن يكون ذلك بالوحي الغريزي لهذا المخلوق الصغير الشرس، وهذا ما أوحى الله به للنحل، فكانت مسخرة له بأمره تعالى، وليس هذا المقام مقام التفصيل في التفريق بين هذه الأشربة وطرق استخراجها.

إن ذكر الله تعالى لوحيه لهذه المخلوقات في كتابه الكريم جاء لأمر حكيم، ألا وهو بيان كيفية استجابة هذه المخلوقات التي أوحى الله عز وجل، من أنبياء ورسل كرام عليهم الصلاة والسلام، وملائكة عظام عليهم السلام، وسماوات وأراضٍ، وما فيهما من خطير الأجرام، وحتى الصغير الحقير من الهوام، كلها كان شأنها الامتثال لما أمرها الله جل جلاله به في وحيه إليها، شرعيًّا كان الوحي أو كونيًا، كلها خضعت وأذعنت واستجاب ولانت لأمر ربها.

فحري بهذا المخلوق الذي سخر الله له هذه الكائنات أن يكون على سنتها وناموسها، مستجيبًا خاضعًا مذعنًا مستسلمًا منقادًا معظمًا لما جاءه من وحي ربه تبارك وتعالى، متدبرًا متعقلًا متفهمًا لما يتلوه منه، خائفًا مما فيه من تهديد ووعيد، راجيًا لما فيه من وعدٍ بالثواب والمزيد، سائرًا على هديه الرشيد، وذلك ينتظم أمورًا ثلاثة تمت الإشارة لها، وفيما يلي -بإذن الله تعالى- تفصيلها:

أولًا: تلاوة الوحي:

إن تعظيم ما جاء من عند الله جل جلاله آمرًا بتعميمه لهو من تمام عبادة العبد لربه تبارك وتعالى، وإن الله ما أمر بتعظيم شيء مثل ما أمر بتعظيم كلامه، الذي ما شرف شريف ولا عظم عظيم إلا به، وهو ما أوحى الله به؛ لتستقيم أمورهم، هذا لا يتيسر لهم إذا كانوا يقرءونه طربًا، أوينثرونه هذرًا، أو يهذونه شعرًا، بل كان لابد لهم من تلاوته وتدبره وتفهمه وتعقله، ولكي يتسنى لهم ذلك؛ كان لابد من مراعاة أمور قبل قراءته وأثناءها وبعدها، باستحضار ما يأتي:

••إن الله تعالى هو من تكلم بهذا القرآن، يقول الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ?6?) [التوبة: 6] .

••إن القرآن هو خطاب من الله لمن يقرؤه، يقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?) [الأعراف: 204] .

••إن الله جل جلاله أخبرنا فيه بأمور:

••ماضية للاعتبار، يقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ? مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَ?كِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?111?) [يوسف:111] .

••معاصرة للاستحضار، يقول الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41] .

••مستقبلة للتبشير والإنذار، يقول الله تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ?47?يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ?48?وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ?49?سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى? وُجُوهَهُمُ النَّارُ ?50?لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?51?هَ?ذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ?52?) [إبراهيم: 47 - 52] .

••إن الله عز وجل أمرنا فيه بأوامر لامتثالها، ونهانا فيه عن نواهٍ لاجتنابها، يقول الله تعالى: (ذَ?لِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ? وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ?5?) [الطلاق: 5] .

••جمع القلب، واستحضار الذهن، والتدبر لما يقرؤه جيدًا، يقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: 204] .

••إن صلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة إنما بالقرآن والقيام بحقه، يقول الله تعالى: (. لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: 10] .

••أن نبتغي بقراءته الأجر والثواب من الله تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ?29?لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ? إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ?30?) [فاطر: 29 - 30] .

••توطين النفس والعزم على تصديق أخبار القرآن، والاستجابة لما فيه من الأوامر والنواهي، يقول الله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?83?وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ?84?فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ?85?) [المائدة: 83 - 85] .

وقد أفاض كثير من أهل العلم في كتابة ما ينبغي أن يكون عليه قارئ القرآن، مثل: التبيان في الأداب في حملة القرآن للنووي، فضائل القرآن للمقدسي، وغيرها.

ثانيًا: التخويف بالوحي:

النفس البشرية تركيب من مزيج من الشهوات الداعية إلى الجموح والعصيان والطغيان، فهي ترغب في فعل مايحلو لها من غير قيد أو ضابط، حتى وإن كان ذلك القيد أو الضابط ما وضع إلا لمصلحتها، وقالوا قديمًا: من أمن العقوبة أساء الأدب. لذلك كان من مقاصد الوحي الذي أنزله الله تعالى من أجلها التخويف بالوعيد والنذر، يقول الله عز وجل في كتابه عن هذا المقصد: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ? وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) [الأنبياء: 45] .

وقال أيضًا: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ? [الإسراء: 59] .

وقد جاء التخويف بالوحي على صور مختلفة، منها:

••ذكر قصص الأمم التي عصت رسلها، وهذا قد كثر ذكره في القرآن الكريم حتى إن سورًا كاملة جاءت على هذا المنوال، أو كان أغلب السورة عليه، مثل سورة هود، الشعراء، القمر، الفجر، نوح، وغيرها.

••بيان أحوال العصاة والكفار في النار، يقول تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ? ذَ?لِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ? يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ?) [الزمر: 16] .

••ذكر العقوبات على المعاصي، يقول تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ? ذَ?لِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ? وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?33? [المائدة: 33] .

••التهديد على المعصية بانتقام الله من فاعلها، يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ?4?) [آل عمران: 4] .

••بيان أن في المعصية تعدِّيًا لحدود الله، يقول تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ?14?) [النساء: 14] .

••بيان أن فاعل المعصية مستحق لغضب الله، يقول تعالى: (وَلَ?كِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?106?) [النحل: 106] .

••الجمع بين أكثر من عقوبة لفاعل المعصية، يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ?93?) [النساء: 93] .

••وصف فعل المعصية أو فاعلها بالخسران، أو الفسق، أو الفجور، أو الكبر، أو الظلم، أو الكفر، وغيرها مما يعاب به العاصي في القرآن، يقول تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ?27?) [البقرة: 27] .

••بيان أن فعل المعصية اتباع للشيطان، يقول تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?168?إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?169?) [البقرة: 168 - 169] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت